المترجمة اللبنانية صفاء جبران: الاهتمام بالأدب العربي في البرازيل لم يصل إلى المستويات التي يستحقها

حوار: عبد الخالق النجمي
حجم الخط
0

صفاء أبو شهلا جبران، أستاذة جامعية وأكاديمية، من مواليد مرجعيون في لبنان. تقيم في البرازيل عما يزيد عن ثمانية وثلاثين عاماً، متخصصة في اللغة والأدب العربي، وتعمل أستاذة في جامعة ساو باولو، والرئيسة السابقة لقسم اللغات الشرقية في الجامعة نفسها. تعمل بالترجمة من وإلى اللغة البرتغالية؛ حيث ترجمت العديد من الأعمال الأدبية البرازيلية إلى العربية مثل (شقيقان) لميلتون حاطوم، (الحياة الخفية) لمارتا باتاليا، و(من المهجر إلى الوطن – مختارات من الأدب البرازيلي). كما ترجمت العديد من الأعمال الأدبية من العربية إلى البرتغالية مثل .. (ميرامار) لنجيب محفوظ، (رأيت رام الله) لمريد البرغوثي، )موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، (عزازيل) ليوسف زيدان. و(حارث المياه) لهدى بركات.
نالت جائزة الأكاديمية الوطنية البرازيلية للآداب 2014 عن ترجمتها لعمل (نيران صديقة) لعلاء الأسواني. كما حصلت على جائزة الشيخ حمد للترجمة 2019. وكان معها الحوار التالي ..

□ كيف ومتى بدأ اهتمامك باللغة البرتغالية وآدابها؟
■ بعد أشهر من وصولي البرازيل، عندما قررت الاستقرار في هذه البلاد واستكمال الدراسة، أي الدخول إلى الجامعة، ولذلك كان ينبغي أن أتعلم لغة البلاد وهذا ما حصل، أما الاهتمام بالأدب البرازيلي والبرتغالي فكان بعد الالتحاق بالجامعة، في كلية الآداب.

□ كان مخطوط عنوانه «كتاب ذخيرة الإسكندر» أول عمل قمت بترجمته من العربية إلى البرتغالية، لماذا هذا الكتاب؟ وماهي الصعوبات التي واجهتك؟
■  كان ذلك بناء على طلب من باحثة لا تتقن اللغة العربية، وقد اتصلت بي من أجل ترجمة المخطوطة لتكون بمثابة أساس لدراسة تقوم بها عن طريقة انتقال العلوم في العصور القديمة، لذلك لم يكن اختيارا. أما الصعوبات فكانت كثيرة ومتنوعة لأن المخطوط يشمل علوما متعددة، بينها الفلك والرياضيات والمعادن والخيمياء، والنص يحتوي على شيفرة كان ينبغي فكها أولا من أجل الوصول إلى المعنى، ومحاولة فهمه، لأنه يتكلم عن وصفات سرية مثل كيفية تحويل المعادن إلى ذهب. وبسبب ذلك اضطررت لقراءة الكثير من الأعمال والدراسات في الخيمياء مثل أعمال جابر بن حيان (القرن التاسع) بالإضافة إلى استشارة العديد من الباحثين في تلك العلوم، كما كانت معروفة في العصور الوسطى، ناهيك عن صعوبة قراءة الخط العربي في ذلك المخطوط الذي يعود إلى القرن التاسع بنسخة من القرن الثالث عشر، وقد ظهرت سطور بأكملها غير واضحة وكلمات عديدة شبه ممحوة وغامضة، لكنها كانت تجربة مهمة، تعلمت منه الصبر والمثابرة قبل كل شيء، استفدت منها كثيرا فيما بعد عندما عملت على ترجمة أجزاء من مخطوط الجامع في الأدوية والأغذية لابن البيطار، ضمن بعض الدراسات التي قمت بها وكتبت فيها بعض الدراسات الأكاديمية.

□ بدأت بترجمة كتب ومخطوطات من التراث العربي القديم. ثم اتجهت لترجمة أعمال من الأدب العربي المعاصر. هل لمست فرقا بين الترجمتين؟ وأين يتجلى هذا الفرق؟
■ ثمة فرق كبير بين ترجمة المخطوطات التراثية والأدب المعاصر، فالفارق في طبيعة الحال يتأتى أولا من نوعية النصين المختلفة مما يؤدي إلى تعامل مختلف مع النص من قبل المترجم، فترجمة النصوص التراثية لا تفسح المجال مثلا للإبداع، ولأن مهمة المترجم الأساسية أن يحمل القارئ أو الباحث إلى زمن تلك النصوص وإلى لغتها ومواضيعها وهذا يتطلب المزيد من الدقة فيما يتعلّق باختيار المصطلحات واستخدام نفس المصطلح طوال النص. أما الترجمة الأدبية فتختلف كليا، لا سيما ترجمة الأدب المعاصر، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار المفهوم الحديث للترجمة، حيث «يعيد» المترجم كتابة النص باللغة التي يترجم إليها ولذلك فإن لمترجم النص الأدبي حضور في الترجمة بحيث يظهر ويعرّف بنفسه كمبدع أيضا، وهذا ما تعلمته – وما زلت أتعلمه – من ترجمتي للعديد من الروايات العربية إلى البرتغالية، فكل رواية تتمثل أمامك بتحديات جديدة لم يسبق لك أن واجهتها.

□ قمتِ بترجمة العديد من الأعمال الأدبية البرازيلية إلى العربية، فكيف تختارين هذه الأعمال؟ ولماذا كانت ترجمة رواية (شقيقان) للكاتب البرازيلي ذي الأصل العربي ميلتون حاطوم من أصعب الترجمات؟
■ لم أترجم الكثير إلى العربية، وبصراحة، لم أختر أو أرشح أيا من تلك النصوص، كلها وصلتني كاقتراحات من دور النشر، وبالفعل رواية ميلتون حاطوم كانت ترجمة صعبة! أولاً لأنها كانت أول رواية أترجمها إلى العربية – وكانت أيضا بناء على طلب حاطوم نفسه الذي شجعني قائلا: إني أثق بك!ــ وهي رواية جميلة عن شقيقين من أسرة عربية الأصل وتدور أحداثها في مناوس، عاصمة ولاية الأمازون في شمال البرازيل وتقع مناوس عند ملتقى نهري ريو نيغرو وسوليموينس اللذين يشكلان نهر الأمازون ولذلك تَرد في الرواية، أسماء طيور، أسماك، حيوانات ونباتات وأثمار غير متواجدة في العالم العربي، بالإضافة إلى عادات وتقاليد غير مألوفة، ومفردات من لغات الهنود، سكان البرازيل الأصليين، ولذلك ألحقت الترجمة بفهرس للمفردات والعبارات المحلية. هذا ولأن نصّ حاطوم من النصوص الأدبية الراقية وكنت أشعر أن مهمتي الوصول إلى نص في العربية يكون على نفس المستوى أو على الأقل يقترب منه.

□ قمت بترجمة العديد من الأعمال الأدبية لكبار الكتاب العرب، ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك؟ وهل تفضلين الترجمة من العربية إلى البرتغالية أم العكس؟
■ نعم، وافتخر بهذه الترجمات ولأني من خلالها ساهمت وما زلت أعمل بحماس لنشر الأدب العربي في البرازيل، أي لتأمين وصوله إلى القارئ، وهذا كما نعلم لا يتم إلا بالترجمة. أما الصعوبات فمتعددة وتظهر على مستويات مختلفة منها اللغوي والثقافي. فكل كتاب وكل رواية يطرح/تطرح أمام المترجم تحديات مختلفة عما سبقها وتُوقِعُه في حيرة كبيرة، وليس من النادر ألا يتوصل إلى حل يكون مرضياً. وهنا أنا أتكلم بالطبع عن الترجمة الأدبية التي هي من أصعب أنواع الترجمة، خاصة لأني أصر على عدم ارتكاب «جريمة» تجريد النص، خلال ترجمته، من ميزاته الثقافية الأصلية. أما عن أي ترجمة أفضل، فمن العربية إلى البرتغالية، لأني أعيش اللغة التي أترجم إليها على المستوى اليومي وهذا مهم جدا. لكني من وقت لآخر أراني أغامر في الترجمة إلى العربية، لأني أحب التحديات.

القارئ العربي لا يعرف إلا القليل من أعمال كتّاب أمريكا اللاتينية بصورة عامة وأمريكا الجنوبية بصورة خاصة، وليس فقط لمن هم من أصول عربية، وأغلب الكتب المترجمة هي من الإسبانية مع القليل جدا من الترجمات عن البرتغالية.

□ يحظى كتاب أمريكا اللاتينية من أصول عربية بمكانة خاصة في الأدب العالمي، ألا ترين أن هذا الأدب غير معروف لدى القارئ العربي، إذا ما استثنينا بعض الأعمال القليلة التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة؟
■ هذه هي الحال، إن القارئ العربي لا يعرف إلا القليل من أعمال كتّاب أمريكا اللاتينية بصورة عامة وأمريكا الجنوبية بصورة خاصة، وليس فقط لمن هم من أصول عربية، وأغلب الكتب المترجمة هي من الإسبانية مع القليل جدا من الترجمات عن البرتغالية. فلذلك ما يعرفه القارئ العربي عن الأدب البرازيلي في أغلب الأحيان قد لا يمثل أبدا هذا الأدب الذي ما زال يحاول الوصول إلى العالم العربي، على الرغم من جودته العالية وتنوعه وعالميته وإن كان له أي حضور فهو للأسف عبر ترجمات من لغات أخرى وعادة ضمن ما يسمى بـ «البست سيلر». ومع ذلك فإن الوضع بدأ بالتحسن، فقد قرأت رواية للكاتب البرازيلي الشهير ماشادو دي أسيس قام بترجمتها إلى العربية مارك جمال، وهي ترجمة ممتازة ومباشرة من البرتغالية. إن الطريق ما زال طويلا، لكن المهم أنه قد تمّ شقه وتعبيده.

□ وبالمقابل .. هل ترين أن هناك اهتمام باللغة والأدب والثقافة العربية بالبرازيل؟
■ على الرغم من أن الوجود العربي في البرازيل لعب ويلعب دورا مهما بتشكيل الشعب البرازيلي وعلى الرغم من الهجرة الكبيرة منذ نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الاهتمام بالأدب العربي لم يصل إلى المستويات التي يستحقها. لكن كما قلت، إن الوضع في تغيّر ملموس وأستطيع الآن رؤية أن العمل الذي دام 30 عاما تقريبا بدأ يؤتي بأثمار، انطلاقا من النشاطات التي بدأنا بها على المستوى الأكاديمي إلى ترجمة أعمال مختلفة، متاحة لعامة الناس. وتوجد في البرازيل دار نشر اسمها «طبلة» مهتمة حصريا بنشر آداب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصة الأدب العربي، ويمكنني أن أقول إنه في غضون عامين ترجمت هذه الدار ونشرت – رغم صغر حجمها ودون أي دعم من أي جهة كانت- عددا من الكتب يتجاوز ما ترجم ونشر في السنوات العشرين الماضية (إذا استثنينا كتاب ألف وليلة وليلة لأهميته العالمية وروايات نجيب محفوظ، بسبب حصوله على جائزة نوبل). أما عن الاهتمام باللغة وبالثقافة فإننا نلاحظ أيضا أنه في تقدم ملموس خاصة في السنوات العشر الأخيرة مع انفتاح البرازيل على العالم العربي وأيضا بسبب انتشار وسائل الاعلام الذي كان له أثر إيجابي في تقصير المسافات بين هاذين العالمين. كما وأننا في الجامعة وفي شعبة اللغة والأدب العربي نعمل على تدريس اللغة العربية والثقافة والأدب ونركز من خلال كل نشاطاتنا على إظهار أهمية الثقافة العربية وتأثيرها في الثقافة البرازيلية، وإعلان أصدائها في هذه الثقافة ونذكّر أن اللغة العربية هي الثانية، بعد اللاتينية، التي ساهمت في تشكيل معجم اللغة البرتغالية، الذي يشمل على مئات المفردات من اللغة العربية.

□ ماذا يشكل لك الفوز بجائزة الأكاديمية البرازيلية للآداب، وكذلك الفوز بجائزة الشيخ حمد للترجمة؟
■ لقد فتح الفوز بالجائزة البرازيلية الأبواب للتعريف بالأدب العربي، أما الجائزة العربية فقد منحتني الفرصة للتعريف بنشاطاتنا في سبيل نشر الأدب العربي، وكانت أول مرة أشعر أن الجهد الذي قمنا ونقوم به، دون أي سند أو دعم من أي جهة عامة أو خاصة، قد قُدّر وسرني أيضا أنهما بطريقة ما شجعتا الطلاب وحفزتهم على الاجتهاد بالدراسة، ما يهمني أن الجائزتين سلطتا الأضواء على ما أعتبره مهمة حياتي منذ عشرات السنين: التعريف بالعالم العربي انطلاقا من اللغة والثقافة والأدب.

□ ماهي أهم النصائح التي يمكن أن تقدمينها للمترجمين الشباب في العالم العربي؟
■ لا أدري إن كنتُ مؤهّلة لتقديم النصائح للمترجمين الشباب العرب، ربما بما أنصح به المترجمين الشباب في البرازيل وذلك من خلال تجربتي في هذا المجال، وأولها إتقان لغات أخرى عدا الإنجليزية والفرنسية، فهذا يوسع الأفق؛ القراءة الدائمة باللغتين، والكتابة أيضا، لأن طبيعة الترجمة تفرض على المترجم أن يكون أيضا قارئا وكاتبا جيدا؛ إدراك أنه لا توجد ترجمة واحدة للنص، أو ترجمة نهائية؛ ولعل النصيحة الأهم هي التعامل مع النص بتواضع، وأن نقرّ ونعترف لأنفسنا أنه مهما كان حجم خبرتنا في موضوع ما، لا حدود للمعرفة ولا نهاية للسعي من أجل الحصول عليها مهما كان نوعها وهذا ينطبق على الترجمة أيضا، التي لا تختلف عن أي رحلة أخرى، جمالها وأهميتها تقطن في الطريق ومغامراته أكثر مما هو عليه في الوصول، أما عن العدة المناسبة لهذه الرحلة فتتألف من الشغف والشغف والشغف!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية