د. آمنة الرميلينبدأ بضبط شروط السيرة الذاتية جنساً أدبياً قائماً بذاتِه كما ضبطها منظّرو هذا الفنّ في الأدب العالمي من أمثال ‘فيليب هامون’ و’جورج ماي’. من شروط السيرة الذاتية ‘الميثاق السّيرذاتي’، وهو أن يعلن الكاتب أنّه سيكتب سيرته الذاتية وأنّ ما سيأتي في كتابه هو حياته الخاصّة أو بعض منها، وعادة ما يكون هذا الميثاق في مطلع الكتاب حتى يدخله القارئ بوعي قرائيّ محدّد هو كونه ترجمة الكاتب الذاتية، وإلاّ فإنّ النصّ يزحزح إلى أفق أجناسيّ آخر هو ‘السيرة الذاتية الرّوائية’ أو الرواية ــ السيرالذاتية’، ما يترك نوعا من الشكّ في صحّة المعلومات التي ترد في النصّ، وهل هي كلّها حقائق أم تدخّل الخيال في بعضها أم هي مزج متناصف بين هذا وذاك.. المهمّ أنّ غياب ‘العقد السيرذاتي’ يلقي بشيء من الغموض على فهم القارئ المختصّ في ما إذا كان سيتقبّل النصّ على أنّه تاريخي محض أم تاريخي مخلوط بشيء من الخيال.. والملاحظ أنّ هذا العقد غير موجود في كتاب حمزة قناوي ‘المثقّفون’. ولكن تتوفّر فيه شروط أخرى جوهريّة في السيرة الذاتية مثل المطابقة التامة بين اسم الرّاوي واسم الكاتب، فمنذ الصفحات الأولى نلتقي بهذه العلامة الأجناسية الدالّة على أنّنا في حضرة السيرة الذاتية، كما في هذه الجملة: ‘أنا متحمّس للعمل معك. حمزة قناوي’ (ص 8)، وقد تردّد اسم الكاتب أكثر من مرّة في متن الكتاب وكأنّه يعوّض به عن غياب العقد السيرذاتي الذي أشرنا إليه منذ حين. ولئن انتشر اسم ‘حمزة’ في الكتاب من بدايته إلى نهايته فإنّ اسم الدكتور ‘أنور عبد الملك’ لم يظهر إلاّ في مناسبة واحدة حين وجده الكاتب وهو يجرد كتب المكتبة المهملة في ‘البلكونة بغرفة المكتب من الجهة الثانية من الشقة’ (ص 74)، في هذه المكتبة المغلقة على آلاف الكتب منذ سنوات، حين كان حمزة يرصف مؤلّفات يوسف إدريس وجد أنّ بعضها يحمل هذا الإهداء ‘إلى الدّكتور عبد الملك’ (ص 75)، لم يكن الاسم كاملا ولكنّه ذكر على كلّ حال ومنح القارئ دفعة من يقين أنّه في حضرة نصّ يمتّ إلى السيرة الذاتية بأكثر من صلة! الشرط الثاني المتوفّر في كتاب ‘المثقفون’ والذي يجعله منتميا إلى فنّ السيرة الذاتية هي المعلومات التاريخية ‘الحقيقية’ المشتركة بين الكاتب والقرّاء مثل أسماء الشخصيات التاريخية وتواريخ الأحداث وأسماء المدن والشوارع.. أعلام من تاريخ مصر الحديث السياسي والثقافي والإعلامي، وأحداث من ماضيها القريب والبعيد، وعناوين صحف معروفة، وأسماء ميادين ونزل وشوارع وأحياء.. كلّ هذه العلامات تجعلنا نطمئنّ إلى أنّ ‘المثقفون’ نصّ كتب بهواجس السيرة الذاتية واشتراطاتها، ولكنه حوى من الخصائص ما يجعله نصّا مختلفا داخل هذا الجنس الأدبي وبالاختلاف تمتلك النصوص هيبتها الفنية وطرافتها الإبداعية. من أهمّ هذه الخصائص أنّ الخطاب السيرذاتي في ‘المثقفون’ ليس مركّزا في’الأنا’ كما هو الحال في التّرجمات الذاتية الكلاسيكية وإنّما هو موجّه إلى ‘الآخر’، إنّها سيرة الآخر من خلال الأنا أو سيرة الأنا من خلال الآخر. من هذا ‘الآخر’؟ يلتقي القارئ بكثير من التردّد عاشته الذات الكاتبة أمام إعلان الاسم السيرذاتي في ‘المثقفون’، ولا بدّ أن حمزة قناوي قد مرّ بلحظة صعبة في الكتابة وهو يتردّد بين ذكر الاسم أو عدم ذكره على الملأ، وهو وحده يعرف الأسباب التي منعته من إعلان اسم الدّكتور ‘أنور عبد الملك’ إعلانا صريحا وجعلته يكتفي بلقبه العلمي الأكاديمي’ الدّكتور’، ويترك القارئ معلّقا في نقاط الفراغ والتّساؤل والحرمان منذ جملة الكتاب الأولى: ‘في أحد مساءات ديسمبرمن عام 2004 اتّصل بي كاتب كبير صديق.. سألني إن كنت أعرف الدّكتور(……)’ (ص 7). ومن هنا حتى نهاية النص سيتعامل القارئ مع الشخصية السيرذاتية بهذا اللقب دون غيره ما عدا في تلك المناسبة الوحيدة التي ذكر فيها لقب الشخصية كما أشرنا سابقا. ما الذي جعل حمزة قناوي يحجم عن ذكر اسم ‘أنور عبد الملك’ في كتاب سيرذاتي يتعلّق به؟ خشية على ‘الدكتور’؟ خوفا من ردّة فعله لما حواه النص من أسرار صغيرة تتعلّق بحياته الخاصة والعامة؟ احتراما لخصوصيات ‘الدكتور’ وصونا لشخصه من فضول القارئ؟ بحثا عن شيء من الغموض يدفع القارئ إلى البحث والتساؤل؟ تنصّلا من شروط فنّ السيرة الذاتية التي تتطلّب التسمية وجعل الكتاب أقرب إلى النص الرّوائي؟
تطرح هذه الأسئلة ونحن نلج عوالم السّرد في ‘المثقّفون’ وتأخذنا دوّامة هذه القصّة السيرذاتية متقنة الصنع، ندخل عوالم السرد والكاتب لا يتحدّث عن نفسه بقدر ما يتحدّث عن ‘الدّكتور’، يقدّمه بانبهار واضح بقيمته العلمية ‘ماذا سأعمل مع أستاذ علم الاجتماع الأشهر وأنا شاعر وأدرس الأدب؟’ (ص 7) وبتاريخه السياسي فهو المثقف المصري النموذجي بماضيه النضالي الكبير وإشعاعه العالمي رغم حاضره السياسي المذبذب، فلا هو مع السلطة ولا هو ضدّها، مثقّف اليسار القديم الذي يزيّن مكتبه بصورتي جمال عبد الناصر وماوتسي تونغ ويكتب في صحيفة السلطة الكبرى ‘الأهرام’، يلجم نفسه ويكتب بحذر وبعمومية. وتكشف ‘المشاحنات’بينه وبين الكاتب عن كثير من التوتّر والتمزّق بين’المبدأ’ و’المنصب’ حتى وإن كان وهميّا، وعن كثير من الخوف الذي يعيشه ‘الدكتور’ على مساحته في جريدة الأهرام، إذ يمكن في أيّة لحظة أن يمنع ــ رغم هذا التاريخ ــ من الكتابة في هذه الصحيفة، إنّه المثقف العربي المسحوق في بلده تحت عجلة السلطة وحساباتها السياسية. كان ‘الدكتور’ مثقفا معارضا مواجها في سنوات القوة ولكن للعمر أحكامه، فهو في كتاب حمزة قناوي شيخ ضعيف وحيد، كأنّه مغصوب على شيء من المهادنة.. وفي الكتاب مشاهد من هذا الصراع بين الذاتين:
ذات المؤلّف الراوي الشاب المتعطّش للتغيير والتحوّل وذات ‘الدكتور’ الشخصية الرئيسية في الكتاب. ويضطرّ القارئ إلى طرح السؤال الأوّل: هل كان حمزة قناوي يبحث عن مبرّرات يدافع بها عن تذبذب ‘الدكتور’ وعدم بقائه مواجها صريحا للسلطة فاضحا فسادها كما كان عليه الأمر في ما تقدّم من عمره؟ ثم إلى طرح السّؤال الثاني: لماذا تبرير هذا التذبذب والتردّد السياسي عند ‘الدكتور’؟ تتعدّد الأسباب بحسب ما يعلنه الخطاب السردي في ‘المثقفون’، منها ما هو ظاهر فالكاتب يعمل مساعدا عند ‘الدكتور’ وهو يروي قسما من حياته معه أو من حياتهما معا دون إذن منه في ما يبدو، وأكيد أنّ حمزة قناوي كان يعرف أنّ الدّكتور سيكون من قائمة قرّاء كتابه، فهل توخّى في نقل الأحداث ورسم الملامح شيئا من المجاملة والمراعاة والتّجميل؟ ومنها ما هو باطن فالكاتب مورّط وجدانيّا في شخصية ‘الدكتور’ (ص 13)، كأن يقدّم لنا الدكتور في لحظات صفائه وضعفه وإنسانيته القصوى وإحساسه بالوحدة والضعف رغم مكابرته وادّعائه القوّة، ووضعه ذاك القناع من الصياح والغضب والاستعلاء، رغم كلّ هذا فالقارئ يقع في حبّ هذه الشخصية واحترامها والإعجاب بها، والوقوف بإجلال أمام ماضيها. لقد نجح حمزة قناوي في دفع القارئ إلى الوقوع في حبّ ‘الدكتور’، كان ذلك جزءا من استراتيجية الخطاب السردي في كتاب ‘المثقفون’. لم يستطع حمزة قناوي أن يبقى ‘مساعد الدكتور’ الذي يعينه على كتابة مقاله وضبط كتبه ونشرها فحسب وإنّما توسّعت العلاقة لتصبح علاقة عقليّة روحيّة وجدانية، تحمّل فيها الكاتب نوبات الغضب والصّراخ والتّوبيخ التي كان يتلقّاها من ‘الدّكتور’ يوميّا تقريبا حتى انطبع الخطاب السردي بذلك الطابع الشاكي الذي نجده في السيرة الذاتية عموما والعربية خصوصا حيث يقدّم الكاتب نفسه في هيأة ‘الضحيّة’ حتى يحوز تعاطف القارئ معه. ورغم ذلك فقد كان كلّ واحد منهما يحبّ الآخر ويتعلّق به يوما بعد يوم، وتتقاطع حياتهما في أكثر من موضع وتزداد المساحات الوجدانيّة الرابطة بين الذاتين، الذات الراوية والذات المرويّ عنها. وكم تتقن الذات الراوية الغوص في الذّات المرويّ عنها! تكشف عن مواطن ضعفها الإنساني فيعلن’الدكتور’ مدى إحساسه بفقد ‘حمزة’ بعد غيابه للتداوي في فرنسا (ص 53)، أو يدّعي تعرّضه للأذى حتى يأتيه في خارج أوقات العمل ولا يتركه وحده (ص 132)، أو يرفته من العمل ثم يعيده بعد دقائق، أو يشتري له بعض المأكولات التي يحبّها أو يعدّ له إفطار رمضان، وهكذا.. وفي سياقات أخرى تبرز الذات الراوية الجوانب الإنسانية المضيئة في الذات المرويّ عنها (ص 169)، أو تعرّي تردّدها الفكري السّياسي كأن يتراجع ‘الدكتور’ عن مشروع انتمائه إلى ‘الجبهة الوطنية’ المعارضة في مصر (ص 129)، أوتبرّر موقفها المتذبذب بين السلطة والمعارضة: ‘ولكنّ حسابات التوازنات ورغبة البقاء في المساحة التي أفردت له في الأهرام ومجلس الشؤون الخارجية المصري.. ونادي السيارات وكلية الاقتصاد والسياسة التي كان يذهب إليها باستمرار محاضرا.. حيث كان من أقرب أصدقائه علي الدين هلال كبير أعضاء الحزب الوطني’ (ص127). كان حمزة قناوي يوغل في تفاصيل حياة الدّكتور بقدر ما تسمح به الرّقابة الذاتية أوّلا وبقدر ما سيبيحه له القارئ مع شخص من حجم الدكتور أنور عبد الملك ثانيا. وإذا ما كانت الملامح الفكرية السياسية في شخصية ‘الدكتور’ تظهر في مواطن السرد التحليلي الموضوعي فإنّ تفاصيلها الصغيرة اليومية لا تظهر إلاّ في تلك المواطن السردية الذاتية الساخرة الوجدانية الحميمية التي كان حمزة قناوي يترك لها نفسه حين يتحرّر قليلا من سلطة بطله السيرذاتي في لحظات الخصام والانقطاع والغضب من ‘الدكتور’، فيحدّثنا عن اقتصاده الشديد في النفقة على الآخرين كأن تكون هديّة حمزة من باريس شريط كاسّات موسيقي قديم (ص 156)، ويعلمنا ببعض من غرابة في شخصه منذ بداية الكتاب’هذا الرجل الذي يعيش العزلة التامة أستاذ في علم الاجتماع الإنساني!’ (ص 17). هل كان حمزة قناوي يكتب قصّته أم قصّة ‘الدّكتور’؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال فحضور كلّ واحد منهما مرهون بحضور الآخر، ووجود هذا في النص متعلّق بوجود ذاك. أراد حمزة قناوي أن يكتب قصّته مع ‘الدكتور’ فكتب قصّة ‘الدكتور’ معه، وجهان لعملة واحدة هكذا يقول النص، وكلّ الطّرق السردية تؤدّي إليهما معا! كتب حمزة قناوي قصّته في علاقته بشخصية الدكتور أنور عبد الملك، علاقة امتدّت سنتين كما يقرّ بذلك صاحب الكتاب ‘عايشت هذا الرجل سنتين’ (ص7). عامان كانا كفيلين بولوج عوالم هذه الشخصية العامة، مفكّر مصري كبير دفع عمره وحدة وغربة وعزلة وغضبا وكتابة من أجل مصر ولم يحصد شيئا كثيرا (ص32)، مثقّف فذّ وأكاديمي كبير يكتب مقاله للأهرام بحرفيّة مبهرة فيتابع قبل أن يكتب مقاله كلّ ما ينشر في الصحف الكبرى خارج مصر وداخلها، ويتفحّص تقلّبات السياسة والاقتصاد ويطّلع على أهمّ المستجدّات العالمية وينظر في النقاط الجغرافية الساخنة على الخرائط ويقارن ويحلّل ويستنتج (ص14) ثم يعيش خوف ألاّ ينشر مقاله، ويقبل ضيم الحذف والتشويه، ويعيش قهر أنّ مقاله بكلّ ما فيه من جهد وعمق وفكر وحتى موالاة (ص 81) قد يحذف فجأة من أجل مقال لقلم مأجور يحسن ضرب الطبل للحزب الحاكم.
وحين نتحدّث عن تداخل القصّتين أو ‘السّيرتين’ فلا يعني ذلك أنّ حمزة قناوي قد أذاب قصّته في قصّة ‘الدكتور’، أو جعل سيرته أقلّ أضواء في النص من سيرة’الدكتور’، بقي حمزة قناوي قائما في النص، واضح المعالم، يغضب في حضرة ‘الدكتور’ ويحتجّ عليه (ص 81_82) ويحاسبه (ص 81) ويبصّره بالأمر مثلما جعله يتراجع عن إجراء العملية الجراحية في مستشفى خاص حين كشف له الجشع الخيالي الذي يمارسه هذا النوع من المستشفيات على المرضى (من ص 39 إلى ص 46). ويثور حمزة قناوي في وجه ‘الدكتور’ أحيانا حين يفرط في استبقائه معه في العمل ‘هل استعبدتني يا دكتور؟’ (ص 116)، ويناقشه ضعف أجره عنده، ويسخر من علامات ‘بخل’ الأستاذ سواء وهو معه أو وهو وحده (ص 82). تسير ‘القصتان’ ‘السيرتان’ متداخلتين متقاطعتين متكاملتين، ويرحل القارئ معهما وعبرهما في شواغل جيلين متباعدين من أجيال الثقافة في مصر، جيل النضال اليساري القومي الذي وقف في وجه الاستعمار والاستبداد وأخطاء ثورة 52، فاعتقل وعاش في المنافي وعاد بعد حرب العبور وعلق في سياسة الانفتاح والتطبيع والفساد، فلم يرض على السلطة ولم يقطع معها بالمعارضة الواضحة مثل ‘الدكتور أنور عبد الملك’ الذي بقي معلّقا بين مجد الماضي وتدهور الحاضر لا يقدر أن يصعد أو ينزل، وجيل شباب مصر اليوم المحاصَر بالفقر والبطالة والتهميش، الواعي أشدّ الوعي بمظاهر الطبقية المجحفة وفساد الحكّام ونهب ثروات الشعب وإتلاف مقدّرات البلد دون أن يستطيع فعل شيء أو تغيير شيء، وضعية يختزلها حمزة قناوي وهو عائد من بيت ‘الدكتور’ بكثير من الدراما والشعرية الشفيفة: ‘الطريق من مصر الجديدة إلى المطرية.. الحيرة والأسئلة كأنما تطالعني من بين الأشجار ومنعطفات الشوارع.. الصواب والخطأ، النضال الحقيقي بين الناس المتعبة، ومن يكتبون عنهم وهم يشربون الأنخاب.. أن أظلّ معلّقا بين الكلمة والطريق، الطريق البعيد الذي لا تبدو نهايته، الشباب الذي يتحرّك بين الشيب والتاريخ ولا يرى آخر للطريق والركض في دوائر المستحيلات، مصر والقضايا والنضال، الفقر والسلطة الفاسدة، الوزراء والرؤساء الذين أراهم ويحملون وجهيْ الحقّ والباطل، الطريق… الدكتور!.. من أيّ منعطفات الدنيا التقيت هذا الرجل ولماذا؟ لا درب في الدرب، ولا إجابات تفضي ألاّ إلى الأسئلة.. يداي في جيبيّ الخاويين، وقلبي ملآن بالناس والتعب والمحبّة’ (ص 87). سيرة الأجيال فعلا هذا الكتاب، أجيال الإحباط الثقافي والسياسي في مصر وفي غيرها من البلدان العربية الإسلامية حيث تتالى الأجيال وتتعاقب والحاكم واحد! تلك هي قصّة القصّة في كتاب ‘المثقفون’، وذاك هو الدافع الأكبر في ما نرى لكتابتها، محاولة البحث في دور المثقف المصري في غابة النهش السياسي الذي حصل في حكم مبارك وزمرته، لذلك اضطرّ حمزة قناوي في ما يبدو إلى تلك ‘الكتلة الحرجة’ التي قطعت حركة السرد وتفرّغ فيها الكاتب للخوض في دور المثقفين المصريين ورسم صورة لهم رآهم عليها.’الكتلة الحرجة’ في نصّ حمزة قناويدافع ‘الدكتور’ في أكثر من مناسبة عن انتمائه فكريّا وسياسيّا إلى ما يسمّيه ‘الكتلة الحرجة’، وهم مجموع المثقفين والمفكرين الذين كانوا يحاولون الإصلاح من داخل السلطة أو يحاولون التغيير من داخل دواليب الحزب الحاكم، ولكن هيهات! وكم سخر حمزة قناوي من هذا الطرح في حواراته مع ‘الدكتور’ (ص27…)، ولكن ‘الكتلة الحرجة’ التي نقصدها في هذا السياق هي الكتلة النصية التي غابت منها شخصية ‘الدكتور’ تماما، وتفرّغ فيها حمزة قناوي لنفسه، لموقفه، لغيظه وقهره من ‘المثقفين’ في مصر ما قبل الثورة، كتلة نصية امتدّت من الصفحة 134 إلى الصفحة 145. تبدأ هذه الكتلة السردية فجأة وبلا تمهيد أو مقدّمات بقول الراوي: ‘في عام (2006) كانت مصر تمور بالغليان السياسي.. وقد وافق هذا العام صعود نجم الإخوان..’ وتنتهي بقوله: ‘كانت مصر تغرق، ولم يكن من سبيل للقفز منها وقد أصبحت بناسها وأبنائها في منتصف البحر’ (ص 145). على امتداد أكثر من إحدى عشرة صفحة تكلّم حمزة قناوي عن المثقفين والسياسة في مصر، بل صرخ وأدان وعرّى وشتم، نفث ما في صدره من غضب على رموز الحكم الفاسد المتاجرين بكلّ ما في مصر ومن فيها في سياق أوّل، والتفت في السياق الثاني إلى ‘مثقّفي’ مصر، تلك الأسماء الكبرى التي تتلمذت عليها الأجيال في مختلف أنحاء الوطن العربي، أولئك المثقفون الذين أسهموا في بناء ثقافة الثورة والنضال والرفض والقومية والوطنية والعقلانية على امتداد عقود، ثم بدأوا ــ إلاّ ما قلّ ــ يتهاوون ويتساقطون في حضن السلطان، في خدمة مبارك وحزبه، أسماء كبيرة لامعة في المشهد الثقافي العربي، أدانها حمزة قناوي وهي في أوج قوّتها وعنفوان انتمائها إلى مركز السلطة، أدان انخراطها في تبييض وجه السلطة وإضفاء الشرعية على فسادها بمجاراة اختياراتها وتنفيذها والدفاع عنها. استثنى الكاتب الأسماء القليلة للمثقفين الذين لم يتورّطوا في الفساد السياسي وذكرهم بكلّ احترام واعتزاز: ‘صنع الله إبراهيم، عبد الحليم قنديل، جورج إسحاق، سيد بحراوي…’ (ص142) وغيرها من الأسماء المضيئة التي وقفت في وجه الفساد السياسي’ (ص 142)مقابل هذا الصف الأوّل من المثقفين المناضلين ‘وقف صفّ آخر من المثقفين يكيلون الحمد للنظام ويقومون بوظيفة أساسية هي (التبرير).. التبرير للخراب وإسباغ المنطقية على كلّ ما هو كاذب وفاسد’ (ص 142).. إنّهم مثقّفو السلطة بمؤسّستهم الرّمز ‘المجلس الأعلى للثقافة’ بإدارة الباحث المفكّر’جابر عصفور’، يعتبره الكاتب ‘من أشرس المدافعين عن النظام’ (ص 142)، بقي على رأس هذه المؤسّسة التابعة من 1991 إلى 2007. يقول الكاتب: ‘ستّة عشر عاما كانت كافية بأن تنسيه دوره كأستاذ للجامعة ومفكّر.. بدأ مشروعا تنويريّا يساريّا، أراد طموحه أن يجعله كمشروع طه حسين إلاّ أنّ شهوة السلطة سارت به في مسارات أخرى’ (ص 142)، يتوقّف حمزة قناوي عند اسم آخر هو’أمين محمود العالم’، أستاذ الوعي الذي بدأ مناضلا يساريّا ومفكّرا طليعيا وانتهى به الحال إلى استخدامه عبر لجان مجلس الأعلى للثقافة’ (ص 143)، وتتالى الأسماء المدانة مجدي الدقّاق، عماد أبو غازي، حلمي النمنم، شهرت أمين العالم.. وغيرها من الأسماء التي جاءت في نصّ قناوي غارقة في الفساد والموالاة والرّشاوي.
والسؤال هو: أين ‘الدّكتور’ (أنور عبد الملك) من هذه الكتلة النصية؟ لم يضعه المؤلّف في صفّ الواقفين ضدّ النظام الحاكم ولا في صفّ الساقطين في وحل السلطة. هل هو تنزيه للـدّكتور أنور عبد الملك كونه لم يفعل ما فعله جابر عصفور وأمين العالم؟ أم إدانة له كونه لم يقف في صفّ صنع الله إبراهيم وعبد الحليم قنديل وسيد بحراوي؟ ما الذي منع حمزة قناوي من تحديد موقع’الدكتور’، حبّه له أم صدقه التاريخي كون الدكتور بقي فعلا في تلك المساحة المحايدة بين الصفّين؟ وهل توجد مساحة محايدة إذا ما تعلّق الأمر بالوطن؟
خاتمة نصّ عجيب، نصّ مدهش، نصّ ينبض بحبّ مصر وبحبّ من أحبّها.. أحبّ حمزة قناوي في الدكتور ما قدّمه لمصر ويحاول تقديمه إلى آخر أيام حياته، ولم يقبل منه ما لم يقبله في حقّ مصر من حياد غير مقنع ومعارضة ضعيفة.
نصّ سيرذاتي أو شهادة سرديّة أو رواية سيرذاتية، سيان الأمر، المهمّ أنّه نصّ التبشير بالثورة، ونصّ الإعداد للثورة، فقد نشر الكتاب بشجاعة كبيرة من مثقف شابّ سنة 2009، وهو نصّ التفجّر الثوري الذي سبق بقليل 25 يناير2011، ونصّ حبّ مصر وإدانة أعدائها الدّاخليين الذين باعوها في مزاد المصالح والجشع والفساد الجارف من ساسة و’مثقّفين’، نصّ الصراخ الذي سبق الولادة، ولادة الثورة التي أطاحت في اندفاعها الأوّل برموز ذلك الفساد وجعلت مثقفا شابا مثل حمزة قناوي يعيش لحظة طالما انتظرها وحلم بها حتى أنّه أنهى بها كتابه: ‘بعدها بقليل كنت في الشارع، أسير تحت الشمس اللاهبة وأمامي وخلفي المتظاهرون.. اشتبك رجال الأمن مع المتظاهرين.. لمحت جنديا من الأمن المركزي ينهال على شاب نحيل بهراوته الثقيلة.. نهضت بصعوبة واتجهت نحوه أحاول أن أبعدهم عنه فانهالوا عليّ بالصفع والركلات.. كنت ما أزال متشبّثا بالمقال (يقصد مقال الدكتور الذي يحمله حمزة أسبوعيا إلى جريدة الأهرام لنشره)، فجأة صاح أحدهم (معاه منشورات)! مدّت يد نحوي وجذبت الأوراق من تحت إبطي بشدّة، وانهالت يد أخرى بعصا عليّ فهويت على الأرض.. كنت أموت تحت الشمس، تحت شمس مصر وبين ناسها، ومن بعيد رأيت أوراق المقال تتناثر في الريح ويأخذها الهواء ويصعد بها، كانت تتحوّل وجوه بشر طيّبين، وعرقا وخبزا وتاريخ ظلم لا ينتهي في مصر’ (ص 179)، ويبدو لنا جليّا في هذا المشهد أنّ السيرة الذاتية تترك مكانها للتخييل الروائي تقريبا! هذا النص صرخة بالإبداع والفكر والنقد جعلت نبوءة ‘الدكتور’ تتحقّق حين قال لحمزة ذات حوار: ‘يا ابني.. بلدك تغلي.. وهناك بشائر تغيير سيحدث في السلطة الفاسدة المسيطرة على الحكم’ (ص 85). (كلية الآداب. سوسة. تونس)