أدرت محرّك سيارتي التي خرجت للتو من ورشة الإصلاح و في نيتي أن أنطلق إلى بيتي لأصيب قسطاً من الراحة، غير أن الراحة لم تكن من نصيبي ذلك اليوم؛ إذ كان النقاش يدور بين الكابتن عصام؛ صاحب ورشة إصلاح السيارات وبطل الدولة في لعبة التايكواندو المواظب على صلاته دون إطلاق لحية أو حف شاربين، وزبون عنده يقتني سيارة ألمانية الصنعة، حديثة الطراز، لا يكف عن الاستهانة بتكلفة إصلاحها ولا عن شتم الدولة وكيل الاتهامات لها بدفع الناس إلى شفير الفقر والبؤس والحرب الأهلية. راعني ما سمعت، خاصة موضوع الحرب الأهلية، فمكثت أستبين فحوى النقاش، الذي انتهى باتفاقهما على أن الدولة تمكّنت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى إفراغ المجتمع من محتواه القيمي من خلال سياسات ومناهج عمل تشجّع النشء على التراخي والاستكانة والاستهانة، وخططِ عمل تهدف إلى تهميش العلم والوعي والفن والعمل في حياة الجماعة.لعلّك، بعد أن قرأت كلماتي هذه، ستمكث أنت أيضاً أمام شاشة الحاسوب لتستبين ما يدور في خلدي؛ نعم. لقد أصاب الكابتن عصام والزبون الثري في النتيجة التي انتهى إليها تحليلهما للأمور، وإنّ أكثر ما يدعو إلى السخط هو أن يهاجمك أحدهم، بنية قتلك، هجوماً مباشراً دون مواربة ولا استحياء ولا اهتمام ولا اكتراث بردة فعلك مهما كانت.لقد بدأت الدولة مشوارها المشبوه يوم كفّت المدرسة عن أداء نصف دورها؛ التربية، فتوقفت برامج الأنشطة غير المنهجية وتناقصت حتى اضمحلّت الأنشطة المدرسية، فاختفت المهرجانات والكشاّفة والأعمال الطوعية والرحلات العلمية، وبات مشوار المدرسة رحلة ملل يومية رتيبة مزدحمة بالأمور الجافة، ثم جيء بالتاج؛ الترفيع التلقائي للراسبين.غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد من الضمور، فأعقبه مسلسلٌ تدريجي؛ عَمِلَ في تؤدة وثبات، على تجفيف المناهج من رطوبة الأسلوب وتعجيفها من دسم المحتوى، حتى بات المنهج مقيتاً قبيحاً، بل وغير مقنع أحياناً.لم تنجح مساعي أي من الدول في السيطرة على شعبها الذي تؤثر فيه نخب واعية متعلمة تحمل لواء مبادئ ما، مهما كانت هذه المبادئ مثيرة للجدل كالبعثية أو حتى للاستنكار كالشيوعية وأعتذر للقارئ الشيوعي عن خشونة كلامي الذي لا أقصد به إبداء رأيي الشخصي، بل وصف النظرة العامة التي سادت المجتمع عن الشيوعية الأمر الذي استدعى استشارة أجهزة خارجية ذات خبرة أكبر وأعمق فأشارت على هذه الدول كما يروّج أستاذي نزار أن أفرجي عن المعتقلين تنزعين عنهم هالة البطولة، وأشغِلي الناس بهموم القُوت تصمّين آذان الجماهير عن دعوة النخب، ووسعي المعتقلات؛ اعتقلي عدداً أكبر من الناس في سجن فضفاض أسواره لا تُنْقب ولا يُنافَقُ تحتها، زجي بالناس في الجهل يسهل عليكِ تجريدهم من الوعي ثم من المبادئ؛ وهذا ما كان.كانت النخب مشغولة في تنظيم أنفسها تحضيراً لمرحلة ما بعد المعتقلات، مرحلة ‘بطّلت المخابرات تخوّف أحداً’، بينما انقضّت الدولة على التعليم فقضت عليه، فخرّجت المدارس ثلاثة أجيال متعاقبة تؤمن أن من يتعلم ومن لا يتعلم يُنهيان الدراسة الإلزامية على حدّ سواء، ثلاثة أجيال هانت فيها قيمتي العمل والعلم، وارتفعت فيها ظاهرة ‘الأمر سيان’، حتى بات المرء الذي أنهى لتوه مشاهدة حمامات الدم في العراق وفلسطين يمر بالسوق فيشتري المشروبات الغازية الواردة مواربة من أمريكا، وثمار المانجو الواردة صراحة من الكيان الصهيوني، وكأن ‘الأمر سيّان’. الآن موعدنا لنعود إلى خط الدفاع الأخير فنرممه ونقوّيه.محمد بن طلال الرامينيرئيس تحرير مجلة ناشرون الأسبوعية