المتنبي الجديد وحمى الرسائل

حجم الخط
0

د. صبري صيدم ما أن أُعلن عن زيارة الرئيس الأمريكي إلى فلسطين حتى انقلبت الدنيا رأساً على عقب وانفتحت شهية الصحفيين والكتاب والمؤسسات والدوائر الشبابية والنقابات واللجان على اختلافها لكتابة رسائل لأوباما.صفحات التواصل الاجتماعي والفضاء الالكتروني برمته ايضا شهدوا مجتمعين حراكاً غير مسبوق فالبعض أراد أن يقدم مطالب الشعب الفلسطيني والبعض حدثه عن قضايا الهم اليومي بالتهكم تارة وبالانتقاد اللاذع تارة أخرى والبعض الآخر أراد أن يعلمه بأن بسائط الأمور في حياتنا كالماء والترددات وتقانة الاتصالات غير متاحة وذلك عبر رسائل مصورة ومكتوبة ملأت صفحات منصات الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي كان أكثرها حضوراً لوحات إعلانية لفتت الانتباه لاختلاف موضوعها عن ما هو تقليدي طلبت من أوباما عدم إحضار هاتفه النقال كونه لن يعمل لعدم وجود تقنية الجيل الثالث في إشارة لسيطرة إسرائيل المطلقة على ترددات الاتصالات وتقنياته.أما أظرفها ما كتبه الكوميدي الفلسطيني الأمريكي عامر زهر وإن كان قد أدخل نفسه في قضية معقدة تتعلق باليهود الأحباش لكنه حاول بتهكم نوعي أن يشرح لأوباما طبيعة الحياة الفلسطينية الصعبة بتجرد وبكثير من السخرية.قمة الفكاهة جاءت مع الفلم القصير ‘أوباما جاي’ والذي حاول بخفة روح الشباب الفلسطيني التدليل على المعاناة اليومية لفلسطين.البعض منا لم تحمله أعصابه فأرسل رسائل غضب عبر اعتصامات واحتجاجات ومسيرات للشموع وغيرها.وبهذا كله انقلبت الدنيا ولم يعد أبو الطيب المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس وحده بل نافسه على هذا اللقب الرئيس العائد باراك أوباما.قمصان ولوحات ويافطات وجدران وألواح خشبية وجرائد وقصائد وطرف ورسومات كلها اختصت بالزيارة وانشغلت بصورة تكاد لا تنتهي وجاءت الوفود الأمنية والطائرات المروحية ورجال الأمن مفتولي العضلات بصورة ملفتة للانتباه تحضيراً لهذه الزيارة في مشهدٍ جر بعض التهكم حتى سمعت أحد بائعي الحلويات يقول في سخرية ملحوظة بأن حمى الرسائل التي أرسلت لأوباما نصاً وصوتاً وصورة ً قد استشرت في فلسطين حتى أنه هو أي البائع ذاته بات يفكر بكتابة رسالة لأوباما يشكو سوء معاملة زوجته له.كل الرسائل مهمة ولا انتقاص من قيمتها حتى تلك التي جمعت بين الطرفة والتهكم لكن الأمر الأهم للرئيس الذي قال البعض بأنه سيأتي مستمعا وقال البعض الآخر بأنه سيأتي سائحاً أن يبرهن وعلى المدى القريب من ولايته الجديدة بأنه ليس بحاجة للمزيد من الاستماع أوالسياحة أو الرسائل فهو خبيرٌ اليوم في شؤون الصراع وتفاصيله ويعلم تماماً بأن الوعود ما عادت تنفع أبداً، كذلك لا جدوى لهدايا جزئية كرفع حاجز طيار هنا أو إطلاق عدد محدود من الأسرى هناك أو توسيع نطاق السيطرة الفلسطينية على مناطقٍ ما. الحل هو حل كامل أو صراع مستمر.لذلك فإن الرئيس الأمريكي وإن عاد بحزمة وعود جديدة وكلامٍ مطاط فإن زيارته لن تكون إلا تدشينٌ لمرحلة جديدة لمواجهة عنيفة بين الفلسطينين والإسرائيليين وبداية لعملية اغتيال حل الدولتين وربما الإعلان رسمياً عن وفاة ذلك الحل في عهده.وبغض النظر عن هذا وذاك فإن الشارع الفلسطيني وبتجرد كامل ليس متحمساً للزيارة لأنه خبر أوباما ولم ير منه بعد خطاب تنصيبه الأول وخطاب القاهرة الشهير في حزيران 2009 وخطاب تنصيبه الثاني ما يرفع المعنويات. ولأن من هم حول الرئيس الأمريكي قد أشاعوا جواً من الشعور بأن لا توقعات كبيرة للزيارة رغم أن البعض يعتقد بأن هذا ما هو إلا تكتيك واضح حتى تبدو الإنجازات التي سيحققها أوباما في المستقبل وإن صغرت كبيرة جداً بالنسبة للفلسطينين. الترقيع الوحيد الذي سمعناه بأن وزير الخارجية الأمريكي يعي ما تريده أمريكا وأنه سيكون شخصياً حاضراً وبكثافة في الشرق الأوسط هادفاً لأن يكون العام 2014 عام الحل.رغم كل هذا فإن انعدام القناعة الشعبية بالدور الأمريكي يجب أن لا تكون مستغربة من أوباما ذاته لكن امتحانه الأكبر في قادم الأيام هو إما أن يكون الشرق الأوسط ساحة لممارسة هواية الزيارات المكوكية وحوار الطرشان أو منصة لحل صراع ناكف حتى قوانين الطبيعة في استشرائه.. معركة الحل واللاحل تنتظر يوماً جديداً ..وغداً لناظره قريب.’ كاتب فلسطيني qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية