المتن الاعتقالي السوري: طيورُ الصّمْت والعزلة

حجم الخط
0

المتن الاعتقالي السوري: طيورُ الصّمْت والعزلة المتن الاعتقالي السوري: طيورُ الصّمْت والعزلة محمد حيان السمان’ طيورٌ منثورة في رياح الفجر، تُخصب على المدى الأبعد، أيامَنا وملاعبَنا… ‘ (طيور: سان جون بيرس) يحفل المتن السجني السوري بأشكال عديدة للتحويل الأدبي الذي يرتقي بالنصوص السجنية من مستوى الشهادة إلى مستوى الكتابة، ومن مجرد التأريخ والرصد الخارجي لتجربة الاعتقال وأهوال الفضاء السجني، إلى نصوص تتوفر على خصائصها السردية الإبداعية التي تتمحور حول الذات وتمثلاتها الخاصة للمكان والذاكرة والحلم والكتابة. وسوف أختار في نظرة سريعة نموذجين من هذا المتن الغني والواسع لتوضيح ما ذهبت إليه للتو، وذلك من خلال موضوع محدد يتعلق بالطيور وأشكال استدعائها في التمثيل السردي لمحكيّ السجن، وأهمية هذا الاستدعاء على مستوى الشكل والدلالة. والنموذجان هما: شهادة الراحل رضا حداد عن تجربة الاعتقال (الحوار المتمدن العدد 532- عام 2003 )، وكتاب آرام كربيت: الرحيل إلى المجهول (ط الاسكندرية دار جدار 2010). * * * يستهل الراحل – رضا حداد – شهادته عن تجربة الاعتقال السياسي بوصفٍ دقيق لتلك اللحظة التي يفتح فيها عينيه عند الفجر على صوت عصافير الدوري، وشغب مئات منها وقد لجأت إلى نوافذ المهجع المرتفعة في سجن عدرا قرب دمشق. وهو استهلال له مغزاه ومعناه، على مستوى الشكل والدلالة. كانت الكتابة بالنسبة إلى – رضا حداد فعلَ حياة في مواجهة الموت، ليس بالمعنى المجازي فحسب، وإنما بالمعنى المباشر والملموس أيضاً. فهو كتب شهادته تحت وطأة المرض الخبيث الذي اكتشفه بعد خروجه من السجن عام 1995 بأربعين يوماً. من هنا يبدو اللقاء بين انطلاق السرد وانطلاق النهار السجنيّ في نقطة محددة تتعلق بالعصافير في ضجيجها المحبب وشغبها البريء عند الفجر، مؤشراً على ولع أصيل بالحياة والكتابة معاً، زادته حدة ورسوخاً تجربة السجن من جهة، واستبطان الموت أمام مرض قاهر من جهة أخرى. على مستوى الشكل تنزاح دلالة الشغف بالحياة وتحدي الموت الوشيك من خلال إهمال التسلسل الزمني. فالنهار الذي يتنفّس فجرُه على مشهد العصافير، والذي ينطلق منه السرد؛ لا يتطابق مع بداية الاعتقال في الحقيقة، بل هو واحد من نهارات سجن عدرا الذي نُقل إليه الكاتب بعد اعتقاله بأربع سنوات. إن السارد يؤجل الحكي عن فترة الاعتقال الأولى وأهوال التحقيق إلى نهاية النص ‘لأن ذكراها تؤلمني تشوّشني تحيي في داخلي كل مشاعر الذل والمهانة والألم النفسي ‘ كما يقول. كذلك يؤجل السارد الإعلان عن مرضه إلى نهاية النص. فبعد أن يحكي في القسم الأخير من شهادته، عن فترة الاعتقال الأولى والتحقيق، وما رافقها من تعذيب رهيب على يد الجنرالين الجلاديْن علي دوبا وهشام اختيار ؛ ينتقل مباشرة من زمن السرد إلى زمن الكتابة، ويخبرنا ‘ها أنا أكتشف بعد أربعين يوماً من إطلاق سراحي أني مصاب باللوكيميا..’ ثمة مسافة إذاً، تستغرق شريط السرد كله، بين بدايةٍ تحتفي بالفجر وعصافيره، وخاتمةٍ تستعيد لحظات الألم والذل والمهانة، وتواجه في نفس الوقت نذرَ الموت القاهر. كأنّ السارد بتوزيع هذين الحدين على جانبي الشريط السردي، أراد أن يمنح نفسه وقتاً أطول كي يحكي عن شغفه بالحياة وانحيازه للفجر والفرح، وعن مكابدات روحه التي ‘ما زالت تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة’. في زمن السرد، الذي يحيل إلى تجربة الاعتقال وآلامها التي تغلغلت في الدم كما يقول تحققت مواجهة الموت المجازي (السجن وإكراهاته فضاءً وإجراءاتٍ) من خلال طقوس شتى، من بينها تأمل عصافير الفجر والإصغاء إلى ضجيجها المحبب: ‘أبحث عبر الشبك عن تلك الكائنات الطائرة الصغيرة. وهذا يخرجني من دائرة السكون والتكرار ولو لدقائق معدودة ‘. وفي زمن الكتابة واجه رضا حداد الموتَ الحقيقي بكتابة تحتفي بالحياة، وتتمسك بالكرامة الإنسانية التي كرر رضا الإشارة إليها مراراً في شهادته الحارقة. * * * أراد رضا حداد تشخيص تلك المفارقة الأليمة التي يعيشها السجين، بين روح تهفو إلى الحرية والحياة، وبين إكراهات السجن بدءاً بـ ‘هندسته غير القابلة للإلفة ‘ وانتهاء بمشاعر الذل والمهانة والألم ‘دولاب العذاب الجهنّميّ’ كما يقول. وهي مشاعر يستبطنها السجين حتى بعد خروجه من السجن. ‘رغم أني غادرت السجن إلا أنه لم يغادرني’. وقد عمّق المرض من إحساس السارد بقدَره كعاشق أبدي للحياة، عليه أن يخوض حرباً مستمرة ضد الموت والسكون والتكرار، داخل السجن وخارجه. لقد أشار سان جون بيرس في قصيدته العظيمة عن الطيور، إلى ‘الطائر الذي هو بين أقربائنا في الدم، الأكثر تحرقاً للحياة’. إن مشهد عصافير الفجر في مطلع شهادة رضا حداد يأتي بمثابة التشخيص الفني لتحرّقه كذات سجنية وسردية للحياة والكتابة والحرية. عبر طيور الفجر تأتي الطبيعة إلى مهجعه، توقظه وتصل ما انقطع بينه وبين ألوان الحياة والنماء والحركة. وهو انقطاع يبدو أكثر حدة وألماً بالنسبة لعاشق قديم للطبيعة ومظاهر الحياة فيها، اعتاد خلال حياته العادية قبل الاعتقال على ‘التأمل الطويل والصامت لمغيب الشمس ولتفتحها وابتسامها اليومي’. لكن ابتهاج رضا حداد بعصافير الفجر، يحيل إلى ما هو أكثر من مجرد انفعال شخصي بالحياة والطبيعة. إنه أيضاً التشخيص السردي لحقيقة عامة ثابتة من حقائق السجن ‘الحقيقة التي لمستها خلال خمسة عشر عاماً عند الغالبية العظمى من السجناء، هي تقديرهم بل تقديسهم لكل مظاهر الحياة الطبيعية، شغفهم وتوقهم إلى كل ما هو طبيعي وحي ومتحرك’. وهكذا يبدو مشهد العصافير شكلاً من أشكال التمثلات السجنية الأساسية لمعنى الحرية والطبيعة والحياة. ينطوي مشهد عصافير الفجر أيضاً على دلالة أخرى تتكامل مع دلالة الاحتفاء بالحالة الطبيعية. ففي المشهد إدانة للحالة الاجتماعية، مؤسساتِها وسلطِها وعلاقات السيطرة والإكراه فيها. إن ضجيج العصافير وشغبها المحبب عند الفجر ‘يشعرني أنّ قوانين الحياة أقوى من قرارات الحكومة والمسؤولين’ كما يشير رضا. ويتابع القول: ‘إن قوانين الحياة وناموسها يتغلب لفطرة نمائه واستمراره على كل محاولات تعطيل هذا النماء وهذا الاستمرار’. إن رضا حداد يستبطن الخارجَ الاجتماعي بوصفه ‘أمكنة مكتظة بالبشر الأقوياء’. وبناء عليه يفسر لجوء العصافير إلى نوافذ السجن ‘فهي تعلم أن قاطني السجن بشر مسالمون بعيدون عن الأذى’ . * * * في كتاب آرام كرابيت (الرحيل إلى المجهول) تبدو الطيور تيمة رئيسة يستدعيها السارد مراراً عبر الحلم والذكرى، أو بالوصف الحيّ المباشر. وإذا كانت الطيور في شهادة رضا حداد بمثابة باب نحو الحياة في مواجهة الموت، فإن الطيور في كتاب آرام باب نحو الحرية في مواجهة الاعتقال والعزلة. ثمة عطش مستمر في كتاب آرام لرؤية الطيور والتأمل في أحوالها، حيث تُستدعى باستمرار في مسار السرد وتمثيلاته، بوصفها متكأ استعارياً لرفض العزلة وانغلاق الأمكنة، وحاملاً طليقاً لرحلة الذات في بحثها عن الخلاص. حتى عندما يتاح للسارد/ السجين في مرات نادرة أن يتأمل الفضاء المفتوح؛ فإن الطيور هي من يعطي المدى معناه الحقيقي، ومن دونها تبدو السماء مقفرة مغلقة ‘تهذر بهذيان كئيب’. كما حدث في الطريق إلى سجن تدمر، حيث يمسح السارد عبر شباك الحافلة التي تقله نحو قاع الجحيم، المدى بنظرات متلهفة، بحثاً عن الطيور دون جدوى. ويقول بما يشبه النشيج ‘كنت أتمنى أن أرى طيراً من طيور الله السارحة في هذا الفضاء اللانهائي’. وفي سجن تدمر نفسه ثمة مستويات للعزل والحصار، حيث تشتد العزلة والظلام والضيق في بعض الأماكن التي يُنقل السجناء إليها كعقاب جماعي أو فردي. فتزداد الحاجة لمشاهدة العصافير التي تتعين كوة للحلم والأمل والتواصل مع المدى المفتوح. ‘عندما نريد أن نأخذ مساحة فرح نتمدد على الأرض، ننبطح لنرى بعض العصافير من تحت الباب كيف تأكل وتتحرك وتطير’. ثمة ما يوحي في كتاب آرام – بابتهاج السرد وازدياد حيويته عندما تتعين الطيور مادة بصرية بمتناول حواس السارد/ السجين، فتتدفق اللغة متحررة من الكوابح النحوية والقوالب الأسلوبية، خالقة فضاءها الخاص للمصالحة بين الحرية والذكرى على حد تعبير بارت . والمثال الأفضل لعرس السرد هذا نجده في الصفحات المخصصة لمشهد العصافير القادمة من البوادي إلى أعشاشها الشتائية في مهجع السجن حيث ‘عباءة الليل والسكينة’. تجاورٌ مؤقت وعابر، لكنه يكفي لتشخيص عالمين متناقضين في كل شيء: عالم السجن بفضائه المغلق الصامت المعتم المتشكل من آهات ووجع، وعالم العصافير العائدة من الحرية والمدى اللانهائي حيث السماء مفتوحة على السماء. يشخص السارد/ السجين العالمَ الذي قدِمتْ منه العصافير، فيبدو فضاءً عامراً بالحركة والفرح والضوء، مؤثثاً بعناصر الطبيعة والخصب وألوان الحياة وروائحها المختلفة. ثم يرتد ليشخص فضاء السجن حيث ‘الهول والغرابة’، فيتخذ من ‘عيون العصافير المترعة بسحر الحياة وبهائها ‘ موقعاً يرى من خلاله إلى فضاء السجن وأحوال قاطنيه.’ أعينهم الجميلة لا تملّ من التحديق فينا. مستنكرة كأنها تقول لنا: ما الذي جاء بكم إلى هذه الخرائب المسكونة بروائح الجن والشيطان… ؟ من فعل بكم هذا..؟ من الذي…خرّب لون الحياة الجميلة في أعينكم ؟!’. لكن ثمة ما هو أبعد من المقابلة بين فضاءين هنا. فلجوء العصافير إلى مهجع الصمت والعتمة، يعيدُ الحياةَ إلى جدل الخارج والداخل، بعدما جهد السجن – فضاءً وطقوساً – في إخمادها. لقد أحيت العصافير القادمة من الحرية ذاكرة السارد/ السجين، ورممت وعيه بالخارج، ليسترد ألفة قديمة ضاعت في ظلال الذاكرة، على حد تعبير باشلار. وحتى بعد أن تغادر العصافير مهجع ‘الصدى والصديد’ نحو الفيافي والحرية، فإن العصفور الوحيد الذي بقي ولم يغادر فضاء المهجع، يحيل إلى تشبث الذات الساردة بنور الألفة المستعادة، بالتدفق الرائع لجدل الخارج والداخل الذي أحيته العصافير اللاجئة. ‘هدية من الطبيعة، حضور شهي للحرية، عذوبة الوجود والحياة…’. بهذه الجمل التقريرية ترسخ الذات الساردة وعيها بالألفة المستعادة والباقية عبر أجنحة الطائر الذي اتخذ من المهجع عشاً دائماً. تسترد من جديد حضورها داخل الكون والحياة، وتستعيد قدرتها على مواجهة المسافة الوحشية البكماء للزمن، وعدائية المكان وانغلاقه على العزلة والصمت والألم. ‘كنا ننتظر مجيئه بفارغ الصبر ساعات طويلة من أجل التواصل معه، مع الطبيعة، مع ذواتنا… بوجوده نحس أننا في هذا الوجود، في هذا الكون المبهر المتألق…نفرح لفرحه، للقائه الماء والصباح والكائنات الأخرى، نفرح للقائه النبض الآخر منا في الحياة’. * * * تبدو الاسترجاعات الموزعة على طول الشريط السردي في عمل آرام، بمثابة رحلات جانبية متخيلة على هامش الرحلة الجحيمية الرئيسية، وشكلاً للتحويل الأدبي أيضاً يسمح للسرد بالانتقال بين تشخيص اللحظات الأكثر قهراً وألماً فضاء السجن ، وبين استبطان لحظات الحرية والتواصل مع الطبيعة والماضي الذي ‘تحول إلى طائر طليق يحلق فوق أجنحة الروح’. تحفل معظم الاسترجاعات في كتاب آرام بذكر الطيور وحالة الطيران التي تقدم معادلاً تعبيرياً للتوق إلى مغادرة الفضاء السجني في أكثر لحظاته قسوة وإكراهاً: ‘أكثرت الطيران فوق قمم الجبال العالية المكسوة بالثلوج البيضاء الرحبة لأحرر هذه النفس من القيود التي ترزح تحتها ومن اندفاعات قهرها ‘ وفي مكان آخر: ‘لم يكن لي سوى أن أحلم وحدي بالطيران ‘…الخ. إن واحدة من الاسترجاعات تقدم نموذجاً دالاً للكيفية التي انصهر فيها مستويا الكتابة (كتابة الاعتقال وكتابة الرحلة) في عمل آرام، وتوضح جانباً من استخدام موضوع الطيور في التمثيل السردي كذلك. وهي تتعلق بلحظة ضاغطة عاشها السارد/ السجين بداية عام 1992، بعدما تبين له ‘أن السجن العربي سيكون طويلاً ولا يوجد أي أفق مشرق أو بصيص أمل للخروج منه’. وكاستسلام محبط يائس لهذه اللحظة يقول السارد ‘مددتُ فراشي على السرير وربطت أحزمتي من أجل امتطاء الرحلة الطويلة المحفوفة بالمخاطر’. توقظ هذه اللحظة ذاكرة السارد/ السجين: تذكرت ! وتنقله مباشرة وبشكل خاطف من فضاء السجن وسياق الرحلة الجحيمية، إلى قلب مشهد الطيور المهاجرة نحو الجنوب، وقد حطت رحالها على شجرة الكينا العملاقة في منزل الطفولة برأس العين. يقرأ السارد مشهد طيور الزرازير على شجرة الكينا بوعي ومشاعر اللحظة الراهنة، فيبدو المشهد مجالاً لتفاعل الذاكرة والطبيعة والتاريخ، من منظور الذات السجنية الساردة، وهي تواجه جدل المكان المغلق والرحيل المر. إن الأسماء والنعوت المحتشدة في مشهد الطيور، والتي تحيل إلى حقل دلالي واحد يشير إلى السفر المضني: التعب- الإرهاق البرد- الجوع- الغربة- الألم الخ… ليست سوى التشخيص الاستعاري لأحوال الذات السجنية في رحلتها داخل الجحيم. ‘أصوات استغاثاتهم المبحوحة في أذني وعقلي وقلبي منذ كنت طفلاً في العاشرة. عيونهم الموجوعة الحزينة تقول: دعني أرحل إلى موطن الدفء والأمان، إلى موطني القادم. دعني أرحل إلى المكان الذي أحط فيه أعشاشي ونسلي وبقائي… كانوا مشبعين بالألم والجراح الطويلة، يصرخون بنبرة مرة… ‘. إن الإحالات المتبادلة بين الذات السردية في شرط الاعتقال، وبين الطيور ككائنات طليقة، ملمح بارز في البناء السردي لعمل آرام. وقد سمحت هذه الإحالات في مراوحتها من الذات إلى العصافير وبالعكس، بالتشخيص الفني لكثير من جوانب تجربة الاعتقال السياسي، وساهمت ضمن عناصر فنية ودلالية أخرى- في تنظيم محكي السجن، والارتقاء به من مجرد كتابة التذكر والرصد إلى السرد الفني، أي التحول من سؤال الذاكرة إلى سؤال الإبداع. * كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية