المبادرات السياسية تتدفق من الجانب الاسرائيلي ولكن معظمها تكرار للأفكار السابقة.. والخلاف يدور حول الكيفية

حجم الخط
0

يبدو أنه لن تهب رياح سلام كهذه التي تهب علينا أبدا في موسم ساخن مخيف ومهدد الي هذا الحد. كلما تحدثوا عن الحرب أكثر، ظهرت وبرزت مبادرات السلام. من الممكن قول امور كثيرة عن سيطرة حماس علي غزة، إلا أنهم مُجبرون علي الاتفاق حول أمر واحد: هذه الخطوة تمخضت عن عملية سياسية أو علي الأقل أجواء نشاط سياسي وبالأساس فيض من المبادرات.

بعد اولمرت ورامون، ظهرت في هذا الاسبوع ايضا مبادرة شمعون بيريس. معظمها متشابهة ومعروفة حتي آخر تفصيل فيها.

مبادرة الرئيس شمعون بيريس، كما نشرت في هذا الاسبوع في صحيفة هآرتس تنضم الي جملة هذه التطورات. في ديوان رئيس الوزراء ينفون بشدة استلامهم مثل هذه الوثيقة، أما دائرة بيريس فتقول بأنه قد قدّم لرئيس الوزراء في نهاية منصبه كنائب له ورقة عمل، إلا أن التفاصيل التي نشرت في هذا الاسبوع ليست دقيقة. علي أية حال لا يدور الموضوع حول مضمون المبادرة وانما دقة تفاصيلها وحقيقة أن بيريس يقترح مثل هذه الخطة.

خلال الانتفاضة اجتاز بيريس عملية استخلص منها انه لا يمكن التوصل الي اتفاق مع الفلسطينيين. هو اعتاد القول بأن المجال السياسي قد مات، وأن الحل الوحيد للصراع اقتصادي وانه لا يمكن التوصل الي أية تسوية إلا من خلال وادي السلام الذي كان قد اقترحه. بدلا من ذلك اقترح فكرة الكونفيدرالية مع الاردن، أو ما يُطلق عليه الخيار الاردني الذي كان قد طرحه عليه رئيس وزراء الاردن عبد السلام المجالي في أحد لقاءاتهما. بيريس تبني الفكرة بحماسة واعتقد أن هذا هو الخيار الواقعي من بين الخيارات الاخري.

في الآونة الأخيرة شعر بيريس بأنه قد أوغل جدا في الاعتقاد بأن المجال الاقتصادي سيحل كل المشكلات، وعاد الي موقفه الأصلي القائل بوجوب تطبيق اتفاق اوسلو والتوصل الي تسوية دائمة. بيريس، كما يجدر القول، لا يستخدم كلمة تسوية دائمة. هذا مصطلح غير قائم في قاموسه. ولكنه يعتقد بوجوب اجراء مفاوضات سياسية في موازاة المفاوضات المكثفة في المجال الاقتصادي.

وبالفعل، هذا هو الأمر الوحيد المثير للاهتمام في مبادرة شمعون بيريس التي تُعتبر تفاصيلها مزيجا من خطة كلينتون وطابا ومبادرة جنيف: ان بيريس قد غيّر رأيه. الناس الذين اعتادوا التحادث معه في هذه الامور يقولون بأن التغير الحقيقي قد طرأ عليه قبل ثلاثة اشهر وازداد مع سيطرة حماس علي غزة. خطته كما قُدمت لاولمرت قبل انتخابه رئيسا للدولة لم تتضمن، خلافا لما نشر، تبادلا للسكان أو جدولا زمنيا. بيريس عارض الجداول الزمنية دائما. ولكن ورقة العمل واللقاءات السياسية التي يُجريها علي حد سواء تشير الي أنه يعتبر أبو مازن وسلام فياض شريكين مريحين للمفاوضات، وأنه يعتقد بأن نافذة فرص ضيقة وقصيرة قد فُتحت وأن علي اسرائيل أن تُزيل من جدول الاعمال أي سبب للحرب.

السؤال هو الي أي مدي يبلغ تأثير بيريس علي اولمرت. صحيح أن اولمرت قال مؤخرا فقط في حفل نظمه حزب كديما علي شرف انتخاب بيريس، بأنه لا يخشي من مبادرات بيريس وتدخلاته السياسية. وبالمناسبة: هو يُرحب بذلك ويدعو بيريس لتحديه من خلال مثل هذه المبادرات. ولكن هناك شكا في أن يكون له تأثير هام علي اولمرت في القضية السياسية. اولمرت يعرف ان بيريس سيدعم أية خطوة سياسية يقوم بها خلافا لروبي ريفلين (لو كان قد انتُخب)، كما انه يعرف ان كل من يأتي الي البلاد يطلب الالتقاء مع بيرس. علي سبيل المثال يُعتبر اللقاء ببيريس بالنسبة لوزير الخارجية النرويجي أهم خطوة في جدول اعماله. أو بكلمات اخري: ربما لا يؤثر بيريس مباشرة، ولكن وجوده في الساحة هام ومؤكد. هو اليوم أبرز محلل لشؤون الشرق الاوسط.

لهذه اللقاءات أهميتها لان القادة والمبعوثين يتحدثون مع كل واحد حول كل واحد، ومن المهم لاولمرت جدا ما يقوله لهم عنه رئيس الدولة. علي سبيل المثال حول قضية اذا كان اولمرت يحافظ علي بقائه، تلك المسألة التي تطرح في كل لقاء بالتأكيد.

يكفي فقط أن يقول بيريس لضيوفه بأنه لا يعتقد أن اولمرت سيبقي، حتي يُسدل الستار عليه.

قُل لي هل بيلين من ورائك؟

الميل الأولي في ردود الفعل علي مبادرة بيريس للسلام هو القول بأنها تعود ليوسي بيلين مبتدع اوسلو الذي لا يتعب ولا يمل أبدا من طرح المبادرات الجديدة. إلا أن ردود الفعل من حول بيلين كانت ردودا تُعبر عن الشعور بالاهانة: هل كان بيلين ليطرح مثل هذه المسألة الحمقاء؟ يقولون محتجين علي هذا الادعاء إذ انه لم يكن حسب رأيهم ليطرح مثل هذه الخطة الضحلة التي هي عبارة عن أمور بديهية مفهومة. هذه مبادرة جنيف مكررة. وهذه ليست خطة بالمرة: نحن أمام بضعة مباديء يمكن لكل صبي في الصف الثالث الابتدائي أن يرددها غيبا، والتي لا يوجد حل من دونها. العودة الي خطوط حزيران (يونيو)، حل مشكلة اللاجئين، تحديد ترتيبات أمنية وعاصمتين لشعبين ـ هذه مسألة يمكن لكل أحد أن يرددها. الأمر المضحك حسب وجهة نظر أتباع بيلين هو أنهم يضخمون المسألة.

بيلين، كما يقولون هناك، ليس غاضبا لقيام بيريس باقتراح ذلك علي اولمرت. هو غاضب علي من ينسب هذه المبادرة اليه. هذا يشبه النزول من العمل كمحاضر جامعي الي العمل في مدرسة ابتدائية. ذلك لانه بعد مبادرة بيلين ـ أبو مازن قام بيريس بالقاء بيلين من أعلي السلم. كما أنه لم يوافق علي اتفاق جنيف. فقط عندما تحدث شارون عن المبادرة بأنها غير شرعية، قال بيريس بأنها شرعية ولكن من دون شهية.

هذا ليس جديا. يقول أتباع بيلين. وعموما، رسالة بيلين في هذه الايام تدور بالتحديد حول غزة: بيلين يعتقد أن اعتقاد الجميع بأن معانقة أبو مازن وسلام فياض وتحول غزة الي جهنم، ستدفع الفلسطينيين الي الانتقال الي فتح، هو خطأ كبير. نحن نسير نحو خطوة مع فتح، التنظيم الذي يوشك علي الانهيار، وحتي اذا اقتربنا من شيء جدي ما، فسيأتي الانفجار في تلك اللحظة: عودة العمليات والارهاب وهجمات القسام التي لا تتوقف. الناس لا يدركون مدي أهمية التوصل الي انسجام وتآلف مع غزة. إن لم يكن من الممكن القيام بذلك مباشرة فعبر طرف ثالث مثل مصر أو النرويج أو النمسا. ولكن ليس من الممكن تجاهل حماس. تقارير الامم المتحدة الواردة من غزة تتحدث عن وضع صعب. هم توقفوا عن انتاج البضائع والأسعار هناك تهبط بصورة جنونية. هم لا يتلقون الاسمنت من اسرائيل خشية أن يُستخدم في بناء الأنفاق، كما أن مجال البناء قد توقف تماما. المرافق الاقتصادية تنهار هناك واحدا بعد الآخر، و85 في المئة من السكان اليوم يحصلون علي الاعانات والوجبات الانسانية. كم من الوقت يمكن الاستمرار في هذا الوضع.

لذلك يدعي بيلين ان من الواجب قبل كل شيء التوصل الي وقف لاطلاق النار مع حماس، واسترجاع جلعاد شليط واعطائهم سجناء وايجاد حل للمعابر. اذا حدثت تسوية مع أبو مازن علي غرار كلينتون ـ جنيف سيكون من الممكن تحويل الوضع بين اسرائيل وحماس الي وقف اطلاق نار طويل.

سنقترح عليهم، يقول بيلين، أن يكونوا جزءا من الاتفاق مع أبو مازن. هم لن يوافقوا، ولكنهم قد يقولون أنه اذا انسحبت اسرائيل الي خطوط حزيران (يونيو) فسيوافقون علي وقف اطلاق نار طويل الأمد. اذا لم نفعل شيئا فسيقومون بكل ما في وسعهم لعرقلة أي اتفاق مع فتح. من المحظور التحمس لفكرة تحول غزة الي سجن كبير، وأن من الممكن اغلاقها ونسيان أمرها. اذا واصلنا اقناع كل ضيف يأتي الي اسرائيل بعدم استئناف العلاقات بين بلاده وحماس ـ غزة ستنفجر في وجوهنا.

بيلين، كما يُذكر، كان الشخص الذي عمل مع نوعام شليط من اجل الحصول علي البرهان الاول الذي يشير الي كون جلعاد حيا يُرزق، وبفضل اتصالاته ومساعيه تم الحصول علي الشريط المسجل. هو يعترف انه لا توجد اليوم أية مفاوضات لاخلاء سبيله. كل شيء عالق منذ ان أوقف المصريون تدخلهم.

كلنا نطرح المسألة خلال لقاءاتنا مع الجهات المختلفة، يقول بيلين، ولكن هذا لا يعني أن المسألة تلقي المتابعة اللازمة. الاقتراحات التي طُرحت قد طُرحت. في البداية كان جلعاد بيد ثلاثة تنظيمات مختلفة، والآن هناك احتمال كبير بأنه موجود بيد حماس. عدا عن ذلك يوجد اليوم اقتراح موضوع علي الطاولة حيث تقوم اسرائيل باطلاق سراح 450 سجيان فينتقل جلعاد الي مصر، فيُستكمل اطلاق سراح السجناء حتي 1000. كل هذه الامور كانت أكثر ملموسية في السابق. المشكلة هي انه لا يوجد اليوم من يتولي عملية الوساطة والتحدث معهم.

باراك صامت، ولكن من اليمين. رغم الأجواء السياسية الناشئة تخرج الرسالة الأكثر تشاؤما من بين كافة الشخصيات ذات العلاقة بدفع عملية السلام عن رئيس حزب العمل بالتحديد.

صحيح أنه لا يُكثر التحدث، وربما هذه مسألة جيدة: في محادثات مغلقة يقول وزير الدفاع انه لا يوجد فرق بين حماس وفتح، وانه لا يري أي مكان لخطوة سياسية. وعموما، باراك يسير مع الشعار انه حتي اذا جددنا المفاوضات مع الفلسطينيين، يحظر علينا أن نستأنفها من النقطة التي توقفت عندها في كامب ديفيد حتي لا يعتقد العرب أن الارهاب ناجع. وباراك هو الوحيد الذي يعتقد بأن حماس وفتح هما حركتان قوميتان تريدان نفس الشيء بالضبط.

ربما لا يُعتبر ذلك مفاجئا تماما. باراك انتُخب لرئاسة حزب العمل بسبب نهجه المتشدد، بينما مثل عامي أيلون الجناح الحمائمي.

الأمر المفاجئ هو أن رئيس حزب العمل اليوم شخص أكثر تشددا من رئيس الوزراء.

باراك بالمقارنة مع اولمرت أكثر انفتاحا علي الخطوة مع السوريين. لو اعتمد الأمر عليه لبادر الي ذلك اليوم، أما مع أبو مازن فكان ليتوصل الي تفاهمات حول المسائل اليومية وتحويل الحياة الي حياة معقولة هنا.

وزير مقرب من باراك حاول في هذا الاسبوع توضيح موقفه من المسألة السياسية. هو تحدث عن سلسلة طويلة من المباحثات مع الخبراء التي يجريها باراك في هذه القضية. سألت عضو الكنيست أوفير بينيس، الوزير البارز في الحكومة سابقا والذي خاض المنافسة علي رئاسة حزب العمل وتحالف مع باراك بعد الانتخابات التمهيدية، ما هو موقفه من أفكار باراك وإن كان رئيس حزب العمل يُشركه في أفكاره السياسية. بينيس قال بصراحة أن باراك لا يُشركه.

سيما كدمونمراسلة للشؤون الحزبية(يديعوت احرونوت) 10/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية