«المتفائل» عرض مسرحي مصري ممتع لكنه قدَّم رؤية مغايرة لنص فولتير الأصلي

 فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: «المتفائل»، هو عنوان المسرحية، التي تعرض حاليا على خشية المسرح القومي في مصر، من إعداد وإخراج إسلام إمام، وهي مأخوذة، كما أعلن صناعها عن رواية «كانديد» لفولتير، وترجمها البعض إلى تفاؤل أو ساذج.
اختار إسلام إمام أن يكون عنوان مسرحيته «المتفائل»، وهي جملة اسمية ناقصة لم تكتمل، فلم يخبرنا، ماذا حدث لهذا المتفائل، وهل غير قناعته، وكيف كان مصيره، هذه الأسئلة لم يجب عنها العنوان، وتركت إجاباتها لنتعرف عليها من خلال أحداث المسرحية.
المسرحية، كما قلنا معالجة لرواية «كانديد» لفولتير، لذلك لا يمكننا تجاهل النص الأصلي والرؤية الأصلية لفولتير عند تحليل مسرحية «المتفائل».
أحداث الرواية، التي كتبها فولتير سنة 1957 كرد فعل على الأحداث الجسيمة التي مر بها العالم في هذه الفترة، كثير من الأحداث التي أثرت في فكره وفي فلسفته، منها عام 1755، عندما ضرب زلزال مدينة ليشبونة، وكانت عاصمة الإمبراطورية البرتغالية مترامية الأطراف آنذاك، ودمّر المدينة بشكل شبه كامل وعُرِف الزلزال باسم زلزال ليشبونة العظيم، وأعقب الزلزال تسونامي وحرائق، وعُدَّ من أكثر الزلازل تدميراً في التاريخ وتسبب بمقتل مئة ألف إنسان.
بعد ذلك بعام واحد نشبت حرب بين فرنسا وبريطانيا بشكل أساسي استمرت سبع سنوات، ودُعيت بناءً على ذلك بحرب السبع سنوات راح ضحيتها عشرات الآلاف.
حيث تبادل فولتير مجموعة من الرسائل مع جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي، الذي كان يتبنى فلسفة التفاؤل، على عكس فولتير الذي تظهر رسائله لروسو، رفضه لهذه النظرة المفرطة في التفاؤل، ويقال إن آخر رسالة من جان جاك روسو لفولتير لم يرد عليها بخطاب مقابل، بل قام بكتابة هذه الرواية، الذي اعتبرها روسو رد على خطابه الأخير.
حيث تؤكد رواية فولتير، أن العالم شرير، وأن التفاؤل بشأن هذا العالم هو أمر ساذج، ويعرض لتلك الرؤية من خلال كانديد، ابن شقيقة البارون الذي يعيش معه في القصر ويحب إبنته، ولكنه إبن غير شرعي مما يعرضه للتعامل بدونية من خاله وزوجته، ويتعلم على يد معلمه الفيلسوف المؤمن بضروة التفاؤل وبانتشار الخير في العالم، وأن كل ما يحدث في العالم هو خير للإنسان، في مقابل شخصية «مارتن» المتشائم دائما، والذي يؤكد أن العالم مليء بالشرور.
كانديد الشاب الساذج يؤمن بمقولات معلمه، حتى يتم طرده من القصر، بسبب اكتشاف قصة حبه لإبنة خاله، ليواجه العالم وتتغير قناعاته، ويتغير هو نفسه فلا يصبح الشاب نفسه الساذج بل يرتكب جرائم القتل والخيانة، ليؤكد فولتير أن، هذا العالم شرير، ولكنه يدعو لتحسينه من خلال العمل.
فهل تبنى إسلام إمام في مسرحيته هذه الرؤية نفسها أم قام بتغييرها؟

الشخصيات الرئيسية للمسرحية

نبدأ أولا بالشخصيات الرئيسية للمسرحية وهي كانديد، الشاب الذي يعيش في بيت خاله البارون، إلا أنه يعاني من العنصرية ، لأن أصوله غير نقية من ناحية والده.
وكوندا ابنة خال كانديد، التي تنشأ بينها وبين كانديد قصة حب، ويطرد بسببها كانديد من القصر.
الخال: البارون، الذي يحب إبن شقيقته، ولكنه لا يؤمن بحقه في الزواج منها بسبب أصوله.
وزوجة الخال المرأة العنصرية، التي تعامل كانديد بفوقية.
المعلم بانجلوس، الفليلسوف، الذي يؤكد طيلة الوقت على أن العالم خير، وعلينا أن نتمسك بالتفاؤل والإيجابية في النظر للعالم.
إضافة للشخصيات التي تظهر طيلة أحداث المسرحية، والتي يمر عليها كانديد في رحلته منذ خروجه من القصر حتى لقائه بابنة خاله مرة أخرى.
ويبدو من الوهلة الأولى، أن المخرج إسلام إمام اختار تقديم المسرحية بشكل كوميدي، وهذا واضح من اختيار سامح حسين لبطولة العرض، فهو فنان كوميدي، له جمهوره الخاص، الذي يبحث عن نوعية معينة، وهو الجمهور الذي استهدفه إمام من مسرحيته.
وإضافة لاختيار الشكل الكوميدي لتقديم المسرحية، فإن إسلام إمام اختار أن ينتصر للتفاؤل في العرض، هذا ظهر منذ البداية، عندما تجاهل شخصية مهمة في الرواية الأصلية لفولتير، وهي شخصية مارتن، الذي يسرف في الحزن واليأس والقلق ويتبنى فلسفة التشاؤم، المناقضة لفلسفة المعلم، والتي كانت تحقق التوازن بعض الشيء في الرواية الأصلية، في مقابل شخصية بانجلوس. وأرى أن حذفها من المسرحية ينتصر لفلسفة التفاؤل، التي تظهر أيضا في تغير بعض الأحداث، حيث أن كانديد عند إسلام إمام قتل شخصين عن طريق الخطأ، لكنه لم يتغير، وظل الشاب الساذج الطيب، في حين أن كانديد فولتير قتل وخان حبيبته وتغيرت نظرته للعالم.
كذلك فإن كوندا في المسرحية ظلت على حالها الشابة الجميلة النقية، في حين أنها عند فولتير تحولت إلى عجوز قبيحة تمارس البغاء.
في رحلة كانديد عند إسلام إمام يواجه الكثير من المخاطر، التي ينجو منها بسلامة قلبه وصفائه، لتأتي النهاية السعيدة بملاقاته بحبيته وأسرتها ومعلمه الفيلسوف الذي تجمعه بهم الصدفة.
وأنا أرى أن الصدفة أو القدرية في الدراما تضعفان من قيمتها، لأنه حل سهل، لا يعتمد على المنطق أو المهارة في السرد.
كان الديكور في المسرحية متميزا، لحازم شبل حيث عبر عن الأجواء لمختلفة التي دارت فيها المسرحية، سواء في قصر البارون أو على ظهر السفينة أو في الجزيرة، التي وصلوا إليها، وغيرها من الأماكن، التي دارت فيها أجواء المسرحية، حيث جاءت الديكورات مبهرة متماشية مع طبيعة المسرحية، التي اختار إسلام إمام أن تكون كوميدية موسيقية، كما كانت معبرة عن بعض الأفكار، مثل فكرة العنصرية تجاه كانديد، والتي تجسدت ديكوريا من خلال جلوسه على كرسي صغير في مقابل الكراسي الضخمة، التي يجلس عليها البارون وزوجته وإبنته.
وتمكنت نعيمة عجمي من تصميم ملابس مناسبة لتلك الفترة من القرن الماضي، في أماكن مختلفة، وانتقلت من الفخامة في ملابس القصور، إلى البساطة والملابس الرثة أحيانا، أثناء رحلة كانديد.
وجاءت موسيقى هشام جبر وألحانه متماشية أيضا مع انتقال الأحداث لأكثر من دولة، حيث برزت ثقافة هشام جبر الموسيقية في التعبير عن موسيقى كل دولة من خلال مجموعة من الألحان والأغاني، التي كانت جزءا من البناء السردي للمسرحية.

رؤية إسلام إمام الكوميدية

وكما قلنا فإن اختيار إسلام، هو تقديم نص كوميدي، وقد قدم سامح حسين، شخصية الساذج، التي اعتاد على تقديمها في أدوار مختلفة تليفزوينة وسينمائية، ولم يأت بجديد بل كان أداؤه متوقعا، بينما نجحت سهر الصايغ في دور الفتاة الرقيقة الرومانسية، وتمكن أيضا من أداء الأغنيات بشكل جيد.
وكان أداء عزت زين متميزا في دور الحكيم الفيلسوف الناضج، وهو ما جسده زين بحركاته الموزونة وصوته الرخيم، الذي يبدو وكأنه آت من أعماق الخبرة والحكمة.
ومن عيوب المسرحية برأيي، الحكم والتعاليم، والعبارات المباشرة، التي كانت تقال على لسان الفيلسوف، أو على لسان بعض أبطال المسرحية في بعض الأحيان، فإذا كان هذا مسموحا به في الرواية، التي كتبت من أجل القراءة بالأساس، فإنه غير مفضل في المسرح، الذي يتيح تقديم هذه الأراء الفلسفية من خلال الأحداث والحوار، وليس بالطريقة الساذجة المباشرة التي تم تقديمها بها، كما عانى النص من بعض التطويل في أجزاء كثيرة كان يمكن اختصارها دون أن يخل بأحداث المسرحية.
ويبقى النص في النهاية ممتعا ومسليا، لكنه قدم رؤية مغايرة لرؤية فولتير وفلسفته في «كانديد».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية