ألمانيا تمنع المخرج السوري عبد المنعم عمايري من حضور عرض أخرجَه. وحدها صحف النظام السوري تتناول النبأ على هذا النحو، مع أن بإمكانها أن تبسّط الأمر لتقول إن عمايري لم يحصل على فيزا مثله مثل آلاف السوريين المتقدمين إلى السفارات الأوروبية.
الخبر، وكذلك العرض الذي أخرجه عمايري، يؤكدان أن النظام يصب جهوداً أعلى في توجهه إلى العالم، خصوصا في مجال توظيف الفن والإعلام في معركته ضد الثورة في البلاد.
عمايري، العائد من إقامته الإماراتية إلى أحضان النظام، لا يوفر جهداً في الظهور والوقوف بهذه الطريقة أو تلك إلى جانب نظام هو ربيبه في الأساس. فليس أقل من أن يرد له النظام منحه فرصة إخراج عرض أزياء لمصممة ملابس، معروفة هي الأخرى بولائها، هي منال عجاج.
عرض الأزياء حمل اسم «أبجدية الياسمين»، وقدم أزياء مستوحاة من 13 حقبة تاريخية مرت على سوريا، آخرها فستان أبيض ارتدته راقصة ظهرت في مشهد يعترضها فيه أربعة شبان يرتدون جلاليب سوداء، وعلى وجوههم كمامات الكيماوي، لتكون خاتمة المشهد انتصار الفتاة الراقصة على ذوي القمصان السود.
هذا المشهد هو فحوى عرض الأزياء الذي قيل إن ريعه للأطفال الذين يتّمتهم الحرب، وهذه تجارة رابحة في الغرب، وغطاء معقول لدعم النظام. هذه هي الصورة التي يريد عبدالمنعم عمايري ومنال عجاج تقديمها للغرب، على أساس أن هذا ما يجري في البلاد، ذوو القمصان السود في رمزيتهم الدينية المتطرفة، في مواجهة نظام بشار الأسد العلماني!
في آخر العرض تظهر المصممة منال عجاج مزنّرة خصرها بالعلم السوري الرسمي، وهذا وحده كاف كإشارة يتداولها الموالون على أن عرض برلين انتصار كبير للنظام العاجز عن الانتصار.
في الإمكان القول اليوم إن النظام قادر حقاً أن يدير جوقة من الفنانين الموهوبين، من عمايري إلى سلوم حداد، وأيمن زيدان، وديمة قندلفت، وشكران مرتجى، وباسم ياخور، وبسام كوسا، وسواهم. هذه المرة بالذات النظام يقدّر عالياً دور الفن والفنانين!
دائرة الطباشير السورية
في إطار المعركة الإعلامية ذاتها، صب إعلام النظام السوري جهداً استثنائياً للاستئثار بالفائز السوري في «آراب أيدول» حازم الشريف، بدءاً من التشجيع على التصويت له، وليس انتهاء بالاحتفاء الإعلامي به بعد الفوز. على ذلك سيأتي تفسير رفعه للعلم السوري الرسمي بأنه استجابة لضغط القناة السعودية، بل في هذا السياق سيجري تفسير إجباره على حمل العلم السعودي من دون رغبة له، فيما يصرّ الشاب على عدم رفعه (أي العلم السعودي)، على حد زعم هذه الصحف.
بعض المعارضين للنظام وناشطي الميديا الاجتماعية بدورهم سيسوقون حكاية تحسم موقف «محبوب العرب» ضد النظام، يقولون فيها إن النظام قتل والد حازم الشريف، المتحدر من مدينة حلب المدمرة في كثير من أنحائها، وأنه شرّد أسرته كما هجّر ملايين السوريين.
إنها إذاً «دائرة الطباشير» التي يقف فيها الطفل المتنازع عليه بين والدتين، تشده كل منهما إليها، ولن يفوز فيها سوى من كان بقلبه رحمة أكثر، فيشده أقلّ.
إنها منازعة لن تحسمها القوة الإعلامية للنظام بقنواته التلفزيونية العديدة، ولا قوة المعارضة في الوصول إلى منابر دولية وعربية لم يعد النظام يستطيع الوصول إليها. هي منازعة لن يحسمها إلا ضمير الشاب السوري. وحده من بإمكانه تبديد مساعي النظام وأوهامه، أو أن يبقى واقفاً في الوسط مستثمراً موقعاً يضمن له تشجيع جميع الأطراف.
زيتون وسواطير
في إمكان فيديو استشهاد القائد الفلسطيني زياد أبو عين أن يجمع تضامناً وتعاطفاً استثنائياً حول المأساة الفلسطينية. فهو يمثل روعة النضال السلمي الموثق بعشرات الكاميرات ليقال للعالم أجمع انظروا من هو الإرهابي وكيف يجابه من لا سلاح بيده سوى غرس شجر الزيتون.
لكن تأكدوا أن كل نصر مماثل للفلسطينيين سيليه فوراً من ينغص هذا النصر، أو لا يحسن استثماره، بل يحوله إلى كارثة.
هكذا ظهر في اليوم التالي لاستشهاد أبو عين استعراضات لملثمين وذوي القمصان الحمر وهم يرفعون سواطير مسنونة نقشت عليها شعاراتهم، وما أسهل أن يستخدم الاسرائيليون هذه الصور ليقال للعالم، انظروا من تحارب اسرائيل. وبالتالي سيذهب مجدداً دم زياد أبو عين كمن سبقه في حمى الجدل في المطارح التي تجيد اسرائيل، والعالم طبعا، الانتصار فيها.
دين الممثل
نشر الممثل السوري قصي الخولي عبر حسابه الخاص على «تويتر» صوراً لوشم على ذراعه حمل العبارة الإنجيلية المقدسة «من آمن بي وإن مات فسَيَحْيا». الفنان نفسه تحدث بعد ذلك عمّا يمكن أن تخلقه الصور من جدل فقال «بعرف رح توصل آراء متضاربة كتير، شي مع وشي ضد وشي حرام وشي مو حرام.. بحترم الكل أكيد ولكن كتبت ورسمت جملة مؤمن فيها كتير».
قد يقول الناس «وهل وقفت على قصي خولي؟»، حيث حمّى الشعارات والرموز الدينية غزت كل شيء، في سوريا خصوصاً، حيث الرايات والملابس وطرق الخطاب والأغاني وسواها. هذا صحيح طبعاً، فهل على الفنان أن يقتدي بالشارع؟ وماذا سيحل بنا حين ينقش كل فنان ومثقف ما يشير إلى دينه وطائفته كما فعل الفنان خولي وهو يعلن مسيحيته بوشم مدوٍ.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى