المبادرة السعودية تعتبر صرخة من الجهات المعتدلة في الشرق الاوسط لاسرائيل.. ورفضها سيقوي الارهاب وايران
الموافقة المبدئية عليها لا تناقض رفض عودة اللاجئينالمبادرة السعودية تعتبر صرخة من الجهات المعتدلة في الشرق الاوسط لاسرائيل.. ورفضها سيقوي الارهاب وايران في مرة ما سادت عندنا مقولة الكتاب المقدس شعب وحيد يسكن . صُورت اسرائيل كدولة معزولة عن جاراتها، كتلك التي تعمل وفق مصالحها المحددة، ولا تأخذ في حسابها محاولات أمم العالم والمنطقة أن تُملي عليها سياسة اخري. لا يهم ماذا يقول الأمميون، المهم ما يفعله اليهود . نشأ علي جملة دافيد بن غوريون هذه جيل كامل من الاسرائيليين المعتزين، الذين كانوا علي ثقة بأن النظام الشمسي يدور حولهم.لم تكن هذه الجملة في امتحان التاريخ أكثر من شعار تجنيدي، يشبه أسطورة الوحدة البراقة. حرصت اسرائيل طول سني وجودها علي انشاء مناخ اقليمي مريح، تم التعبير عنه من جملة ما عُبر به عنه بوسائل تأليب علي الدول العربية المعادية وتأييد للمعتدلة، حتي لتلك التي لم تنشئ معها علاقات دبلوماسية رسمية. إن الخروج لحرب 1956، صدورا عن ارادة اسقاط نظام حكم عبد الناصر، وإحداث واقع اقليمي جديد ( الخطة الخيالية ، كما قال بن غوريون)، ومساعدة الاردن مباشرة وغير مباشرة في أزمتي 1958 و1970، والجهود للانضمام الي نظام دفاعي اقليمي في عقود وجودها الاولي؛ هذه الامثلة وعشرات غيرها من الماضي السحيق والقريب جعلت اسرائيل لاعبا ذا شأن في ساحة الشرق الاوسط عامة، ونظام الدول العربية خاصة. ليس عبثا أن فسر البروفيسور الراحل أفنير يانيف (في كتابه السياسة والاستراتيجية في اسرائيل ، ص 25) أن اسرائيل عامل موازنة في الشرق الاوسط: فقد سعت جميع حكومات اسرائيل للحفاظ علي الوضع الراهن في الشرق الاوسط وعملت بجد للتشويش علي كل محاولة لتغييره .هذه الاقوال التي كُتبت وبين يديها الحرب الباردة هي أصح اليوم بأضعاف مضاعفة. تحتل ايران اليوم الساعية الي الحصول علي القوة الذرية وجبهة الارهاب العالمي محل الكتلة السوفييتية. فكلتاهما، حتي لو كان الامر علي نحو مستقل وبلا تنسيق أو تعاون بينهما، تهدد النظام القائم في الشرق الاوسط، إما باكتساب التأثير السياسي أو بالتأليب، وتأجيج الكراهية والقتل بالجملة للسكان المدنيين.ترمي المبادرة السعودية الحالية قبل كل شيء الي وقف الاخلال بالنظام الاقليمي. في واقع الأمر تقف السعودية اليوم وامارات الخليج في جبهة مناضلة طهران والقاعدة. إن الأقليات الشيعية الكبيرة، وزيادة التطرف في الدوائر السنّية، ومقاومة التوجهات الليبرالية الآخذة في التقوي في أعقاب العولمة ـ كل ذلك يهدد النظم المعتدلة في جنوب غرب آسيا. ولم نذكر بعد الآثار المهددة للانسحاب الامريكي المتوقع من العراق.في الساحة الاقليمية، يهدد الايرانيون بالمس بغلبة محور القاهرة ـ الرياض. كان مصدر قوة مصر قوتها العسكرية ومكانتها الثقافية، اللتين جُعلتا مجدا سياسيا ومكّنتا لحينه من عقد معاهدة سلام مع اسرائيل. حصرت السعودية في يدها قوة اقتصادية عظيمة، أفضت الي ان تسعي جميع الدول العربية، مثل جماعات اسلامية ومنظمات تحرير وطني ايضا، الي بابها.علي خلفية العولمة، لم تعد قواعد لعبة السياسة الصعبة كما كانت في الماضي. إن قدرة منظمات اسلامية علي إعمال شبكات اقتصادية، وسياسية وعسكرية تشتمل علي العالم تجعل قوة السعودية الاقتصادية من الفضول. ان بناء قوة عسكرية ايرانية، ذرية وتقليدية معا، يلمح الي الدول والجماعات المقاومة لامريكا بالانضمام تحت مظلة طهران بدل مصر، أو أن تلعب علي الأقل في هذين الملعبين. في المجال الثقافي، فقد المصريون منذ زمن مكانتهم لصالح محطات الاقمار الصناعية والانتاج الفني العربي والحديث، الذي أخذ يُبني في حلقات تخترق حدود الفترة الماضية. لاول مرة منذ انتهاء الحرب الباردة، قد يتم الإضرار بالوضع الراهن في الشرق الاوسط، ومع غياب مركز غالب قوي ـ قد يفضي ذلك بالمنطقة الي دوامة فوضي.ان المبادرة السعودية دعوة، بل صرخة، من قبل الجهات المعتدلة في المنطقة الي اسرائيل. تطلب مصر ودول الخليج والاردن من القدس ان تعود الي شغل دورها التاريخي في الشرق الاوسط كجهة توازن واستقرار. بل انها في المدة الأخيرة تخلت عن طلب اعادة لاجئي 1948، لعلمها أن الغاء طابع اسرائيل العبراني قد لا يفضي فقط الي انهيارها بل الي المس الشديد بالاستقرار الاقليمي وبالنظم الموالية لامريكا.ان النظرة الاستخفافية للقادة العرب المعتدلين الي اعادة اللاجئين الفلسطينيين ليست شوقا ساذجا. في المقابلة التي منحها الأمير السعودي بندر بن سلطان قبل اربع سنين لصحيفة نيو يوركر هاجم ياسر عرفات لانه رفض آنذاك اقتراحات بيل كلينتون في كانون الثاني (يناير) 2001. لقد دعا الموقف الفلسطيني، وفي مركزه طلب اعادة اللاجئين الي داخل اسرائيل خطأ مأساويا ، و جريمة ، و إضرارا بالمصلحة الفلسطينية . نشرت الاقوال كاملة في موقع انترنت السفارة السعودية في واشنطن، في خطوة شاذة جدا بالمفاهيم السعودية (التي تجهد لعدم إخراج الاختلافات الشخصية مع القادة العرب الي الخارج)، في قصد الي توضيح موقفها بصراحة. كان ذلك بالواقع أول تطرق معلن الي قضية اللاجئين بمفاهيم واقعية. اذا كانت الحماسة قد دبّت بالسعوديين الذين وقفوا في جبهة النضال الدبلوماسي من اجل الفلسطينيين، فاننا جميعا نعلم ماذا ستقول نظم معتدلة اخري. تحول اللاجئون من كنز دبلوماسي عربي الي عبء عظيم، يعوق تقدم المسيرة السياسية ويقع كحجر الرحي علي حليفات الولايات المتحدة واسرائيل في الشرق الاوسط. قد تطرح هذه الدول لاول مرة منذ 1948 عن كاهلها الثقل، من غير أن تطرحه في هذه المرة علي اسرائيل.تتابع الدول العربية الأمزجة السياسية التي تسود اسرائيل. انها تحلل تقارير اعلامية، ومواقع انترنت بل أدبا وفنا ـ كل ذلك في قصد الي معرفة وتقدير التيارات العميقة عندنا. من الواضح لها ان رفض قبول زعم الفلسطينيين ـ ولو جزئيا ـ في شأن عودة اللاجئين، هو اجماع صهيوني عريض. حتي إن غريزة الانتحار الاسرائيلية ليست مطورة بقدر كافٍ لقبول مطلب داحض لا شبيه له في الماضي كهذا.ان الموافقة المبدئية علي المبادرة السعودية لا تناقض الرفض الذي لا هوادة فيه لعودة اللاجئين. ونقول لمن نسي إن إجازة خريطة الطريق ايضا، تمت مع الخضوع لتحفظات كثيرة، وهو شيء لم يعُق اسرائيل عن أن تحظي بأرباح دبلوماسية، وبحق، لاستعدادها التوصل الي تسوية. هذا ما يجب أن يكون هذه المرة ايضا. موافقة متحفظة، ومشروطة، لكن نعم في الخلاصة. علي هذا النحو تستطيع اسرائيل ان تقف من وراء خطوطها الحمراء، وان تحتفظ بأوراق مساومة لمراحل أكثر تقدما في التفاوض. تستطيع أن تُبين بلغة واضحة، أن الموافقة لا تناقض مكافحة الارهاب، بل أن تطلب إشراك جهات تعمل في الاستقرار مثل تركيا والبنك الدولي، وأن تطلب بالطبع من الادارة الامريكية ضمانات تتصل بشكل التسوية الدائمة وتطويرا آخر للعلاقات بالولايات المتحدة. إن الموافقة مهما تكن مترددة متحفظة، ستساعد في مكافحة ايران أكثر من جميع التصريحات الدهماوية علي اختلافها.غاي معيانكاتب في الصحيفة(معاريف) 22/3/2007