د. سعيد الشهابي لم يسبق خلال نصف القرن الماضي ان تم تهميش موضوعة حقوق الانسان الى المستوى الذي وصلت اليه في السنوات الاخيرة. فبرغم ما كان يبدو من تطور انساني يؤسس لدور محوري لتلك الحقوق في العلاقات الدولية، فان ما تواجهه هذه الموضوعة من تهميش متعمد او غير مقصود، ليس له سابقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والبدء بتقنين الحقوق البشرية وربطها بالقانون الدولي. وبلغ الامر ان تتحول حقوق الانسان الى شعار اجوف لا يحمل في خباياه معنى حقيقيا، وان يكون اداة بايدي اشد الانظمة انتهاكا لتلك الحقوق. وقد بدأ تهميش الاهتمام بها في العشرين عاما الاخيرة، بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق الذي كانت قواته قد اجتاحت الكويت في اغسطس 1990. طرحت قضية حقوق الانسان في ذلك البلد آنذاك كواحد من اسباب استهداف نظام صدام حسين، وعين مقرر خاص لحقوق الانسان في العراق، من قبل الامم المتحدة. ولكن في المقابل، صاحب حرب الكويت انتهاكات خطيرة لتلك الحقوق من قبل قوات التحالف التي شنت الحرب. وليس من قبيل المبالغة بان ما يسمى ‘الحرب التكنولوجية’ كانت من أكثر الحروب انتهاكا لحقوق البشر في العيش الآمن. فالصواريخ التي اطلقت على العراق وكميات اليورانيوم المنضب التي استخدمت احدثت من الدمار البيئي والبشري ما لم يحدث مثله من قبل. وقد بدأت آثار ذلك الاستخدام الجنوني للمواد السامة تظهر على الولادات في العراق في شكل تشوهات خلقية وسرطانات بشكل متصاعد. كما ان استهداف القوات العراقية بشكل انتقامي كان قاسيا، ويكفي ما حدث بمنطقة المطلاع الكويتية التي حصدت فيها طائرات ‘أباتشي’ ارواح آلاف الجنود العراقيين الذين كانوا في حالة انسحاب من الكويت. فكان ما جرى آنذاك اول صفعة دولية قوية لمقولة حقوق الانسان، ولم تكن ردة فعل الجهات الحقوقية الدولية بمستوى الانتهاكات. ولم يحاكم اي مسؤول سياسي او عسكري امريكي بسبب ذلك. وحيث ان الحرب حسمت بشكل كامل لصالح قوات التحالف، فقد سادت ‘عدالة المنتصر’، ودفن المهزومون عسكريا في قبورهم، بدون ان تذرف دمعة من اجلهم. ووفقا للقوانين الدولية التي تنظم الحروب، خصوصا اتفاقات جنيف، فمن غير الجائز اطلاق النار على المنسحبين من المعركة او الفارين او المستسلمين، ولكن الذي حصل مخالف لذلك تماما، فقد فعلت طائرة ‘اباتشي’ الامريكية فعلها الشنيع بحق الجنود العراقيين بعد انسحابهم من الكويت، وطويت صفحة الموتى كما بدأت.الصفعة الثانية لتلك المنظومة جاءت بعد ان سمحت الادارة الامريكية لقواتها باستخدام التعذيب وسيلة لنزع الاعترافات بدعوى ان تلك الاعترافات كانت ضرورية لمنع المزيد من الاعتداءات الارهابية التي كان تنظيم ‘القاعدة’ يخطط لها ضد اهداف غربية. وللمرة الاولى يخرج رئيس اكبر دولة في العالم معترفا بانه أقر استخدام طريقة ‘الايهام بالغرق’ ضد المعتقلين بسجن غوانتنامو للحصول على المعلومات. هذا ما اعترف به الرئيس السابق، جورج بوش على شاشة التلفزيون وفي مذكراته. وبرغم اجماع المنظمات الحقوقية الدولية على ان ذلك النوع من المعاملة يصنف ضمن اساليب التعذيب، فان احدا لم يستهدف الرئيس الامريكي بارتكاب تلك الجريمة التي تعتبر ضمن ما يسمى ‘جرائم ضد الانسانية’. وفي بريطانيا تقدم العديد من السجناء الذين تعرضوا للتحقيق على ايدي القوات الامريكية، بحضور ضباط بريطانيين في بعض جلسات التحقيق، بدعاوى ضد اجهزة الامن، ولكن ايا من تلك الدعاوى لم ينجح، واضطر اغلبهم للصمت على معاناتهم في السجون السرية الامريكية. ووفقا للمعلومات المتوفرة فقد ادارت الاستخبارات المركزية الامريكية (سي آي أيه) اكثر من ثلاثين سجنا سريا خارج الاراضي الامريكية، ونظمت عشرات الرحلات الجوية السرية لنقل المعتقلين بين هذه السجون. وربما ارتفعت اصوات المدافعين عن حقوق الانسان ضد تلك الممارسات المناقضة للاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية الاخرى، ولكن لم ينجم عن ذلك اعتقال مسؤول امريكي او بريطاني واحد بدعاوى متصلة بانتهاكات حقوق الانسان. فكان ذلك صفعة اخرى للمنظومة التي طالما استخدمت للتدليل على التطور السياسي الانساني في النصف الثاني من القرن العشرين. ومن المؤكد ان تراجع اولوية حقوق الانسان لدى الجانبين الامريكي والبريطاني قد ترك اثره على مواقف الدول الا خرى خصوصا في اوروبا لاسباب شتى، الامر الذي من شأنه التأثير السلبي على الامن والسلام العالميين نظرا لما يحدثه من خلل في التوازن الاجتماعي والسياسي في البلدان المحكومة بانظمة ديكتاتورية.في ضوء الضربات المتواصلة للمنظومة، جاء المال النفطي في السنوات الاخيرة ليوجه ضرباته القاسية لقيم حقوق الانسان ومنظومتها. ويوما بعد آخر تزداد هذه القضية تهميشا في العلاقات الدولية، ويتضاءل الاهتمام بها من قبل من كانوا يوما يطرحونها عنوانا لتقدمهم القيمي والاخلاقي والسياسي. فحتى وقت قريب كان الاتحاد الاوروبي يضع حقوق الانسان ضمن بنود اي اتفاق للتعامل التجاري والسياسي مع اية جهة دولية اخرى. وفي اطار ‘حواره’ السنوي مع دول مجلس التعاون الخليجي كان ذلك البند واحدا من القضايا التي تعكر مزاج المسؤولين الخليجيين الذين كانوا يصرون على ‘الخصوصية’ الثقافية’ لتبرير عدم التزامهم بالمعايير الغربية لتلك الحقوق. وتأجل توقيع اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية التجارية بين الطرفين بسبب رفض الخليجيين التوقيع على اتفاقية تلزمهم بالالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الانسان. ولكن الجانب الاوروبي تراجع كثيرا عن ذلك الموقف، واصبح يتعامل مع دول مجلس التعاون بطريقة طبيعية بدون ان يعير اهتماما لحقوق الانسان. يتم اللقاء السنوي بين الطرفين في شهر حزيران/يونيو من كل عام، وتسبقه اعدادات سياسية وتأطيرية للقضايا التي ستشكل مواضع النقاش. وقد دأبت المنظمات الحقوقية على مخاطبة الجانب الاوروبي مطالبة بادراج حقوق الانسان كشرط لتطوير العلاقات بين الطرفين او توقيع اتفاقية التجارة الحرة بينهما. وفي العام الماضي طالبت الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان (مقرها بروكسيل) الاتحاد الاوروبي باشتراط احترام حقوق الانسان على الجانب الخليجي، وطرحت في رسالة مشتركة مع مركز الخليج لحقوق الانسان قلقها ازاء تردي تلك الحقوق في اغلب بلدان مجلس التعاون، خصوصا في ضوء استهداف النشطاء الحقوقيين في العديد من دول المجلس. وقدمت مثالا على ذلك يتمثل باعتقال نبيل رجب رئيس مركز البحرين لحقوق الانسان بسبب تعبيره عن رأيه. مع ذلك لا تبدو اوروبا مستعدة لاتخاذ اجراءات صارمة في مجال حقوق الانسان، خصوصا مع وجود الضغوط البريطانية التي لم تتفاعل ايجابيا مع الحركات الهادفة لاقامة انظمة ديمقراطية في الدول العربية. بل انها بعثت خبراءها الامنيين لمواجهة تحديات الثورة في بعض هذه الدول.الثورات العربية قامت على خلفية انتهاكات الانظمة القائمة الحقوق الاساسية للمواطنين. واحدثت ثورتا مصر وتونس هزة سياسية غير مسبوقة منذ عقود، الامر الذي كاد يقلب اوضاع المنطقة رأسا على عقب. وبدلا من دعم تلك الثورات، عمدت الدول الغربية الى سياسات التشويش والتضليل، وتغيير الخطاب والمواقع. وبدلا من التحالف مع قوى التغيير، قررت القيام بثورة مضادة تزعمتها المملكة العربية السعودية مستخدمة اموالها النفطية الهائلة للضغط على حلفائها الغربيين لمسايرتها والتناغم مع سياساتها. وعلى مدى العامين الاخيرين، تم تمييع السياسات والمواقف الغربية ازاء مشاريع التغيير الديمقراطية في العالم العربي، كما تواصلت المساومة على حقوق الانسان، حتى لم يبق للمفهوم شيء من المصاديق. فثمة صمت غربي على استمرار سجن اكثر من عشرة آلاف سجين سياسي في السعودية، اغلبهم بدون محاكمات، وقد تعرض اغلبهم للتعذيب والتنكيل. وسكت هذا ‘الغرب الديمقراطي’ على اختراق السعودية الحدود الدولية واجتياح البحرين لقمع ثورتها المتأججة. وتظاهر الغربيون بانهم لم يكونوا على علم بذلك الاجتياح وانه قرار سعودي يستند الى توافق خليجي. هذا الغرب واصل صمته عندما اعتقل دعاة الديمقراطية وأهم أربعة نشطاء في مجال حقوق الانسان في البحرين، ولم يفعل شيئا عندما صدر تقرير لجنة التحقيق المستقلة التي شكلها نظام الحكم والتي اكدت ممارسة التعذيب المنهجي والقتل خارج القانون وتدمير بيوت العبادة. وتواصل اعتقال نشطاء حقوق الانسان الذين يفترض انهم محميون دوليا وفق قرارات قمة حقوق الانسان التي عقدت في فينا في 1993. وقد صدرت تقارير كثيرة تدين انتهاكات حقوق الانسان في المنطقة خصوصا البحرين، ولكن ما قيمة هذه التقارير؟ وما قيمة منظومة حقوق الانسان اذا عجزت آلياتها عن وقف الانتهاكات او اطلاق سراح نشطاء حقوق الانسان؟في الاسبوع الماضي عقد في البحرين مؤتمر يدعو لاقامة محكمة عربية لحقوق الانسان. هذه المحكمة ستكون لها وظيفتان: اولاهما حماية المسؤولين المتهمين بالتعذيب وسوء معاملة السجناء لقطع الطريق على المحكمة الجنائية الدولية، ثانيهما: ادانة المعارضين الذين ستقدم لهم التهم بانهم الذين ينتهكون حقوق الانسان، ويحرضون اتباعهم على العنف. هذا القرار لا يختلف عن قرار تشكيل جهاز ‘انتربول عربي’ لمواجهة النشطاء بعد ان رفض الانتربول الدولي التحول الى اداة للدول النفطية التي تريده شرطيا لها لاعتقال معارضيها. فقد اصبح الانتربول العربي آلة قمعية تعتبر امتدادا للشرطة المحلية لدى الدول العربية التي تسجن وتعذب وتقتل بدون حساب. ولن تختلف محكمة حقوق الانسان العربية عن الانتربول العربي. فكل الاجهزة انما تتم هندستها لتحافظ على النظام السياسي العربي القائم برغم تخلفه ورجعيته.وفي اطار سياسات ‘التذاكي’ من قبل النظام الرسمي العربي، خصوصا المتوفر على مال نفطي هائل، اصبح يستخدم لغة معارضيه في مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان، مستفيدا من الدعم الغربي المطلق الذي يدعم هذه الانظمة على حساب التزامه بالقوانين الدولية التي تعيش أسوأ ايامها. فهذه القوانين اصبحت مهمشة بدرجة كبيرة، فليس لديها انياب او اظافر، بل تعتمد على مدى استعداد الحكومات الغربية لتفعيلها والالتزام بها. فاذا اصبحت هذه الدول نفسها تنتهكها، فقدت هذه القوانين فاعليتها واصبحت ديكورا بايدي القوى الغربية الكبرى التي تسعى لاستغلالها من اجل الهيمنة من جهة واسترضاء ذوي المال النفطي من جهة اخرى. وفي زمن يعيش الغرب فيه حالة من الكساد الاقتصادي والتراجع المالي، اصبح المال النفطي يسيل لعاب الساسة الغربيين ويدفعهم للمساومة على القوانين والقيم والمبادىء، والتضحية حتى بالآليات الدولية التي كانت في اساسها تهدف لتفعيل منظومة حقوق الانسان. فاذا لم يدرك الغربيون استحالة التزام ذوي المال النفطي باحترام حقوق الانسان او التخلي عن العقاب الجماعي للمناوئين او تطبيق التوصيات الدولية الهادفة لاحترام تلك الحقوق، فمن المؤكد انه شريك لهذه الانظمة في ما تمارسه من قمع وانتهاك. السعودية اليوم تمارس دورا يفوق حجمها وقدراتها العسكرية او السياسية، وتوسع دائرة نفوذها الى ما خلف حدودها الاقليمية، مستخدمة المال النفطي الهائل لافراغ مفهومي الديمقراطية وحقوق الانسان من محتواهما. وما مجلس الشورى الذي عين اعضاؤه مجددا، ومن ضمنهم نساء، الا خطوة هامشية اخرى غير ذات شأن، برغم التصفيق الغربي لها واظهارها وكأنها انجاز ديمقراطي كبير. ان النفاق السياسي من اخطر ما يواجه المجتمع البشري، وعدم التزام بعض الانظمة الغربية بمسؤولياتها وفقا لقيم العدالة والامن والسلام وسيادة حكم القانون واجتثاث الجريمة والقضاء على التشويش والتضليل، من اخطر ما يواجه المجتمع البشري اليوم. وما تزال السعودية قادرة على شراء مواقف الغربيين ازاء القضايا التي تعصف باقتصاداتهم. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنqraqpt