في السينما الفرنسية، تتزايد الأفلام المتناولة للضواحي وقضاياها الاجتماعية، لتكون لهذه السينما سمةٌ لا أقول جديدة بل تتوسّع في السنوات الأخيرة، تُضاف إلى سمات أخرى يمكن تلمّسها في الأفلام الفرنسية عموماً، في القصص المركّبة والعلاقات السريعة والمسائل العائلية، بعيداً عن التشويق والحركة، في اعتماد أساسي على النص والحوارات وهموم الأفراد العاديين.
الهموم التي تتداخل فيها المسائل الشخصية والاجتماعية في ضواحي المدن، هي كذلك سمة لهذه السينما اليوم، وإن كان أحد أبرز أفلامها «الكره» (1995) لماتيو كاسوفيتز، وكان أقرب لحالة فريدة من نوعها في سياق السينما الفرنسية. والحديث ليس عن الضواحي، بمعنى المساكن المحيطة بالمدن، وحسب، بل عن الأحياء والمباني العمّالية الضخمة التي يقطنها مهاجرون وفقراء في هذه الضواحي، المكدّسين في مبان اجتماعية في ظروف عمل ومعيشة قاسية، فالكثير من الأفلام الفرنسية تجري في ضواحٍ لا ظروف اجتماعية فيها، في الأفلام، بل قصص فردية لا خصوصية لموقع القصة فيها، قد تدور، بمثالية بورجوازية، حول علاقة حب عابرة للألوان والأعراق والطبقات.
أفلام المهاجرين في الضواحي إذن، كثرت في السنوات الأخيرة، بعدما افتتحها، بوصفها قضية اجتماعية لمهمّشين فقراء، فيلم «الكره» وتليه لكن متأخرة أفلام قليلة أهمها «ديبان» (2015) لجاك أوديار و»إلهيّات» (2016) لهدى بنيامينا، و»البؤساء» (2019) للادج لي. هذه الأفلام وغيرها، كثرت في السنوات الأخيرة مع ظهور الضواحي قضايا اجتماعية تثقل على المجتمع والدولة الفرنسيين، للتهميش والإفقار والعنف الشّرطي المفرط الواصل حد القتل المتعمّد لأبناء الضواحي. لكن، يبقى من بينها أشدها واقعية ووقعاً على مشاهدها فيلما لادج لي، «البؤساء» وفيلمه الأخير النازل في الصالات الفرنسية «المبنى 5» أو، بعنوانه الأسبق «غير المرغوب بهم» في إحالة إلى فيلمه الأول لكونه استمرارية موضوعية له. والشخصيات في هذه الأفلام لا تخرج من إطار الأصول الافريقية والعربية لشباب فقراء بعضهم عاطل عن العمل، يغمرهم الغضب من الدولة ممثلةً برجال الشرطة، والعجز أمام عنف الدولة بسياساتها الإدارية وسلوك شرطتها العنصري.

ما يميز لادج لي عن المخرجين الآخرين ممن تناولوا الضواحي في أفلام لهم، هو انتماؤه إلى تلك الأحياء، وإخلاصه لها في الإسهام بتنميتها من بعد ما نقلها إلى العالم بواقعية ومصداقية شديدتين بفيلمه «البؤساء» ما واصله بفيلمه الجديد وإن كان أقل وقعاً من سابقه. في «المبنى 5» المشارك في مهرجانَي سان سيباستيان وتورونتو السينمائيين، المستوحى من أحداث عاشها لادج لي، ابن تلك الضواحي، يحاول رئيس بلدية جديد أبيض، عُيّن ولم يُنتخب، لا يعرف المنطقة ومنفصل تماماً عنها، إخلاء مبان لهدمها وبناء أخرى أصغر وأحدث، بتشريد أهلها في العراء، مستعيناً بالنظام الشّرطي والبيروقراطي الفرنسي، مغذياً، بعنصريته وفوقيته الفجّتين، غضب شباب وحنقهم، وبالتالي ردود أفعال عنيفة منهم قد تتخطى القانون فينالون بسهولة وسرعة، عقابهم. تحاول فتاة سوداء من الحي تسعى إلى الترشح لرئاسة البلدية على صغر سنها، العمل من أجل إنقاذ أبناء المبنى، مبناها، المطلوب إخلاؤه، من خلال مؤسسة اجتماعية للاهتمام بالحيّ والمبنى وأهله، تحاول طويلاً مقابل عجز أمام أنظمة الدولة المسيطرة وصاحبة اليد الطولى. تكبر الفجوة بين المجتمع المهمَّش والمفقَر، والدولة بممثليها من رئيس البلدية وحاشيته، في تفسير بيّن ومباشر لأسباب تفاقم المشاكل والاشتباكات في الضواحي، في علاقة كره متبادلة ومتدحرجة بين الأهالي والدولة.
الفيلم (Bâtiment 5) استمرارية «للبؤساء» حتى بشخوصه (وفريق عمله) ويمكن اعتبارهما أقرب فيلمين روائيين إلى حقيقة الضواحي المسماة، بالتهذيب الفرنسي النفاقي، «بالأحياء الحساسة». يظهر الفيلمان أن تلك الحساسية أوجدتها الدولة لا حقيقة أن أبناء الأحياء مهاجرين فقراء، فالعنف الشرطي كما نشاهده في الفيلمين، الجسدي والنفسي، هو الأقرب من بين أفلام الضواحي الفرنسية إلى الواقع، وإلى حقيقة إعدام الشاب نائل من أصول جزائرية هذا الصيف قرب باريس واشتعال المظاهرات من بعدها في عموم فرنسا.
الفرق واضح بين أفلام يصنعها أصحابها من خارج التجربة وأخرى عاشها أصحابها ثم صنعوا أفلامهم، هذا ما يجعل سينما لادج لي، بالفيلمين حتى الآن، سينما الضواحي الفرنسية كما يجب أن تكون، دون مجاملات ولا ترقيعات ولا اعتبارات لحساسيات هذا المشاهد أو ذلك.
كاتب فلسطيني سوري