بغداد ـ «القدس العربي»: اعتبرت المبعوثة الأممية في العراق، جينين بلاسخارت، إسكات الخطاب العام أو عرقلته أو نبذه أو تقويضه بأنه «يشوه صورة الدولة ويضعف ثقة الجمهور»، فيما أشارت إلى إن حقوق الإنسان في العراق، بما فيها الحق في حرية التعبير، منصوص عليها بوضوح في «الدستور العراقي».
جاء ذلك خلال مشاركتها في منتدى حواري تستضيفه مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.
وقالت بلاسخارت في كلمتها: «لقد قلت هذا من قبل، ولكن يسعدني أن أكرره اليوم: بصفتي سياسية وصانعة قرار أوروبية ووطنية سابقة، يمكنني أن أخبركم عن تجربة أن الديمقراطية – في بعض الأحيان – عمل شاق»، مبينة إن «المجتمعات الديمقراطية المستدامة هي عكس المعجزات التي تحدث بين عشية وضحاها – حيث تتطلب صبراً هائلاً واستعداداً ثابتاً للوصول إلى تسويات. ويجب، لا محالة، إعطاء العملية الديمقراطية الوقت لترسيخ جذورها بشكل حقيقي».
أكدت كفالة الدستور العراقي لحقوق الإنسان
وأضافت: «بينما يحدث هذا، بالطبع، يجب السماح للتفاعل بين المعارضة والحكومة وفن الرقابة البرلمانية وتبادل الآراء بين صناع القرار والمجتمع المدني، وكذلك، على سبيل المثال، تشكيل الأحزاب والائتلافات، بالعمل»، معتبرة أن «جزءاً لا يتجزأ من كل هذا (لا توجد مفاجآت هنا) هو التواصل المستمر مع القواعد الشعبية والحوار العام والإجراءات الملموسة التي تثبت أنه يتم الاستماع إلى الناس والمجتمعات والمكونات».
وتابعت: «وفي حين أنه من مسؤولية القيادة توجيه وقيادة التواصل وتوحيد المصالح المتعارضة، إلا أن كل مواطن مسؤول عن إدراك، وقبول حقيقة أن الموازنة بين الآراء والمصالح المتعددة تتطلب التوصل بصورة دائمة إلى حلول وسط»، حسب قول بلاسخارت التي أشارت أيضاً إلى أنه «بالنسبة لصانعي القرار والسياسيين والمواطنين على حد سواء، لا يمكن لأحد استعمار المستوى الأخلاقي الأعلى ولا أحد يحتكر الحكمة. ولخدمة جميع المواطنين بأفضل طريقة ممكنة، من الضروري أن يتم سماع عدد هائل من الأصوات المختلفة. إن إجراء نقاش حيوي وصحي أمر ضروري في جميع الأوقات».
وأكدت المسؤولة الأممية أن «حرية التعبير أحد الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي. إنها أمر ضروري لإنتاج أفكار جديدة ومبتكرة، وهي أداة للمساءلة ولإعلام القادة عندما لا يكون لسياساتهم أو ممارساتهم التأثير المقصود ولتمكين المؤسسات من التكيف وبالتالي الازدهار»، لافتة إلى إن «إسكات الخطاب العام، أو عرقلته، أو نبذه، أو تقويضه يحقق أمرين فقط. إنه يشوه صورة الدولة ويضعف ثقة الجمهور».
ورأت بلاسخارت أن «الإعلام الحر هو محرك قوي آخر للتعليم والتعلم، إذ يمكن أن يسلط الضوء على الزوايا المظلمة، مما يسمح لنا باكتشاف حقائق جديدة ووجهات نظر جديدة وطرق جديدة لرؤية الأشياء»، موضحة أن «معظم وسائل الإعلام في جميع أنحاء البلاد لها صلة بشكل أو بآخر بحزب أو سياسي أو رجل أعمال أو زعيم. لذا، إذا سمحتم لي، أود أن أشدد على أهمية كلمة (حر) مرة أخرى». ومضت إلى القول: «دعونا لا ننسى أهمية المدونين المستقلين وكتاب الأعمدة والناشطين والباحثين والصحافيين الاستقصائيين، على سبيل المثال. إنهم لا يتحدوننا فحسب، بل أيضاً يقومون بإثراء تفكيرنا وأفعالنا اليومية»، منوهة بأن «جيلاً جديداً من المفكرين والمتحدثين قد أضاف إلى سجلات التاريخ – التي شكلها الفلاسفة والأكاديميون والشعراء لقرون، وكثير منهم يستفيد من أحدث التقنيات للوصول إلى جمهور متنوع».
وذكرت أيضاً أن «وسائل التواصل الاجتماعي هي أداة يمكنها توزيع المحتوى بطريقة أسرع وأكثر سهولة من أي وقت مضى، وليس ذلك فحسب، بل يمكنها أيضاً إيجاد فرص هائلة لأي سياسي أو صانع قرار. فلم يكن الدخول في تبادل مباشر للآراء مع الناخبين والمواطنين بهذه السهولة من قبل، ولم يكن الاتصال والتفاعل والشرح والاستماع بهذه البساطة من قبل».
لكنها لفتت إلى وجود ما وصفته بـ»الجانب السلبي» في ذلك قائلة: «على سبيل المثال، حملات التصيد. كما يمكن إنشاء حسابات مزيفة بسهولة ويمكن نشر معلومات خاطئة بسرعة إلى الآلاف والآلاف من الأشخاص – كما هو الحال مع التعليقات المؤلمة أو السيئة التي لا داعي لها والتي يقصد بها الحط من قدر الشخص أو إحباطه أو إحراجه. ثقوا بي، مرة أخرى عن تجربة، وخاصة كامرأة أمام أعين الجمهور، أعرف كل شيء عن ذلك. يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي وحشية».
وتابعت: «وبناء على ما سبق، فإن رفع دعوى قضائية عندما أقرأ تغريدة مهينة أو مقالاً ينتقدني أو ينتقد سياساتنا لا يتبادر إلى الذهن. يمكننا أن نختلف، بما في ذلك على نبرة الصوت أو اللغة المستخدمة، ولكن في نهاية الأمر، ليست هناك محاسبة على الأذواق والاختلافات – بل وحتى الصدامات في بعض الأحيان – في الرأي والنهج تجعل مجتمعنا أقوى في نهاية المطاف».
وبالعودة إلى حرية التعبير كـ»ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي» حسب بلاسخارت، أفادت بأن «الواقع اليوم مقلق. ففي جميع أنحاء البلاد – وبشكل متزايد – نرى استخدام مختلف الوسائل التشريعية والإدارية وغيرها من الوسائل القانونية ظاهرياً لخنق المعارضة أو ما هو أسوأ، العنف والترهيب والتهديد لقمع الآراء التي تتعارض مع الآراء الشائعة أو الرسمية».
غير أنها اعتبرت أن ذلك «لا يعني أنه لا يمكن أن تكون هناك قيود على حرية التعبير. فبالطبع، بينما يتمتع المرء بحرية التعبير، فإنه من واجبه أيضاً أن يتصرف بمسؤولية وأن يحترم حقوق الآخرين»، مبينة أنه «في بعض الأحيان تكون هناك أسباب وجيهة للقيود بناء على أسباب محددة بشكل واضح. ولكن في جميع الأوقات، يجب على السلطة العامة ذات الصلة أن تثبت أن التقييد متناسب ومنصوص عليه في القانون».
وأكدت بلاسخارت انه «عندما تستخدم القوانين، ليس للحماية، ولكن للإسكات، تتعرض حرية التعبير لتهديد خطير. شأنها، إذن، شأن واحدة من اللبنات الأساسية للمجتمع الديمقراطي»، موضحة أن «الخبر الجيد هو أنه هناك دائماً فرصة لتصحيح المسار، حيث أن حقوق الإنسان، بما فيها الحق في حرية التعبير، منصوص عليها بوضوح في دستور العراق، وقد اعتمدت كل من حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان خطط عمل تتعلق بحقوق الإنسان. ويحدد كلا البرنامجين التزامات لتعزيز حماية هذه الحقوق».
وزادت: «نحن ننتظر بفارغ الصبر أن تترجم هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، بما في ذلك النهوض بحرية التعبير باعتبارها القاسم المشترك للمشاركة العامة والمدنية في جميع أنحاء العراق»، مجددة تأكيدها بأن «أي حوار عام من دون رقابة أو فحص مسبق للأسئلة يمكّن الناس من مشاركة آرائهم بحرية وبصوت عال. وهو أمر لا يسعنا إلا أن نشيد به».
وعبّرت الممثلة الأممية عن أملها في «ألا يحجم السياسيون والسلطات عن هذه الفرصة. وبعبارة أخرى، آمل بصدق أن يقبلوا الدعوة للمشاركة في أي نقاش تلفزيوني محترم حول الإجراءات والقرارات التي تؤثر على الحياة العامة».