المتشددون يصعّدون من أعمالهم في بنغازي ويمنعون الانتخابات في درنة
2 - March - 2014
حجم الخط
5
طرابلس ـ “القدس العربي” ـ مدينة بنغازي أو مدينة “السعادة” كما يطلق عليها في كتب التاريخ ،أو مدينة نهر الليثو المثقل بالأساطير أو مدينة يوسبيريدس ذاكرة العطر وربات الجمال أومدينة الأميرات الثلاث حاملات التفاحات.
هذه الأيام لم يعد شيء من هذه الألقاب ينطبق على تلك المدينة، فلم تعد تعد مدينة سعادة، بل أضحت مدينة شقاء، ولم تعد مدينة نهر الليثو بل صارت مدينة نهر الدم والألم، ولم تعد يوسبيريدس ذاكرة العطر بل أصبحت ذاكرة الدم و النار، واختفت حاملات التفاحات الثلاث بعيدا قبل أن يتم اغتيالهن من قبل أعداءالحياة وظهرت نساء ثكالى و يتامى مسكونات بالحزن الدفين.
الأربعاء 26 شباط /فبراير الأكثر سواداً في مدينة بنغازي حيث بلغت حالات الاغتيال تسع حالات فشلت منها ثلاث وذلك، قياساً بالأيام السابقة، جعل الكيل يفيض عند أبناء هذه المدينة ،جعلهم ينتفضون في الشوارع في حالات من الغضب والحزن والهلع، وهم في كل ساعة يتلقون نبأ اغتيال مواطن على مرأى ومسمع من الناس .
يقول” علي” صاحب محل يقابل مباشرة المحل المتواضع لتحلية المياه بمنطقة القوارشة غرب بنغازي، والذي كان يتعيش من دخله البسيط الذي لا يتجاوز 20 دينارا في اليوم صريع الغدر عند انطلاق أذان الظهر في المسجد القريب” حيث اختلط صوت الرصاص بصوت المؤذن : واختلطت تكبيرتان في آن “تكبيرة المؤذن تكبيرة الحق وتكبيرة القاتل وهو يفرغ رصاص بندقيته في رأس ذلك المسكين الضابط المتقاعد الذي جلس أمام محله ينتظر رزق الله ويمسك بسحته بين يديه.
يقول علي توقفت سيارة عالية نزل منها شخص ملثم دفع “عمي رجب أرضا” ثم صوب رصاصة في رأسه ولم يكتف بهذه الرصاصة بل أطلق رصاصة ثانية لتتهشم رأس المسكين الأعزل .
يقول محمد صاحب محل آخر قريب من محل المغدور سمعت الرصاص أخذت أصرخ لا إله إلا الله لا إله إلا الله قتلوه كانت هناك ثلاث سيارات ،السيارة الوسطى هي التي نزل منها من قتل جاري المسكين الطيب “راقد الريح” إن الحفرة التي تركها الرصاص في رأسه تعادل حجم ماسورة مياه ثلاثة أرباع . يا أخي أنا حزين جدا و أفكر بجدية في ترك هذه المدينة التي لم تعد تمنحنا الأمان أصبحنا ننتظر دورنا في الموت.
في منطقة أخرى ليست ببعيدة في شارع دبي، وهو من شوارع المدينة التجارية الكبيرة .عند الظهيرة أصيب الناس الموجودون والمارون بالهلع نتيجة انفجار سيارة مدنية بها أسرة كاملة تم نسفها عن بعد .
سارع أصحاب المحال القريبة بإسعاف الأسرة، بينما قام عدد من الشباب الغاضبين بإغلاق الطريق وإشعال النيران في الإطارات.
يقول السيد علي الصادق وهو من أعيان المدينة : لقد بلغ السيل الزبى هؤلاء المتطرفون لن يتركوا بنغازي و شأنها هم من يقتلون و هم من يفجرون .لكنهم لن يركعوننا على الرغم من تركيع الحكومة الفاشلة والمؤتمر المغتصب للشرعية.على الشارع البنغازي أن ينتفض في وجه هؤلاء الظلاميين و لا يتعتم على الحكومة فإن الحكومة خائفة مذعورة .
يضيف فرج محمد وهو محلل سياسي وأكاديمي: أنا أحمل المسؤولية كاملة للحكومة الليبية فهي غير موجود في بنغازي ولم تقدم شيئا لهذه المدينة و لم توفر أقل الإمكانات للسلطات الأمنية كي تقوم بدورها، بدايةً من توفير كاميرات مراقبة زهيدة السعر .هاهي بنغازي تلحق بمدينة درنة المختطفة التي عجزت الدولة عن الدخول إليها و فشلت في إجراء انتخابات لجنة الستين بها.
في انتخابات الإعادة للجنة الستين 59مركزا انتخابيا لم تستطع أن تفتح أبوابها وبالتالي لا نستطيع أن نطلق على هذه اللجنة لجنة الستين بل لجنة ال47 ممكن. يقول الكاتب الصحافي محمد بعيو أعرف بــنــغـــازي عروس الأحلام وسبية الآلام ..أعرفها أكثر مما تتصور لأنني أحبها فوق ماهي تتصور.. أعرفها تهيم تِيهاً في كلمات الغزل وتتوه هياماً في ذاتها.
النرجسية العجيبة إذا تغنى لها عاشقٌ صادقاً كان أم منافق .. بــنــغــازي الواقعة قدراً في حضن هلالها الضيق لم تضق يوماً بالغرباء والمهاجرين والعابرين ، ومثل كل المدن المتوسطية “الكوزموبوليتية” المختلطة تستمد وجودها من واقعها لا من تاريخها ، وتستحضر ذاتها من انفتاحها لا من انغلاقها، فلا أساطير ولا تابوهات تجعلها قلعة حصينة، ولا أبواب لها لتغلقها في وجوه قاتليها هي التي لو كانت لها أبواب ما كانت بــنــغــازي.
عشاقها الهائمون مثلها متسامحون منفتحون، ولهذا يموت الواحد منهم مبتسماً لقاتليه لمجرد أنهم ألقوا عليه السلام فبادلهم السلام وقال لهم بعفوية تفيض كرماً: تفضلوا بالله عليكم تفضلوا، وقتلتها المجرمون يعرفون خصالها وخصائلها حيث الطيبة مدخلهم إلى غفلتها ، وحيث السماحة طريقهم الذهبي إلى اغتيالها.
لا حل في بــنــغــازي وفق ما يطلبه الغاضبون، أو يتصوره المحبون، فالمدينة التي وضعت بوابتها الغربية في عهدة تنظيم لا يعترف بالمدينة ولا بالمدنية، وأوكلت أمر حمايتها إلى صاعقة يقودها ضابط مخلص لم يتمكن من حماية إبنه واحتسبه شهيداً مثل بقية الشهداء مبرراً عجزه ومواسياً الناس ليطمئنوا إليه لمجرد أنه جريحٌ مثلهم، لا حل لها إلاّ أن تبقى كما هي بــنــغــازي بلا أبواب ولا أسوار.. لكنها ستنتصر فالجناة سيتعبون ويختنقون، وهي تتعب لكنها لن تختنق ،فبين قدم الجبل وقلب المتوسط تكمن حقيقة مختلفة للحياة إسمها بــنــغــازي.
الأطرش مرشح للجنة الستين عن مدينة درنة أستاذ في القانون: يقول بمرارة لقد ترشحت لانتخابات لجنة الستين عن مدينة درنة ولم تقدر الحكومة حماية مراكز الانتخابات في المدينة في يوم20 شباط/فبراير الجاري، وتم تفجير خمس مراكز انتخابات. فشلت الدورة الأولى، وعدت الحكومة بتأمين انتخابات الإعادة بعد أسبوع أي اليوم الأربعاء 26 شباط/فبراير ولكن للأسف فشلت الحكومة في تحقيق ذلك للمرة الثانية.
الحكومةغير موجودة في درنة لا جيش ولا شرطة .الحكومة تعتبر درنة مدينة غير ليبية، وبالتالي هي غير مسؤولة عن تأمينها.
السيدة فتحية تقول لقد قتلوا ابني وهو شرطي مرور قتلوه وهو يؤدي عمله أمام أحد المفارق الحيوية في المدينة حسبي الله و نعم الوكيل في هؤلاء القتلى المجرمين ابني كان على أبواب الزواج كان يجهز لفرحه قتلوه. دم ابني في رقبة الحكومة والمسؤولين الكذابين حسبي الله ونعم الوكيل فيهم حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.
في خضم هذه الحالة الملتهبة والناس يتساقطون في شوارع بنغازي، السيد رئيس الحكومة علي زيدان يضع حجر الأساس في العاصمة لملعب لكرة القدم.
بنغازي ودرنة المدينتان الأكثر ترويعاً و هلعاً و قتلا وحزنا أيضا في ليبيا.هاتان المدينتان الساحليتان الجميلتان، درتا برقة والشرق يبدو أن القهر والظلم كتب عليهما سواء في زمن القذافي حيث دفعتا ثمن تمردهما و عصيانهما الدائم حرماناً من
البنية التحتية ومن مشاريع التنمية الكبرى و إن كانت بنغازي أوفر حظا من درنة .
في التسعينيات استدعى القذافي الجيش الليبي بكافة كتائبه وأسلحته برا وجوا وبحرا، ليخوض معركة ضارية ضد الجماعات الدينية المتطرفة التي استغلت الطبيعة الجغرافية الوعرة لمنطقة الجبل الأخضر حيث الأودية و الأحقاف والمسارب التي تمتد عشرات الكيلو مترات ما جعلها تشكل ملاذا آمناً لتلك الجماعات المتشددة وقد وصل الأمر بالنظام السابق في مطاردته لهذه الجماعات أن استخدم الطائرات الحربية في مطاردتها وملاحقتها ودك حصونها.
ما خلف آثارا بيئية خطيرة على تضاريس هذه المنطقة ومكوناتها الجمالية.فقد تحولت جبال كانت الخضرة تكللها إلى غرابيب سوداء.
يقول عبدالرحمن العبيدي وهو باحث في شؤون الجماعات الإسلامية: لقد تمكن القذافي باستخدام القوة الضاربة وتجنيد كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من كسر شوكة هذه الجماعات ،والحد الكبير جدا من نشاطها . فكثير منهم قتل و مثل بجثثه وكثير منهم أودع السجون .
يستمرالانفلات الأمني وتستمر حالات ترويع الناس، ويستمر مسلسل الاغتيالات وتشير أصابع اتهام ليست بالقليلة إلى مكون من مكونات ثورة 17 فبراير بأنه المسؤول عن ارتكاب هذه الجرائم .هذا المكون هو الجماعات المتطرفة والتي تصدرت المشهد السكري في ساحات القتال وربما قاتلت جنباً إلى جنب مع رجال الجيش .الذين صاروا فرائس و مطاردين لها بعد أن حطت حرب التحرير من نظام القذافي أوزارها لتبدأ حرب أخرى لا يستطيع أحد أن يتكهن متى ستضع أوزارها.