المتردية والنطيحة وما أكل السبع.. تقسيم الغنائم لثورة لم تكتمل

حجم الخط
0

د يحيى مصطفى كامل وصل الإخوان رسمياً للحكم في مصر…تعدت نتيجة أول عملية انتخابية حيز الصناديق الضيق والفارق الأضيق بين المرشحين إلى الفضاء الأوسع بما لا يقاس، إلى فضاء الوطن بأكمله بما يحتمله من انعكاساتٍ وتبعاتٍ إقليمية، وباتت إمكانية وصول الجماعة التى خافها البعض واستبعدها البعض الآخر (حتى عدها أقرب إلى عشم إبليس في الجنة…) حقيقةً معاشة، حقيقة تؤكدها تحركات الجماعة الحثيثة للاستيلاء على مرافق الدولة وآلياتها باستبدال المتبقين من مطبخ مبارك ورموز عهده بكوادر الجماعة أو على أقل تقدير المتعاطفين إخوانياً، وعلى الرغم من الدهشة التي ما تزال تسيطر علىَّ من السهولة والسلاسة التي تم بها التخلص من الجنرالات والتي لا أفوت فرصةً دون الإفصاح عنها والتأكيد عليها مشيراً إلى شكوكي العميقة في أن هذه الحركة تخفي وراءها من الاتصالات والمشاورات ما يتخطى خطره ومغزاه القرار في حد ذاته، فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً ولا يقلل من عدم جدوى الجدال في مدى صدقه خاصةً من قِبل من يرفضون أو يتحفظون على مشروع الإسلام السياسي.لذا، فبعيداً عن الانزلاق إلى مستنقع الملاسنات وتبادل الاتهامات والنقد بهدف النقد كما هو حاصل بين أنصار التيار الإسلامي ورموزه والناطقين باسمه (بشقه الإخواني على وجه التحديد) والمحسوبين على التيار المضاد لهم من أنصار المجتمع المدني الحقيقيين أو الفلول الذين لم يفلحوا في تغيير جلودهم بعد، أرى أنه يتعين على كل مراقبٍ جاد أو خصمٍ سياسيٍ موضوعي لتيار اليمين الإسلامي أن يلجأ إلى رصد تحركاتهم وقياسها بمقياس الثورة، وهو ما أزعم أن بعضاً من المثقفين والكتاب الملتزمين قد أخذه على عاتقه؛ وعلي ذلك، فإننا إذا انطلقنا من تعريف الثورة على كونها عملية تحول عميقة تبدأ بوثبةٍ أو انتفاضة تكسر النمط الذي كان سائداً من قبل وتهدف إلى إزاحة تركيبةٍ اجتماعية ذات انحيازاتٍ طبقيةٍ معينة وإحلال أخرى محلها أكثر تطوراً واستجابةً إلى متغيرات المجتمع، فإننا نسأل أنفسنا ومن ثم الجماعة: أين هم من ذلك وماذا فعلوا مما يستجيب إلى ذلك حتى الآن؟إن المراجعة المتحرية لمجمل تحركات الجماعة حتى الآن لتؤكد أنهم يختزلون الثورة في الثمانية عشر يوماً الأولى التي انتهت بتنحي مبارك، وبذا لا تظل الثورة في جوهرها صيرورةً وعملية تحول طويلة وعميقة تستغرق سنين عديدة (استمرت ثورة 1789 الفرنسية زهاء عشر سنين حتى قيام القنصلية تحت نابوليون بونابارت 1799) وإنما نقطةٌ في الزمن انقضت بسقوط مبارك، ولا تصبح المشكلة في التركيبة الاجتماعية المنحازة للأثرياء والميسورين من الملاك و القادرين على حساب المنتجين والفقراء والمهمشين وإنما تنحسر المشكلة إلى الطابع النهبي لحكم مبارك وأعوانه والدائرة الصغيرة المتحلقة حوله وفسادهم، وبسقوطهم بلغت الثورة أهدافها (فيما ترى الجماعة).وليت الأمر توقف عند هذا الحد، إذ أن الجماعة اعتبرت أن النجاح في الانتخابات لا يعني فقط الرغبة في التغيير ورفض رجلٍ ارتبط اسمه بمبارك وإنما هو تأمينٌ وانتصارٌ لرؤيتهم وتحليلهم لمعنى الثورة وطبائع الأمور، وقد عدوا ذلك النجاح تعويضاً لهم عن سني الاضطهاد وتخويلاً لا بتشكيل الحكومة فقط، وإنما بإكساب كل ملمح من ملامح الدولة والمجتمع بطابعهم الخاص بما يعيد إلى الأذهان الطابع الشمولي لأنظمة الاستبداد العقائدية… ولعل اجتماع أسطورة الاضطهاد والملاحقة تلك مع إحلال كوادر الجماعة في نسيج الدولة والمؤسسات هو ما أكسب تحركات الجماعة وتعييناتها طابع المكافأة والتعويض وتقسيم الغنائم، وإلا فبم نصف تعيينات المجلس الأعلى لحقوق الإنسان وحركة المحافظين؟!.وإذ رأى الانتهازيون والأفاقون، أولئك الذين لا تعدمهم ثورة، وخاصةً من كتبة العهد السابق وكل عهد مجرى الأحداث أسرعوا لقضم قطعة من لحم الثورة والشعب قبل أن ينفض المولد، وفي حضور صحفٍ يقال عنها قومية، وهو اصطلاح يفيد كونها تركة يتوارثها كل رئيس (حسب فهمهم..)، وجدنا أشخاصاً من عينة كتبة التقارير والمخبرين يتبوأون مراكز قيادية…ولا يفوتنا أن نشير إلى المجلس الأعلى للصحافة والمجلس الاستشاري الرئاسي الذي لم يخبرنا أحد عن المعايير التي اتُبعت في اختيار أعضائه، فيما عدا المنتمين للجماعة… لكن يبقى المؤسف حقيقةً أن الكثيرين ممن لم تتلوث أسماؤهم بالعمالة لمبارك صراحةً أسرعوا هم الآخرون يحجزون نصيبهم على الساحة الجديدة وتعاملوا مع مشاركتهم في الثورة على كونها رأسمال يتم توظيفه في احتلال أكبر حيزٍ ممكن في ساحةٍ إعلاميةٍ مكتظة تشكو من الفوضى وانعدام المهنية والتوثيق المتزايدين. باختصار، لقد انفجر في مصر حراكٌ ثوريٌ عظيم، إلا أنه (ككل الثورات) لم يكتمل بعد، ولا أبالغ إذ أؤكد أن الإخوان المسلمين يحولون دون استمرار الثورة لبلوغ هدفها الأسمى في تشكيل مجتمعٍ جديد، لا أكثر حريةً فحسب، وإنما عدلاً وتحققاً على الصعيد الفردي والجماعي… وفي غياب رؤيةٍ اجتماعيةٍ-اقتصادية مغايرة يصبح ما حدث في اعقاب الانتخابات مجرد استبدال شريحةٍ محل أخرى من نفس الطبقة تراهن على إرهاق الناس وسأمهم، وإذ ترفع الجماعة ثورة 25 يناير إلى مصاف التقديس تقوم بتحنيطها لتغدو نقطةً ميتةً في التاريخ ويصبح دم الشهداء قميص عثمان الذي به يتاجر، ومن ثم تتعامل معها كغزوة ويصبح أعضاؤها الآن في مرحلة تقسيم الفيء والغنائم ويهرول وراءهم كل من يخشى أن يفوت نصيبه من الوليمة الدسمة.أما الجماهير، تلك التي حولت بنزول ملايينها إلى الشوارع الحراك من اعتصامٍ إلى ثورة، فلم يعمل حسابها في التقسيم، ولا عزاء لها…كل ما ترك لها لا يزيد عن المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.هو واقعٌ قبيحٌ دون شك، لكنني لا أكتب هنا للتباكي وإنما للرصد والتحليل أولاً…أما ثانياً فللتأكيد على حاجة القوى المدنية في مصر إلى إيجاد بديلٍ مقنعٍ أو جبهةٍ تحاول الوصول إلى الجماهير التي نُسيت في تقسيم الأسلاب اعتماداً على إيجابياتها ومقدرتها على التنظيم والحراك أولاً لا استثماراً لسقطات وسلبيات الإخوان المسلمين.’ كاتب مصري وزميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية