«المتجهم» للأردني كمال ميرزا… السخرية في مواجهة الواقع

الكتابة الساخرة، بكلمة موجزة، هي تمرد فني على الواقع، وثورة فكرية تطيح بالكثير من الشائع والمتداول، بصفته مسلمات لا يأتيها الباطل من أمام، ولا من خلف. سواء أكانت هذه المسلمات سياسية أم دينية أم اجتماعية أم أخلاقية. فالساخر من الأدب يصور الحياة بما فيها من قبح، وليس بما فيها من جمال وحسب، بأسلوب يختلف عن أساليب الكتابة المألوفة المعروفة السائدة في الأدب غير الهزلي.
وفي أدبنا القديم عرف الكثير من ألوان الأدب الساخر، وأطلق على بعضه صفة نوادر، أو أخبار، أو مُلح، أو مساخر. وفي العصر الحديث تعززت مكانة هذا الأدب بفضل الصحف الدوارة، والمجلات السيارة، من يومية وأسبوعية.. فلمعت في هذه الأجواء بعض المواهب التي تفضل الكتابة بهذا الأسلوب. وعلى رأس هؤلاء إبراهيم المازني صاحب «صندوق الدنيا»، ومحمد عفيفي مؤلف «ابتسم من فضلك». والصحافي أحمد بهجت، ومحمود السعدني، وعلي سالم، وغيرهم.. والسعدني هو أكثرهم شهرة وأوفرهم نتاجًا.
وفي الأردن ظهر هذا النوع من الأدب لدى عدد محدود من الكتاب منهم: محمد طملية، ويوسف غيشان، وأحمد حسن الزعبي، وبدر عبد الحق، وطلعت شناعة، وفخري قعوار، الذي نشر في سبعينيات القرن الماضي كتابًا ساخرًا بعنوان «يوميات فرحان فرح سعيد». ونحن نشير إلى هذه المحاولات، لأن كاتبا أردنيا هو الصحافي كمال ميرزا نشر بعد مجموعتين قصصيتين، أولاهما بعنوان «عبودة وأربع عشرة قصة أخرى» (بيروت 2016) والثانية «أبو العبد .. وقصص لم تنشر» (عمان 2009) نقول نشر مجموعة ثالثة بعنوان «المتجهم» (هبة للنشر،2020) مؤكدا بعبارة على الغلاف أنها قصص ساخرة. وهذا التأكيد ليس ضروريا – في رأينا – لأن القارئ سيكتشف عند قراءته لأي قصة من القصص، أنها قصص ساخرة تهزأ بالنموذج الذي تدور حوله، وتصور ما تصوره من حوادث، ومتواليات محكية، تصويرا كاريكاتيريا لا يخلو من مواقف هزلية كوميدية مثيرة، تبعث، لا على الابتسام الذي تطلبه محمد عفيفي في «ابتسم من فضلك»، بل على الضحك بصوت عالٍ يرقى إلى درجة القهقهة.
ففي قصة بعنوان «أديسون»، وهو اسمٌ أطلقه الناس على بطل القصة من باب تسمية الشيء بضده، على عادة العرب قديما في تسمية اللديغ سليما، والكفيف بصيرًا. فأديسون هذا يئس المربون من قابليته للتعلم، فهو من الغباء بحيث لم ينجح في أي عمل، لا في المدرسة، ولا في الكهرباء، ولا في السباكة، ولا في البناء (بليطا أو طريشا) ولا في الميكانيك (تجليس أو سمكرة) ولا في خراطة المعادن. وغباؤه هو السبب الوحيد لإخفاقاته المتكررة ، وفي هذا الغباء يكْمُنُ، ويتجلى حظه الذي يفلق الحجر، فقد دفع به إلى طريق التجارة، فقرْشها نظيف، ولا تحتاج إلا إلى الشطارة. وجرت النقود في يديه مدرارة. ففي الثانية والعشرين كان قد امتلك صفا من المحلات التجارية في شارع استراتيجي، في موقع متميز من السوق. أما الموظفون الأذكياء العاملون لديه، ولدى شركاته، فقد نيف عددهم على الألف، وفي تقرير لإحدى المجلات الراقية يعدّ أديسون هذا واحدًا من أغنى عشرة رجال في القطر. وما إن شارف على الخمسين حتى كان عضوا في جمعيات خيرية، وربحية، ومؤسسات تطوعية متعددة من باب (البرستيج) لا أكثر. وحظي بالكمّ الوفير من الأوسمة، والدروع التكريمية، من شخصيات سامية، ولولا غباؤه الذي اشتهر به، وجهله باللغات، لما تأخرت القيادةُ في ضمه لرجالات السلك الدبلوماسي.
هذا النموذج ـ أديسون- يجده القارئ في مجتمعنا أنّى نظر، وحيثما التفت. ففي هذا الزمان الذي طغت فيه الشطارة ـ المعنى التاريخي لهذه الكلمة- على العقل، وعلى الذكاء، نجد الأذكياء والعقلاء يعانون الحاجة، ويشكون الفقر، فيما يغدو الفاشلون تعليميا، المطرودون من المدارس لغبائهم، هم الذين ينعمون بالمكانة الرفيعة، والمرتبة السنية العليا في المجتمع، وفي تصنيفه الطبقي. مما يذكرنا ببيت الشاعر القديم:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة بالشقاوة ينعمُ
وفي هذه القصة، كما في غيرها، يسلك الكاتبُ سبيل من يدقق في روايته لحكاية أديسون، وهو تدقيق يوشك أن يقول بالفم الممتلئ، إنّ نموذج أديسون نموذج حقيقي، نمطيٌ، متكرِّرٌ، بلا نهاية، وبلا حدود، وليس شخصية افتراضية اخترعها القاصُّ من نسج الخيال.

ويلتفت الكاتب كمال ميرزا، إلى جهة أخرى من الواقع، ففي عقول الناس تعشش الخرافات، والخزعبلات، والإيمان بالشعوذة، والحُجُب، والعلاج بالأعشاب، والتعازيم، فضلا عن الرقى، والامتناع عن التعامل مع الطب النفسي

الولي الصالح

ويلتفت الكاتب كمال ميرزا، إلى جهة أخرى من الواقع، ففي عقول الناس تعشش الخرافات، والخزعبلات، والإيمان بالشعوذة، والحُجُب، والعلاج بالأعشاب، والتعازيم، فضلا عن الرقى، والامتناع عن التعامل مع الطب النفسي، على أساس أن هذا النوع من الطب خاص بمن يعانون الجنون، أو ما يشبه الجنون. ففي قصة «رضا» تسوء صحة أحد الفتيان لدرجة أقلقت أبويه، فلجآ إلى الضرب أولا، وهو إجراءٌ يجد فيه الأب وسيلة لإكراه ابنه على تناول طعامه ليشد به أزره، ويتصرف تصرف الرجال. لكن هذه الطريقة، والطرق الأخرى التي جربها، لم تجْدِهِ، لا شيخ الجامع؛ ولا الفتاح الذي يدعي معرفة السحر والجان، ولا العشّاب، ولا الحُجُب، ولا مَطْرَق الرمّان، ولا العِقال الذي سلخ به جلد الفتى. وأخيرا تدخل المعلم لإقناع الأبوين بأنَّ جل هذه الطرق عقيمة، وعديمة الفائدة، وأن عليهما عرضه على طبيب نفسي. وعندما قدّم لهما الطبيب النفسي وصفة طبية مزقها الأبُ معتقدًا أن هذا الطبيب حمار، ولا يفهم في الطبّ. ويتناوب الأطباءُ على الابن؛ الأول، فالثاني، فالثالث، والأبُ، في كل مرة، يأبى التصديق بأن ابنهُ مريض، وفي حاجة إلى شيء من الحنان. وأخيرًا، وبعد أن يئس الوالدان من شفاء ابنهما على أيدي الأطباء النفسيّين، وغير النفسيّين، دفع الأب بابنه المصاب في سيارة طالبا من السائق التوجّه بهما إلى قرية نائية وُصف له فيها وَليٌ من أولياء الله الصالحين، لا يُردُّ له طلب، ولا يستعصي عليه حال، ولا يُعجزه سحرٌ، أو حسدٌ، أو مرض.

ربيع البطريق

وتمثل خاتمة القصة الموسومة بـ»ربيع البطريق» بؤرةَ الحدث، فقد سُحب الإعلانُ عن طلب مدير لوحدة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، نظرا لاقتناع القيادات العليا بكلام الموظف (سام) عن أن الأعراب يتولون قتل أنفسهم بأنفسهم، فلمْ تعد الحاجة لمثل هذه الدائرة حاجةً ماسَّة، فإلغاؤها خير وأبقى من وجودها المُكْلف بلا مقابل مادي، أو سياسي. ولذلك جرى إلحاق هذه الأقاليم بوحدة أخرى تختصُّ بعالم البطاريق. والصحيح أن الكاتب بارع في اختيار البداية براعته في اختيار الخاتمة. فالبدايات غالبًا تصدم القارئ، وتخفزه على الانتباه والترقُّب. ففي قصة «العدّاء» يبدأ بعبارة «منذ طفولته وهو يحلم بخوض سباق الماراثون» وفي قصة «المشاء» يبدأ بعبارة مثيرة «أتى الجواب صادما ومباغتا للمذيعة»، وفي قصة «ربيع البطريق» تصدمنا وتشدنا عبارته الأولى للمتابعة «تفضل.. صدر الصوت هادئا من الداخل» وفي قصة «رضا» يلفت الانتباه من الجملة الأولى «ها.. طَمِّنْ يا دكتور».
أما عن نهايات القصص، فعلى الأرجح تتضمَّن خلاصات للمتواليات السردية في الحدود التي تسمح بها قوانين الشكل القصصي. ففي قصة «أديسون» تنتهي بظهور مجموعة أديسون القابضة ـ استثمار مالي- وفي «رضا» تنتهي بالبحث عن الوليّ الصالح، وفي قصة «البيكيمون» تنتهي بهتاف يسقط الإنسان عدو البيكيمون. وفي قصة «قُزْ القُرْت» تنتهي بعودة جودت أفندي للعب الشدة (الورق) مع رفاق المقهى غير مبالٍ، وغير مهتم، بما يذاع عن الانقلاب التركي. وفي قصة «العدّاء» ينهي المتواليات السردية بتوقف البطل عند خط النهاية، بسبب ما سمعه من أنَّ الماراثون نظم احتفالا بالسلام المزعوم. ولذا يقرر وسط دهشة المشجعين الركضَ في الاتجاه المعاكس، بعد أن كاد يحرز قصب السبق. وفي قصة «المشّاء» تنتهي الحكاية بقذف الفائز في رياضة المشي السريع خارج محطة التلفزيون المحلي، لأنه لم يَعْزُ فوزه في ذلك السباق لزعيم الوطن المُفدّى.
وقد يطول بنا الأمر إذا توقفنا عند كل قصة من قصص هذه المجموعة المثيرة. بيد أن هذه القراءة الموجزة لبعض القصص تود التنبيه إلى نقطة مهمة، وهي اتخاذ الكاتب ميرزا من كلمة (المتجهِّم) عنوانا للكتاب، مع أن طبيعة القصص تقتضي أن يكون العنوان دالا على شيء من أجوائها الساخِرَة. فهي إلى الفرح، والمِراح، أقرب منها إلى التجهُّم، الذي يرتبط في أذهان القراء بالعبوس الناتج عن الغضب، أو الحزن، أو التذمر أو الشكوى. وهذا مؤشّر جديد على خطأ الظنّ في أن في العنوان إضاءة لمحتوى الكتاب – رواية أو قصة أو مسرحية – فقد يكون العنوان دالا على الفحوى حينا، وعلى غيره حينا آخر. وعنوان المتجهم لا يتناسب إلا مع القصة الأخيرة، ومع ذلك وجد المؤلف فيه عنوانا مناسبا للقصص، فهو كالاسم يميز صاحبه عن غيره من الناس، كذلك العنوان يميز الكتاب عن غيره من الكتب.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية