حجَّمت التفسيرات النفسية المقترنة بالبحث في العقد الجنسية والاعتلالات السلوكية من دور الشخصية الحيوانية لأنها أرجعت ما يحصل من تطور في التحبيك وما يقدم من منظورات سردية إلى اللاوعي البشري، كأعراض مرضية واضطرابات داخلية لها صلة بالدافع واللبيدو. ما قلل من فاعلية التخييل التي تنطوي عليها الحكايات والأساطير المشتملة على عنصر حيواني. وكذلك الحال مع التفسيرات السيميولوجية التي افترضت أن سرد الحيوان عبارة عن مجازات، وفيها فراغات ينبغي على القارئ أن يملأها. وأن تلك المجازات إنما كتبها عقل بشري، أرسل دوالا يتخيلها القارئ في ذهنه مدلولات، ومن ثم يكون العقلان المرسل والمستلم في حالة توافق على المواضعات أو الأعراف التي يدركها هذان العقلان فيشتركان في تصديقها عن قصد واع بالحدود، التي ينبغي للتخييل أن يعمل داخلها، وهي لا تتجاوز منطقة التمويه بالغريب والعجيب.
بيد أن التخييل نشاط ذهني حر لا يتقيد بما هو واقعي، ومن ثم يمكن له أن يبتدع كل ما هو مبتكر ومختلف وغير مألوف. وللجانب الأخلاقي علاقة وثيقة بحرية التخييل، ومن هنا انطوى سرد الحيوان على غايات تربوية تقدم العبرة وتنقل الخبرة وتربي النفس، لكن ذلك لا يعني أن قوة سرد الحيوان مرتهنة بما يقدمه من دروس أخلاقية، بل هي مرتهنة باللاواقعية من ناحية المتخيل السردي، ومستوى ما فيه من اللامنطقية واللاعقلانية واللامألوفية. وهذه كلها بالنسبة إلى القارئ ليست فانتازيا أو تغريبا، إنما هي خبرة يكتسبها من خلال التصديق بحرية التخييل وحقيقة اللامحاكاة فيدرك ما للحيوان من فاعلية، ويحاكي هذا الإدراك واقعيا على مستوى سلوكه اليومي تجاه الحيوانات. وما من قيود على إنتاج المتخيل الحيواني، إذ أن له عوالمه الخاصة التي فيها نجد المتوقع وغير المتوقع وبخصائص يصنعها التخييل ككلية ذهنية، من خلالها يقدر الإنسان على إدراك العالم واستيعاب أبعاده المنظورة وغير المنظورة.
هذه الصلات الجوهرية بين سرد الحيوان والتخييل، هي التي يعنى علم سرد الحيوان بدراستها في إطار نزعة ما بعد الإنسان أولا، ودراسات الأقلمة ثانيا ومنهج التعدد الاختصاصي ثالثا. وتتعدد اتجاهات المتخيل الحيواني، ومن ذلك اتجاه تمثله دراسات البيئة وتندرج ضمن دعوات المحافظة على النظام الطبيعي، واحترام حقوق الحيوان، ورفض ذبحه، أو أكل لحمه أو استعمال جلده، وتصورات أخرى تصب في صالح الحيوان ومن أجل مستقبل البشر أيضا، مما تنادي به منظمات حماية البيئة التي لها تاثيرات قوية في سياسات عدد من الدول الغربية. ومن المتوقع أن يكون هذا الاتجاه هو الأقوى مستقبلا في مجال نقد سرد الحيوان، وقد يتجاوز منطقة حماية الحيوان إلى آفاق أوسع مدى من قبيل البحث في الأصول والرموز والآخر والهوية وما بعد الاستعمار وما بعد الإنسان، إلخ.
وغربيا لم يتمثل الروائيون هذا الاتجاه بصورة مباشرة ودفعة واحدة، إنما حصل الأمر بالتدريج، فكان أن بدأوا بإيلاء الحيوان الذي يعيش في كنف الإنسان اهتماما عبر جعله شخصية من الشخصيات المساندة، وربما المشاركة مع الشخصية المحورية في البطولة. ومن خلال التركيز على الحيوان يتمكن السارد من عرض بعض المسائل البيئية التي لها صلة مباشرة بمعيشة الحيوان والرفق به، والاكتراث لمشاعره وهواجسه.
وعربيا لم يقطع السرد الروائي سوى بضع خطوات متواضعة في مجال البيئة والتطرق إلى مسائل التلوث والإضرار بالحيوان. وما يزال النقاد العرب يتعاملون مع هذا النوع من السرد بعيدا عن منطلقات نزعة ما بعد الإنسان وعلم سرد الحيوان، منتهجين في الأغلب الأعم منطلقات النقد الأيكولوجي وما تمخض عنه من مفاهيم وتصورات لها صلة بعلوم البيئة.
ومن الروايات العربية التي أولت البيئة الحيوانية اهتماما وعكستها على بيئة المدينة رواية «القندس»2011 لمحمد حسن علوان، وفيها يلعب القندس دورا محوريا جنبا إلى جنب الدور المحوري للسارد الذاتي (غالب) الذي تشغله بيئة هذا الحيوان، ويكون هو حلقة الوصل بين مدينتي بورتلاند والرياض وتتوطد علاقة خفية بين غالب والقندس (رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة، ولا بد أنه شعر بذلك أيضا وإلا ما تسلق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلتي وبساطي. تأملت سنيه البارزتين اللتين اكتستا لونا برتقاليا شاحبا من فرط ما قضم من لحاء البلوط والصفصاف، فذكراني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة..) ولشدة تعلق السارد بالبيئة المائية التي فيها يعيش القندس، يصبح كل شيء مبأرا من وجهة نظر داخلية (وقف على قائمتيه الخلفيتين وألقى نحوي نظرة خاطفة ليرى إذا ما أزعجني ما قام به.. فكرت أنه واحد من تلك الحيوانات التي تحمل اسما منسوبا للماء: كلب الماء ثعلب الماء.. هل يعقل أنني لم أر مخلوقا مثله من قبل؟) ويسترجع البطل وضعه في عائلته فيذكّره ذلك بالقندس ويدرك أن هناك صفات مشتركة، ما يجعله يتصور القندس موجودا في الرياض وحين يذهب إلى بورتلاند يرى القندس في كل مرأى من مرائي المدينة، وهي تتخذ من القندس أيقونة دالة عليها وتقيم مهرجانا سنويا باسمه (كدت أنساه قبل أن أكتشف أن للقندس ذي الأسنان المتسخة علاقات مهمة في بورتلاند. صادقته هذا الصباح داخل لوحة ضخمة وسط المدينة، وأنا أمشي في اتجاه المطعم الذي أتناول فيه إفطاري كانت أسنانه نظيفة ولامعة.. بدأ المهرجان وتحول القندس إلى نجم المدينة تزايدت الملصقات الدعائية في الشوارع) ويتبادر إلى ذهن السارد ما يعانيه القندس في خضم البيئة المدنية من مشاعر الغربة والصمت، التي هي نفسها مشاعر السارد ويغدو المساء هو القسيم المشترك بينهما ويتأمل أحدهما الآخر(الآن يضجون جميعا بحيوان كندا دوني.. بدت المدينة وكأن قندسا هائلا يحركها من الأعلى بخيوط خفية.. القندس رمز الولاية.. يتأمل أحدنا الآخر طويلا كتوأمين جمعتهما الأقدار صدفة ونحاول أن نختار من حكاياتنا اقربها نسبا للنهر).
وحين يعود إلى منزل العائلة ويندمج مع أفرادها ومشكلات كل واحد منها لاسيما مشكلة زواج اخته، يكتشف أن كل شيء في القندس سدوده، أسنانه، خجله؛ متجسد في أهله، فيتساءل لماذا لم يتعرف عليه مبكرا (ولا شك لو أني اكتشفت ذلك مبكرا لوفرت على نفسي عمرا من التعب والشجار والغضب والعقوق والسخرية، لكن ما أدراني أن ثمة حيوانا يشبههنا في النصف الآخر من العالم؟ لم يظهر في الرياض حيث لا تقام له المهرجانات ولا تعلق صورته في الميادين..عندما نتأمله جميعا وهو يجوب ممرات البيت وردهاته بحثا عن خشب وماء سنكتشف أننا نشبهه برؤوسنا الكبيرة وأحناكنا السمينة ورقابنا الغائبة وأبصارنا الضعيفة. أرهقنا تغيير هذه الصفات طويلا، بينما لا يبدو القندس آبها لذلك وهو يمشي فخورا بأسنانه وفروه وردفيه لكن ذلك سيتغير حالما تحقنه الرياض حقنة التفاضل) إذن العودة إلى الطبيعة وترك المدينة هو السبيل إلى حل المشكلات الاجتماعية ومنها مشكلة التمايز بين البشر في الصفات الجسدية والتباهي بالممتلكات المادية وترجيح المؤهلات العلمية، وما إلى ذلك من مسائل يراها السارد غير ذات أهمية أمام استعادة ما فقدته البشرية من طبيعة ونقاء وفطرة وعفوية تجلت له دفعة واحدة، بعد هذا التأمل المستفيض في حياة القنادس وجماليات ما لديها من اهتمام بعضها ببعض، وهو ما لا يجيده البشر فالمدينة سطحت العلاقات، إن لم نقل إنها شوهتها (هذا هو عيبنا الأزلي الذي لن يغيب عن حذق القندس.. اعتاد قبلنا الالتصاق بأفراد العائلة ليجعل من قلب النهر مكانا دافئا للعيش.. سيلاحظ القندس أيضا أن عائلتي بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الآخرين تخترع فضائحنا بكتمان رهيب حتى لا يعرف احدنا ماذا يحاك في الغرفة المجاورة) إن هذا الحنين إلى البيئة الطبيعية هو نتيجة متوقعة للنفور من البيئة المدنية ورفض العلاقات الأسرية المفككة فاللقاءات ما بين أفراد العائلة تشبه زيارة الأصدقاء ومواعيد الطبيب؛ باستثناء فرد واحد هو الأم (كانت أمي القندس الوحيد الذي شذ عن العائلة فملأنا فراغها بالأخشاب والأحزان الميتة).
وفي هذا الاستثناء إشارة رمزية إلى أن البشر سيرجعون يوما ما إلى أمهم الطبيعة، وعندها سيكتشفون أنها وحدها التي لا تنفر منهم مهما أساءوا إليها. وبهذا الشكل يغدو المتخيل الحيواني مصدر إلهام لا لتطوير الذات في علاقاتها الأسرية وتوجهاتها الحياتية حسب، بل أيضا لإدراك ما للبيئة الطبيعة من غنى مادي وروحي، به يمكن للبشرية أن تصلح حالها وتستعيد فطرتها التي فطرت عليها.
كاتبة عراقية