المثقفون الموريتانيون في ساعة الفعل السياسي
بدي ولد ابنوالمثقفون الموريتانيون في ساعة الفعل السياسي-1- لنستعرْ اجرائيا في البداية من الفيلسوفة السياسية حنا ارند تمييزها المفهومي بين الشغل والعمل والفعل بغرض ان نتساءل عن دور الانتلجنسيا او طبقة المثقفين في الحملة الانتخابية الموريتانية الحالية. ولنتجاوز مؤقتا مختلف انواع الحَرَج التي يطرحها استعمال مفهوم المثقفين لنخص من نعنيهم من بين الفئات المتعلمة بانهم الذين يتمتع خطابهم او يمكن ان يتمتع بدرجة ما من الصدي في الفضاء العام. هل يمكن ان يظل هؤلاء خارج ميدان النشاط السياسي؟ بلا شك ان اغلبهم يلعب حاليا ادوارا سياسية ولكن بشكل مستقل عن الفاعلية الثقافية والفكرية بما هي كذلك. يلعبه كـ مُوظف قَبَلي او اداري او تنظيمي او ما في معني ذلك. يطرح ذلك تساؤلا محوريا ليس من منظور تلك الفكرة الماركسية التي طالما تم ترديدها في القرن ونصف القرن الماضيين: اعني القول بانه لا ينبغي ان يظل كل هم الفكر هو تفسير العالم بل يلزم ان يصبح همه تغييره. التساؤل المحوري يصدر في الواقع عن المعطي الذي لم يعد يحتاج الي كبير استدلال والذي يمكن ايجازه في انْ لا وجود لفاعلية ثقافية وفكرية للمثقف محايدة علي الصعيد السياسي والاجتماعي بل ان الفاعلية الثقافية والفكرية هي الفعل الذي يتجاوز ويشترط في آن الشغل والعمل، اي انها هي النشاط السياسي بامتياز. ومن ثم فان قبول المثقف بالاستتباع و التوظيف لا ينتج عنه تخل تام عن الفاعلية الثقافية كما قد يتبادر الي الذهن بل ينتج عنه توظيف كامل السلبية لتلك الفاعلية. -2-قد لا يمثل التغيير السياسي المؤسسي مفتاحا سحريا او حلا سحريا لكل المشاكل المطروحة ولكنه بلا شك يمثل احد ابرز عوامل التغيير التنموي الشامل. كل تجارب دول الجنوب، او دول العالم الثالث كما كانت تسمي خلال الحرب الباردة، منذ اواخر القرن التاسع عشر تؤكد ذلك. ولعلنا نتذكر مرة اخري الانتكاسة التي عرفتها دول كادت ان تُصبح صناعية ان لم تكن اصبحت كذلك بالفعل. ولعلنا كذلك نتذكر انكسار تجارب بعض الدول التي عرفت ارتفاعا ملفتا للمستوي التربوي واستطاعـتْ ان تُكوّن اعدادا متميزة من المتعلمين وذوي الكفاءات العالية فاستفاد منها غيرها اكثر مما استفادت هي منها امام انسداد الافق السياسي المؤسسي. اي انها دول بقيتْ في مستوي الشغل والعمل ولم تُعر كبير اهتمام للفعل، اي للفعل السياسي. ومن هنا مركزية الفرصة التاريخية التي يُمثلها اوج المسلسل الانتقالي ومركزية دور الراي المستنير في مواجهة الاسْر الذهني – ومثله التقوقع الثاري الذي يخلقه التكدس السلبي – لا المنفتح والمثمر – لمشاعر القهر والظلم والالم وتحجم وتحجر الرؤي وانحدار قدرات المبادرة الي حدودها السفلي. -3-لا يمنح الواقع بشكل عام والواقع الحالي بشكل خاص للمثقف ايا يكن موقعُه امكانيةَ التخلص من التبعات السياسية ، لا يمنحه اي فرصة لممارسة دور يخوله الابتعاد عن التورط السياسي او التنازل عن دوره لصالح دور وظيفي آخر غير دوره كمثقف. كل تفكير ولو كان تفكيرا باللسان تورطٌ في الواقع تَنتج عنه مسؤولية اخلاقية سياسية تجاه الفضاء العام وما يجري في الفضاء العام. وتبعا لذلك فان المرحلة الموريتانية الحالية الحاسمة التي تفتح امكانية تغيير حقيقي ايا تكن نسبيته لا يمكن الا ان تُطالِب من لهم امكانية ما في خلق مستوي او آخر من الراي العام او تشكيله بتحمل مسؤولياتهم. لا يمكن الا ان تُطالبهم بتجاوز الشغل والعمل الي الفعل. وما اهمية حرية التعبير اذا لم تكن فرصة لخلق راي عام او آراء عامة مستنيرة؟ فالتنوير هنا هو تحديدا تمكين المواطن من اصدار احكام تتمتع بحد ادني من السلامة، وتصدر تبعا لذلك عن وعي غير مزيف. فالمآسي الماضية والحاضرة والممكنة والمخاطر المحدقة ليستْ اوهاما ولا ظواهر هامشية. وبالتالي فان الاستقالة باسم الواقعية او النضج او تضخم الوعي او ادراك ضيق هوامش التغيير او باسم نوع من التهكم السقراطي هي تورط بالغ الخطورة وليستْ استقالة بالمعني الحرفي. انها مساهمة فاعلة في خلق شروط العقل المحبط والعزيمة المثبطة. انها نوع من الهاء الناس في سفينة تترنح بعد ان كادت ان تغرق بخطاب عن تواضع امكانيات الفعل الانساني مقارنة بمختلف العوامل الاخري. انها نوع من الجبر و الارجاء لا يروق الا لمن يريد تكريس الامر الواقع. وككل دعاة تكريس الامر الواقع فانهم الابعد عن مشروعية التهكم السقراطي لان مبدأهم شبه الصريح هو ان ما كان هو ما يمكن ان يكــون، بل ان مبدأهم يقتضي ضمنيا ان ما كان هو ما ينبغي ان يكون. بينما يستلزم الفعل السياسي بما هو كذلك ان ارادة الانسان الفاعل هي الفيصل لا سيما في ساعة الاختيار، ان ارادة الانسان هي المحك وبها يتحقق ما لم يخطر علي بال من كان ولا ظهر في اي مكان او امكان. ہ كاتب موريتاني[email protected]