المتخيل ووظائفه في القصة القصيرة المغربية

حجم الخط
1

من خلال النصوص الأدبية، بمختلف أشكالها وأجناسها، ينحصر مسعى الإبداع، بشكل أساس، في بلاغة إمتاع القارئ، وتمكينه من الحياة. فالإبداع وجه من وجوه الكتابة والعيش في عالم تتقاذفه متناقضات، ويعج بأحلام نسترجع بها المنفلت والمتواري. فضلا عن ذلك فإن الخيط الناظم، بين مختلف التجارب الإبداعية، في الأدب الإنساني، كفيل بأن يجعل من اللغة وسيلة فعالة في التواصل الذي يؤسسه الكاتب، مع واقع حرون يتصيد منه لحظات منفلتة وشاردة، بل تائهة، ويصيرها إلى مشروع إبداعي كبير.
فالسرد، كما عرفه حميد الحميداني في كتابه «بنية النص السردي» هو الكيفية التي تروى بها القصة عن طريق هذه القناة نفسها، وما تخضع له من مؤشرات، بعضها متعلق بالراوي والمروي له، والبعض الآخر متعلق بالقصة ذاتها «. تغدو هذه العلاقة، حسب الحميداني، مبنية على أساس من التمييز بين الكاتب والراوي، حيث يذهبان معا نحو خلق مجالات وقنوات يمر منها الحكي، بشكل سلس، نحو القارئ.
في حين نجد الناقد سعيد يقطين في كتابه «السرديات والتحليل السردي» ربط السرد والمصطلح السردي بأنواع حكائية قديمها وحديثها، والمتعلقة أساسا بالحكاية العجيبة والشعبية والأسطورة والغرابة، فحيثما وجد الحكي استبطن السرد شعابَه ـ أي شعاب الحكي ـ فعلى أساس من الأنواع الحكائية، التي أشار إليها يقطين، يتضح أن الغرابة تجيء بمعنى القلق، بما هو ضد الألفة، بل الغرابة والوحشة بين الحياة والموت، والتباس بين الوعي وغيابه. فبهذا المفهوم فإن الغرابة في السرد، واحدة من بين متخيلات الأدب، التي تعمل على تحفيز ملكة الإبداع عند الأديب. فما المتخيل الأدبي؟ وكيف يعمل في جنس القصة القصيرة؟ وما الوظائف التي يباطنها، وهو يغلف تخومَ الإبداع؟
بالموازاة مع ذلك، إننا بصدد كتابة تقرير بشأن رسالة تتخذ من المتخيل الأدبي ميسما للكشف عن البنية التي يتصف بها الخطاب القصصي. فالقصة القصيرة، كما هو شائع ومتداول، كبسولة أدبية، بل كذبة متفق عليها، بين القارئ والمتلقي، حسب أنطوان تشيخوف. علاوة على أنها، حسب نجيب العوفي، أحد أكثر الرادارات الأدبية قدرة على التقاط إيقاعات وذبذبات العصر. وبهذا فإن كان الإبداع، في هذا المستوى، يعكس واقعا معينا، فإن المتخيل سابق على التحقق النصي، علاوة على تمثله الواقع الشخصي أو الجمعي. لذا من الثابت أن المتخيل يعمل على تحفيز المبدع على العطاء، لما يتوفر عليه من محفزات ومقومات سلوكية وفكرية مرتبطة بالعالم الداخلي والجواني. كما أن المشترك الثقافي والجماعي، يلعب دورا أسنى في تحديد طبيعة الإبداع والتحقق النصي.

فأيا كان الإبداع، الذي يطفح بالشعور والمسؤولية تجاه مسألة التغيير، فإن المتخيل يمتح من مواقفَ أيديولوجية وأعراف اجتماعية سائدة ومتوارثة في المجتمعات الإنسانية، وكما يأتي الفساد الأخلاقي والسياسي، وغياب الحرية والديمقراطية بالنسبة للفرد مادة دسمة للمتخيل الإبداع الأدبي.

يعرف أندري بروتون مؤسس السيريالية في أوروبا، المتخيل بأنه هو كل ما يطمح لأن يكون واقعيا، أما الروائية فرجينيا وولف فتقول بصدد المتخيل «هو الحياة الوحيدة المثيرة والممكنة». هذا الربط الذي اعتمده بروتون، بين الواقع والمتخيل يرمي به في أتون الدمار والخراب، الذي خلفته الإنسانية جراء الحرب الكونية المدمرة؛ اعتبر كمتخيل يُعنى بالمخيال الأدبي. بالفعل نجح بروتون في مسعاه، حيث ظهر العديد من الروايات التي تلهج بمآس إنسانية، خلفتها الحرب المدمرة، وفي مقدمتها رواية «إمبراطورية الشمس» للبريطاني جيمس غرهام بالاد، الذي ترجمها إلى العربية الكاتب محمود مسعود. أما في العالم العربي فقد مثلت رواية «الشراع والعاصفة» للروائي حنه مينه مدخلا مهما لمتخيل الفوضى والدمار، الذي تأسس في اللاوعي الجمعي؛ فجاءت هذه الرواية لتمتح من هذا المتخيل الخصب.
من أبواب متفرقة ندخل إلى المتخيل في الأدب، فهو يغدو في هذا المقام قاسما مشتركا بين مختلف الشعوب، أسوة بمرفولوجية الحكاية عند فلاديمير بروب، عندما أقر هذا الأخير بأن الحكايات، التي تجوب المتخيل الإنساني، كلها ذات نبع موحد ووحيد، ليستنتج بروب أن الذات الجماعية تروي متخيلها من خزان المجتمع كوحدة فكرية وسلوكية وثقافية ولغوية أيضا، وتنهج قانونا مشتركا.
بعيدا عن الخيال قريبا من المتخيل فقد قسمه الدارسون، حسب تأثير الكتلة المهيمنة في بناء التصور حول الذات والعالم، إلى المتخيل الجمعي والفردي أو الشخصي. إن المتخيل الفردي يمتح من الذات وأحلامها ووعيها بالعالم والمحيط الذي تعيش فيه، في هذا الصدد نجد في المجموعة القصصية «مشارف التيه» لربيعة ريحان تمثل هذا المتخيل أحسن تمثيل، حيث درجت في مجموعة من القصص أمثال «امرأة ورجل» و«وهم الصورة ووهم الخيال» و«نزيف الولع» وغيرها، مفهومي الوعي والأوهام كخزانين من الاستيهامات وأحلام المتخيل. في حين نجد المجموعة القصصية «العربة» لمحمد زفزاف تلهج بالمتخيل الجمعي المتمثل أساسا في ما هو أيديولوجي ووعي طبقي، وتأتي القصص «أطفال بلد الخير» و«الكناس» و«السردين والبرتقال» و«النباش» وغيرها لتعري واقعا موبوءا بالصراع الطبقي الطاحن داخل المجتمع المغربي، بفعل تباين طبقاته واختلاف أيديولوجياته. أما في المجموعة القصصية «نصف يوم يكفي» لزهرة زيراوي، فقد جمعت بين الحسنيين؛ المتخيل الفردي والجمعي، لتصنع الفارق على مستوى إغناء وتوليد المادة القصصية وانفتاحها الدائم على أسئلة العمر والحياة والموت والبوح والجراح والألم والأمل، علاوة على ذلك تربعت الأحلام الصغيرة كمتخيل على عرش الإبداع عند زيراوي، من خلال النصوص الإبداعية المتمثلة في «أحلام صغيرة جدا» و«أعشاش ليست في اتجاه الشمس» و«ماذا لو غاضت البحيرة» وغيرها.
فأيا كان الإبداع، الذي يطفح بالشعور والمسؤولية تجاه مسألة التغيير، فإن المتخيل يمتح من مواقفَ أيديولوجية وأعراف اجتماعية سائدة ومتوارثة في المجتمعات الإنسانية، وكما يأتي الفساد الأخلاقي والسياسي، وغياب الحرية والديمقراطية بالنسبة للفرد مادة دسمة للمتخيل الإبداع الأدبي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية