المباراة الأخيرة

حجم الخط
0

عناية جابر

ما أن أتاني صوتها عبرالموبايل بعد محاولات كثيرة فاشلة، حتى رحت أرشقها بسيل أسئلة عاجلة خوفاً من انقطاع الإتصال:’إزيّك؟ عاملة أيه؟ عاملين أيه عندكو؟’. صوتها غاضب ومرتجف:’وصلت أهووه لطلعت حرب-أجابتني- قرّيبة من ميدان التحرير.. انتي عارفة بقى’. رحل خيالي بسرعة الى شارع طلعت حرب، رائحة البشر، روعة المكان وتألّقه وقد عرف خطوي المرح، سارحة ألى امكنتي المفضّلة.

للقاهرة أمكنة تخاوي الروح، ولها حكايات، وشوارع هي ذاكرة تبنى في وجدان من يتجوّل في القاهرة، ويتعرّف على أسرارها وحكاياتها المرتبطة بالحاضر والماضيلمّا هي تترك آثارها في ذاكرة الأيام:’ طيّب- قلت لها- خُدي بالك من روحك، انتي معاكي حدّ رايحة معاه؟:’مافيش-أجابتني- مش عارفة اتصل بحّد واللا هبّب مع حد، أصلهم قطعوا النت والتلفونات والموبايلات وانتي أول واحدة تكلميني أهووه………. توت.. توت. انقطع الخط.

سرحت في القاهرة مجدداً، أعرف أكثر شوارعها وتشهد جولاتي الصباحية فيها على الدوار المُخدّر الذي تتركه في روحي: شارع صلاح سالم، والمنيل، وشارع جامعة الدول العربية، والزمالك، وغاردن سيتي والمهندسين، وحتى شارع فيصل لم يسلم من غاراتي الفضولية. كنت أحبّ أن أكون مُشاهدة، أتفرّج على مصر وأسعد بها. الآن أنا جزء ممّا يحدث، إبنة وعاشقة ومنتمية.

لليل في القاهرة حديث آخر. الليل للقاهرة الفاطمية. لخان الخليلي والخرنفش والدرب الأحمر وأحمد ابن طولون وسائر الحارات الفاطمية، خصوصاً حارة الطوارق. يرّن هاتفي بما يُشبه الأنين:’سامعاني؟ سامعاني كده أحسن؟ بصّي بكلمّك من اسكندرية من محّرم، بقالي يومين مش عارف أكلّمك، ما كانش فيه اتصال ودلوقت بس… توتتوت… انقطع الإتصال.

ثمة حالات من القهر تبدو لك لاعلاج لها، لأن أصلها قد ضاع بغموض. ما عانته مصر من قهر، هو قهري الخاص. مرضي الغامض الذي لا شفاء منه.

أقرّر فجأة إعادة محاولاتي، للمرة الألف ربما. وأقرّر أن رقم هاتفها البيتي في الهرم، يجب ان يرّد. أطلب الرقم وأثبّتُ اصبعي بعناد على الزر الأخضر حتى لأوشك أن أهرسه. في الأثناء انتصب المقّطم أمامي، ثم خيالات من فندق مينا هاوس، ثم صوتها مُقنّعاً عبر التلفون، واجفاً ومتفكراً هل يرّد أو لا يفعل كما لو يخشى دخلاء من نوع ما. عاجلتها::’مالك؟ نايمة؟ في البيت يعني.. مانزلتيش؟’حرام عليكي’- أجابتني- داانا عيّانة قوي من المظاهرة مبارح، راسي واجعاني ومش قادرة افرد طولي.. بعدين حقولك حاجة… توت توت، انقطع الخط.

يبدأ النيل يهدر في رأسي. نوتي عجوز ناحل، مُغضّن الوجه يخدم قارباً صغيراً، والرحلة في روحي منذ البدء مُيمّمة شطر مصر. إذا وصلت، والنوتي عجوز وبطيء، سوف أطير بجناحيّ الخاصيّن، ماسحة مدناً كثيرة: المنصورة وبور سعيد والسويس ودمياط والفيوم والإسكندرية.. إنك ما أن تصبح فصامياً حقيقياً حتى يغدو الطيران أسهل شيء في العالم. الخدعة هي أن تطير بجسدك الأثيري، أن تخلّف وراءك رأسك المليء بالقتلى والأحشاء والدماء، أن تطير فقط بذاتك الثابتة التي هي دائماً اذا ما وقفت وفكرّت، مزوّدة بجناحين.

أطير لا أرى خطوط جوية، ولا جمارك ولا بطاقات سفر، لاحقائب لا خرائط لا ثياب عسكرية. كل مدينة هي محطة لليلة فقط، ليلة تمتّد لخمس دقائق أوعشرة آلاف سنة. لا نهاية لمرمى النظر في مصر إذا نظرتها في داخلها. كل محطات طيراني لقضاء ليلة، هي اكتشافات ناقصة للأسطورة.

يمكن للغريب عن مصر أن يراقب الظواهر الخارجية، بل ويمكنه الشعور بالألفة وحتى الشعور بأنه ليس غريباً (هذا بسيط وقريب وطبيعي في مصر) لكن لامجال للتشكيك بالتاريخ المصري، لامجال للتشكيك بحقيقتها الداخلية الناصعة، فلحظة تبدأ الشعور أنك متشكك، تنهار أجنحة طيرانك من تلقائها وتسقط على الأرض، كما وتنزلق التربة تحت قدميك، وفي سمائك تتفكك المجرّات عن مراسيها، وتنفلت الى أهداف مجهولة.’آلو.. آلو.. سامعاني؟.. توت.. توت، انقطع الخط. في صباح قريب، نتفرّس معاً في وجه مصر الجديد. لاغضون، ولاعيب واحد، بل نظرة ملاك. في صباح قريب، من يمكنه أن يحملق في وجه مصر النقي الخالي من العيوب.. ويُنكرها؟ الصبية الملقاة على الأرض مُدمّاة في ميدان التحرير، جسمها قويّ ولدن، وكانت جاذبيتها وهي تحاول ان تفتح عيناً متورّمة، أكثر من انسانية، وجميلة بالكامل كنفرتيتي بعد ألف سنة من تحنيطها.

حفلة مباريات كرة قدم جماعية، العيون على شباك المرمى وما من حارس، ما من جبروت يرّد ضربات الحشد، ما من آذان تصغي الى وعود، شرطها إلغاء المباراة، ذلك أنها المباراة الوحيدة المتاحة ولا عودة الى ‘التسخين’ من جديد، لقد حميت الأرض والرؤوس ما يكفي ويزيد: الآن، او لا نعود الى اللعب أبداً لأن اللحظة الفارقة لا تنتظر المترددين، الآن، لأننا انتظرناكم طويلاً وكثيراً، الآن، لكي نباشر مبارياتنا، يباشر كل بلد عربي مباراته بعد أن ينتصر أسياد الكرة، ملوك القهر والصبر والإنتصار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية