الدار البيضاء – أ ف ب: منذ سنوات، يسعى فيصل كيميا إلى استعادة ملكية منزله «المسجل باسم شخص مسجون ومدان بالتزوير»، حسبما يقول ساخرا. وهو ويقول هذا التاجر (47 عاما) أنه واحد من العديد من سكان المغرب الذين وقعوا ضحية ما يعرف بعمليات السطو على العقارات.
ويضيف خلال مقابلة جرت أمس في حديقة فيلا في حي راق في الدار البيضاء «كنت أظن أنني سأسترجعها بمجرد إدانة المتهمين، لكنني اكتشفت أن المسار طويل. طول الانتظار يحول حياة الضحايا إلى جحيم».
بعض المطالبات احتاجت إلى أعوام من النظر في المحاكم
واتخذت قضايا السطو على العقارات أبعادا كبيرة في المغرب خلال السنوات الأخيرة. وتحظى الشكاوى المتواصلة في هذا الشأن بمتابعة إعلامية مستمرة، ما دفع الملك محمد السادس إلى توجيه أمر في أواخر 2015 لوزارة العدل بـ»التصدي الفوري والحازم لأفعال الاستيلاء على عقارات الغير».
وعلى الرغم من الإجراءات التي أعلنتها الحكومة المغربية «لم تتمكن سوى ضحية واحدة من استرجاع أملاكها» بعد محاكمة استمرت 38 عاما، كما يؤكد موسى الخال ،المستشار القانوني لجمعية «حق وعدالة في المغرب». وتأسست الجمعية سنة 2013 وتتبنى أكثر من 400 ملف.
واكتشف كيميا في 2011 أن بيته الذي ورثه عن والده صار له مالك جديد اشتراه من «وريث وهمي». وبعد نزاع قضائي، تمت إدانة المُزَوِّر في منتصف عام 2018 ومعه المالك الجديد، إضافة إلى مسؤول في المحافظة العقارية ومُوَثِّق عقود، بتزوير الوثائق التي اعتمدت في العملية، وتراوحت الأحكام بين سبع وعشر سنوات.
لكن استرجاع البيت ما يزال رهن صدور أحكام نهائية، ثم إبطال العقود المزورة في محكمة أخرى متخصصة.
كذلك يبدو المسار طويلا ومعقدا بالنسبة إلى قضية فيلا «ريف دوكراب».
فقد خلت هذه الفيلا منذ رحيل مالكها في 2011 سوى من بعض اللوحات الفنية وبيانو مهمل في طابقها العلوي. لكن قيمة العقار الواقع على كورنيش الدار البيضاء السياحي والممتد على أكثر من 3000 متر مربع لم تنقص. ويتنازع على الفيلا قريب مالكها الراحل ورجلا أعمال مسجونان حاليا على خلفية الملف.
وحكمت محكمة الاستئناف في الدار البيضاء على الرجلين في 2017 وأربعة متهمين آخرين، بينهم مُوَثِّق عقود ومحام، بتهم منها التزوير والاحتيال. وتتراوح أحكامهم بالسجن ما بين عام و12 عاما.
لكن الملف عاد الصيف الماضي إلى نقطة البداية «حين نقضت محكمة النقض (المحكمة العليا) الحكم بسبب خطأ في كتابة اسم أحد القضاة»، كما يفيد موسى الخال.
ويأسف المحامي مسعود الغالمي المدافع عن حوالي 50 متضررا في مثل هذه القضايا لكون أحكام كثيرة «لا تبلغ مداها، بسبب ما تتمتع به عصابات السطو على العقارات من نفوذ ومساعدين في مؤسسات الدولة»، مشيرا خصوصا إلى مسؤولية مُوَثِّقي العقود.
لكن عبد اللطيف ياكو، رئيس هيئة المُوَثِّقين، يرى أن «المُوَثِّق يكون هو الآخر ضحية وثائق مزورة (…). فنحن إزاء عصابات متمرسة».
ولم ترد إدارة المحافظة العقارية على استفسار حول الموضوع.
وكانت عمليات السطو تستهدف في البداية «العقارات المُهملة» التي يملكها أجانب غادروا المغرب أو توفوا، ثم توسعت لتشمل عقارات يملكها مغاربة يقيمون في الخارج ويمكن أن تطال الآن أي شخص، حسب موسى الخال.
وفي القرب من منزل كيميا، كان شقيق وشقيقة فرنسيان مقيمان في المغرب هما جيل وسيلين رانييري يستعدان للاستفادة من عقار تبلغ مساحته 1200 متر مربع ورثاه عن جدهما، حين فوجئا بكونه صار ملكا لأشخاص آخرين.
وواجهت عائلة رانييري هي الأخرى تعقيدات الإجراءات القضائية التي لا تنتهي، إذ «دام التحقيق سبع سنين ولم تعقد أول جلسة إلا سنة 2018»، كما يقول جيل. وتستطرد سيلين يائسة «اشترى جدي هذه الأرض سنة 1955 وتوفي والدي دون أن يتمتع بها، لا أعرف هل سيتمكن أبنائي يوما ما من الاستفادة منها أم لا».
وتطالب جمعية «حق وعدالة المغرب» باستحداث غرفة قضائية متخصصة لتسريع معالجة هذه الملفات. ولم تعلّق وزارة العدل المغربية على أسئلة حول الموضوع.
ويتقاسم الغالمي وعدد من موكليه المجتمعون في مكتبه في الدار البيضاء القناعة بأن «عصابات السطو على العقارات» استفادت من قانون أقر أواخر سنة 2011، وما فتئ يثير الجدل.
فحسب هذا القانون، «يسقط حق أي مواطن في استرجاع عقاره، إذا لم يكتشف خلال أجل أربع سنوات أنه صار مسجلا في المحافظة العقارية باسم شخص آخر»، كما يوضح الخال متذمرا.
ويكشف ياكو، الذي يتولى أيضا عضوية لجنة خاصة بقضايا السطو على العقارات يرأسها وزير العدل، أن ثمة اقتراح بإلغاء هذا البند، فيما أطلقت «إدارة المحافظة العقارية» خدمة عبر الرسائل الهاتفية لإخبار المشتركين بأي تغيير يطرأ على سجلاتهم العقارية.
ويفيد ياكو أن السلطات قامت أيضا بإحصاء جميع العقارات المُهملة، ملحا على ضرورة تمكين المُوَثِّقين من آلية للتحقق من بطاقات التعريف لدى توثيق أي معاملات.
ويكفي أحيانا تزوير بطاقة هوية مالك العقار المستهدف كما حصل مع الصيدلي عبد الحي عكيشي الذي اكتشف صدفة سنة 2009 أشغال بناء في عقار اشتراه في التسعينات في الدار البيضاء.
وأدرك الصيدلي (65 عاما) أن المالكين الجدد اشتروا عقاره من شخص انتحل صفته وزوّر بطاقة هويته، لكنه كان «واثقا من استرجاعه بسهولة. فما بني على باطل باطل»، حسب ما يقول.
أما اليوم، فيتملكه اليأس لأن ملفه «لم يبرح مرحلة التحقيق»، ويشعر أن «كل شيء يتم لحماية المتهمين» و»دفن ملفه»، في بلد كثيرا ما تشير تقارير إلى معاناة قطاع القضاء فيه من معضلة الرشوة.