محمود قرني
القاهرة ـ ‘القدس العربي’ : أثار اختيار المهندس محمد الصاوي لمنصب وزير الثقافة ضمن التعديل الوزاري لحكومة تسيير الأعمال في مصر الكثير من الجدل، فقد حقق اسم الصاوي، نجل وزير الثقافة والإعلام الأسبق عبد المنعم الصاوي، شهرة واسعة في السنوات الماضية، ليس على أرضية ثقافية، ولكن على أرضية دعائية تحققت له عبر أنشطة اجتماعية وثقافية ذات صبغة غير نوعية وغير متخصصة تقوم بها ساقية الصاوي، وهي مركز ثقافي أنشأه الوزير الجديد قبل أكثر من عشر سنوات، أسفل كوبري 15 مايو وسط العاصمة القاهرة. غير أن هذا النشاط المحموم والمتصل كان كاشفا عن العديد من الملامح الفكرية المحافظة والموالية للدولة، التي ميزت أداء الصاوي وأداء مركزه الثقافي المدعوم من الدولة. ورغم هذا فإن اسم الصاوي ظل الأبعد عن التداول، ولم يكن أكثر المتشائمين يتوقع ذهاب حقيبة وزارة الثقافة إلى هذا الرجل. فرغم التصاق الصاوي بنشاط ثقافي متصل إلا أن علاقته بالثقافة لم تتعد كونها نوعا من الوجاهة الاجتماعية والدعائية، عبر نجاح منقطع النظير في جمع تبرعات سخية للساقية، ولم لا.
فالصاوي واحد من رجال الأعمال الذين يدخلون حقل الثقافة وهم يعتقدون أنه مشروع ربحي ناجح يجب استدراره، وفي هذا الإطار لم يكن غريبا أن يكون الكثير من أنشطة ساقية الصاوي مدفوعة الأجر وليست مجانية، رغم أنها أنشطة ممولة من العديد من البنوك ورجال الأعمال وبعض المراكز الثقافية الأجنبية، ربما لذلك كان اختيار الصاوي موضع سؤال كبير، وأظنه سيظل كذلك لفترة طويلة، فالرجل لم يعرف عنه أي حضور فكري أو ثقافي، كما لم يكن موقفه واضحا أو مطروحا حيال قضايا جوهرية، مثل قضية الرقابة على الإبداع بكل فروعه، وربما أدى هذا الوضع بعديد من المثقفين إلى رفض هذا الاختيار، ولا يعفى رئيس الوزراء من المسؤولية كونه عرض المنصب على أكثر من شخصية عامة، بينها الشاعر فاروق جويدة الذي أشيع أنه رفض قبول المنصب في الوقت الحالي.
ولا يكاد المرء يفهم كيف تم تجاهل اسم الدكتور عماد أبوغازي، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة وأستاذ التاريخ الحديث، ليكون على رأس هذا المنصب الرفيع فالرجل، المشهود له بنظافة اليد، يدير واحدة من قلاع الثقافة المصرية الرصينة، ويحقق وجوده الكثير من القبول لدى المثقفين المصريين، فهو في القلب منهم. وقد تأكدت رفعة ونزاهة أدائه منذ أن كان يعمل نائبا للأمين العام الأسبق للمجلس، الدكتور جابر عصفور.
على صعيد آخر ذكر الزميل وجدي الكومي بموقع اليوم السابع، أن عددا كبيرا من المثقفين شن حملة واسعة ضد تعيين محمد الصاوي وزيراً للثقافة، وقد انطلقت الحملة تحت عنوان: ‘لا للصاوي وزيراً للثقافة’. على جانب آخر أصدر عدد من المثقفين الشباب بيانا يندد بهذا الاختيار، حيث ذكر أن الموقعين على هذا البيان تابعوا، بقلق بالغ، أنباء عن قرب تولى الأستاذ محمد الصاوي وزارة الثقافة في الحكومة الانتقالية، وأكد الموقعون أن هذه الخطوة تنم عن عدم دراية باحتياجات الثقافة المصرية في اللحظة الراهنة.
وتابع نص البيان نقلا عن اليوم السابع: فالأستاذ محمد الصاوي طوال تاريخه لم يندمج مع الجماعة الثقافية المصرية، ولم يتبن آراءها وأفكارها، ولم يعرف له موقف حاسم من القضايا والشؤون الثقافية، بل انحصرت كل علاقته بالثقافة في إدارته لمركز ثقافي (ساقية الصاوي). وأضاف البيان أن المعروف عن الصاوي عدم قبوله للآراء السياسية والثقافية المخالفة، بل ومواقفه المناهضة لحرية الرأي والإبداع، وابتداعه لرقابة داخلية في مركزه (ساقية الصاوي)، فاقت في تعنتها رقابة الدولة المرفوضة أصلا، وسبق أن أوقف عروضا موسيقية، ومنع عرض أفلام قصيرة لشباب مبدعين في مركزه، وهو يتناقض في مواقفه تلك مع مواقف مجمل المثقفين المصريين الداعين لحرية الفن والإبداع، تلك الحرية التي لا غنى عنها لبناء مجتمع جديد ننشده جميعا.
وأوضح البيان أن الصاوي يتعامل مع الثقافة باعتبارها ‘سلعة’ وليست ‘خدمة’، لافتا إلى أن الصاوي في حقيقته رجل أعمال تقليدي، يدور مجمل نشاطه الاقتصادي خارج إطار الثقافة، حتى إن تصادف أن تطرق إلى النشاط الثقافي من خلال مركز ‘الساقية’، وتعيينه في المنصب هو، في واقع الأمر، عودة إلى فكر وزارة ‘رجال الأعمال’ التي دفعت البلاد إلى حافة الهاوية. ونهيب بالمسؤولين عن تشكيل الوزارة الجديدة عدم الانسياق وراء أسماء تحيطها شهرة إعلامية من دون أن تتمتع بقيمة ثقافية حقيقية وراسخة تسمح لها بتولي المسؤوليات الجسام.
اقترح الموقعون على البيان عدة أسماء تصلح لهذه المرحلة منها الدكتور عماد أبوغازي أمين المجلس الأعلى للثقافة الحالي.
ودعا الموقعون على البيان المنشور بالموقع، القائمين على تشكيل الوزارة بتدارك ذلك الخطأ الفادح في اختيار الصاوي، ووصفوه بالخطأ الذي سوف يكلف الثقافة المصرية الكثير من الوقت والجهد في الفترة القادمة، ويحيد بها عن تحقيق الاستقرار المنشود في أجهزة الدولة.
وقع على البيان عدد كبير من المثقفين، منهم أحمد العايدي وحامد عبد الصمد وأمير رمسيس وصالح الغازي ووائل الملا وشمس لبيب ومحمد سلامة وفتحي سلامة وعلي راشد وإيهاب عبد الحميد ونهى محمود وإبراهيم السيد وهشام محيي وسمر نور ويوسف ناصف وعلاء الدين محمود وعاطف أبوباشا وأيمن فوزي ومحمد خير ودينا ماهر عبدالله ومنصورة عز الدين وباسم شرف ورانيا هلال وعمر الشافعي وآخرون.
على جانب آخر نشر الزميل وائل السمري تصريحات للكاتب إبراهيم أصلان يتراجع فيها عن تأييده لتعيين الصاوي وزيرا للثقافة، حيث كان يعتقد، حسب تصريحاته، أن تأييده لاختيار الصاوي يلبي حاجة لدى شباب الثورة. وأضاف أصلان، حسب اليوم السابع، أنه تلمس الصدق فيما سمعه من الشباب حول أسلوب إدارته للساقية وطريقة تعامله مع المثقفين وتدخله غير الفني في رؤيتهم الفنية، خاصة وقد ذكر له هؤلاء الشباب وقائع شخصية تؤكد قيام المهندس محمد الصاوي بدور الرقيب وليس بدور المنتج الفني، وقيام مسؤول ثقافي بدور رقابي متشدد يعد ‘نكبة سوداء’ على المكان الذي يتولى مسؤوليته، فما بالنا الآن وقد تولى وزارة الثقافة بأكملها. وأكد أصلان أن هذه الشهادات التي أدلى له بها شباب المثقفين والفنانين تجعله يتراجع بلا خجل عن تأييد توليه لوزارة الثقافة مبديا اعتراضه الشديد على تولي ‘الصاوي’ للمنصب، آملا أن يتراجع المسؤولون عن هذه الخطوة في أقرب وقت.