المايسترو المسرحي محمد بن قدور يتألق في (مهرجان المهابيل):ليلة القبض على الف ليلة وليلة!

حجم الخط
0

مصطفى بدويلم أكن لأتأكد من أطروحة ‘ آن أوبرسفيلد’ حول مفهوم العرض المسرحي باعتباره التمظهر العملي الناصع للفعل المسرحي إلا في ليلة العرض الأول لمسرحية (مهرجان المهابيل) من تأليف الراحل محمد مسكين وإخراج الفنان محمد بن قدور (جمعية المبادرات بوجدة)’ التي يحق لي أن أسميها ب(ليلة القبض على ‘الليالي’ (هكذا يحلو لي أن أسمي ألف ليلة وليلة). على امتداد ما يناهز ساعتين، رحل بنا العرض ليمخر عباب جميع الأزمنة (الماضي/الحاضر/المستقبل ) ويرتاد على متن المتخيل العديد من الأمكنة (بغداد /القاهرة..)متخذا من الكوميديا الموسيقية أداة سينوغرافية ومعروف أن الكوميديا الموسيقية مستلهمة من الريبيرتوار المسرحي الأميركي لكن تم (ترويضها) عبر تأصيلها ومنحها نكهة محلية مغربية بامتياز.

يلمس المتتبع للعرض استناد السينوغرافيا على الموسيقى بين-المشهدية وهي تجربة أغنت العرض من جهة وأمتعت حواس المتلقي في أبعادها المختلفة، مرسية فرجة جمالية نوعية من جهة ثانية.

تشتغل المسرحية على ‘محاكمة المحاكمة’ الشيء الذي يجعلها تتخذ من الفجائعية ذرائعيتها المفترضة على مستوى المتخيل. بعبارة أخرى نقول: إنها إدانة جمالية لمحاكمة المتخيل (الليالي)باعتبارها إنتاجية ثقافية رمزية أبدعها المتخيل العقلاني المتحرر في مقابل المسطح السلطوي المنغلق الذي( يحاكمها؟!). لقد استطاع العرض خلخلة الثابت عبر المتحول وتفكيك آليات العنف الرمزي( القاضي/شهريار..) الذي يجابه المعرفة(شهرزاد مثلا) برؤية جمالية ترتكز على خلفية نظرية يؤسسها مسرح النقد والشهادة الذي أرساه الراحل محمد مسكين كخيار جمالي على امتداد تجاربه المسرحية.

وباختصار، تمكن المخرج عمليا من تأثيث العرض بسيميوطيقية الحركة واقتصادها الدال كما هو الشأن مع القاضي’ الذي أداه باقتدار الفنان محمد بنقدور’ إضافة إلى اشتغاله على الأبعاد والزوايا بطريقة نصف دائرية، الشيء الذي ساعد على تكثيف مساحة التبئير البصري لدى المتلقي وحصر مجال حركة الممثل في مساحات محدودة بغية التحكم في توجيه عملية التلقي نحو غايات دالة ومقصديات محددة.

فالهندسة الدائرية لفضائية الركح تجد ما يوازيها على مستوى الهندسة الموسيقية الدائرية التي اشتغل عليها الإخراج بعناية فائقة.

صحيح أن هناك بعض البياضات التي تخللت عمليات الانتقال المشهدي، إلا أن ذلك يمكن تجاوزه تقنيا بسهولة بالغة، لا سيما وأن هناك مخارج سينوغرافية متعددة بإمكانها حل تلك التعثرات (الإنارة، الموسيقى، العروض الراقصة..). لقد تمكن العرض من وضعنا أمام سؤال إشكالي عميق يمكن أن نصوغه على الشاكلة التالية: من يحق له أن يحاكم الآخر؟.. هل السلطة أم المعرفة؟ أو بعبارة أعمق:

بأي حق يخول للأول مصادرة الثاني؟ وكيف لتاريخ القمع أن ينتج مؤسسات قادرة على تحقيق العدالة؟.. هكذا صارت المحاكمة التاريخية لكتاب الليالي في المسرحية محاكمة للسلطة التي أرادت أن تفوض لنفسها الحق في مصادرة الإبداع وبذلك يغدو العرض محاكمة إبداعية مفترضة لمحاكمة مادية تغيت قمع الإبداعوهذا ما يعكس بالضرورة أركيولوجيا عميقة في مفهوم السلطة في لبوساتها الرمزية والمادية اشتغل عليها العرض خاصة وأنه ينحاز بشكل بديهي الى مناصرة والجمال والبوح والشهادة والنقد.. الخ.

وللتذكير فقط فان مسرح النقد والشهادة كان يهدف على الدوام إلى تأسيس كتابة /فرجة بديلة للكتابة/الفرجة السائدة عبر تحقيق دراماتورجية كلية تمس كافة مكونات العرض المسرحي.

وأخيرا نقول: إذا كان العرض المذكور قد حقق نجاحا نوعيا فإنما ذلك يعزى بالدرجة الأولى إلى قدرة المخرج (والممثلين طبعا) على تقديم فرجة رائعة شدت الجمهور إليها.

وقد لا يستغرب المتتبع للمشهد المسرحي إذا كان المخرج هو الأستاذ محمد بن قدور الذي يعد اسما أساسيا في المشهد المسرحي المغربي منذ نهاية السبعينيات (جائزة أحسن ممثل في المهرجان الوطني بمراكش سنة 1978) وهو الذي صقل موهبته الفنية وعمقها عبر دراسة أكاديمية في باريس في منتصف الثمانينيات.

فانطلاقا من تلك الخلفية النظرية الغنية وذلك المراس الإبداعي الطويل تمكن العرض من تحويل تلك الليلة السابعة من الأسبوع الأول لشهر يناير 2012 إلى كرنفال فني دافئ وباذخ..!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية