تحتل ظاهرة الاستبداد مساحة كارثية في جغرافيات الثقافة العربية، حيث يمكن ملامسة حضورها العدواني في مجمل الخطابات التي لها صلة قريبة أو بعيدة بالشأن المعرفي. والمستهدف المركزي في هذه الخطابات، هو المثقف الذي يبدو ملاحقا، بما لا يعد ولا يحصى من أشباح الاضطهاد والقمع. علما بأنه يستمد مصداقيته الثقافية من قلب هذه الملاحقة الشرسة ومن ضراوتها، حيث لن يكون له وزن، إلا إذا امتلك الكفاية الأدبية لترجمة فصولها، وتداعياتها، سواء على حياته الشخصية أو المجتمعية، وإلا إذا نأى بخطاباته عن مجال اختصاصات الأنتلجنسيا الكونية، المشتغلة عادة بأسئلة، قد تبدو للقارئ «الجماهيري» ضربا من الترف المعرفي الزائد عن اللزوم، لأنه من خلال ذلك فقط يمكن أن يبرهن على التزامه الفعلي بالقضايا النضالية، المناهضة لكل ألوان الاستبداد. وهذا الالتزام ليس من وجهة نظرنا سوى حجاب، يكرهه على المراوحة الثقافية، داخل دائرة جد ضيقة، لا تتيح له فرص الارتقاء بقدراته الفكرية الإبداعية، إلى فضاءات الزمن الحضاري، التي يمكن أن تضعه على عتبات مستقبل خطاب حداثي، حر، ومنزه عن ربقة أي تسلط هيمني مهما كان مصدره.
بهذا المعنى، يظل المثقف ذاته، سجين إكراه المطالبة بالحد الأدنى من الكرامة، الذي يمكن اختزال سماته في هاجس الفوز بمكتسبات متواضعة، تميزه بالكاد عن فصيلة الحيوان، من قبيل الحق في السكن، والتغطية الصحية، وضمان القوت اليومي، إلخ.
وكما هو معلوم، فإن سلطة اليومي، تتجاوز من حيث أهميتها الملموسة سلطة المعرفي والثقافي، باعتبار أن مكتسباتها، رغم تواضعها، تظل أكثر ملحاحية، قياسا بالحاجة إلى التفكير الذي يعتبر آخر مطلب، يمكن أن يراود الذوات الواقعة تحت نير الاستبداد، حيث تظل الإشكاليات الثقافية، أسيرة رؤية تبسيطية، مرتبطة بهاجس تأمين مستلزمات الحياة اليومية، مادام نداء الكرامة، وضمن منطق حده الأدنى، لا يسمح بتناول القضايا ذات الحمولة الفكرية، أسوة بمثقفي المجتمعات الديمقراطية. وهو واقع مأزوم وعلى درجة كبيرة من البؤس، حيث يتحول التفكير، إلى مجرد ترف مزاجي، عديم المردودية، وحيث يحتمل أن يتعرض المثقف المتخصص، إلى غير قليل من التبخيس، بذريعة تنصله من المسؤوليات النضالية، كما تعتبر خطاباته مؤشرا صريحا على تهربه من القضايا المصيرية التي تتخبط فيها «الشرائح المقهورة»، ما يحفزنا على طرح سؤال إشكالي، يتعلق بسلم الأولويات المطروحة على عاتق المثقف، إلى جانب مأساوية سؤال ازدواجية الخطاب، التي يحتمي بها، استجابة لتنوع شروط السياق والمقام، حيث يكون موزعا بتبني خطابين، أحدهما ذو مرجعية تحريضية، تسعى إلى تصعيد الصراع ضد زبانية الاستبداد. فيما يوجه الثاني إلى النخب المثقفة، على أساس مرجعياته العالمة، وإذا كانت هذه الازدواجية تتوفق أحيانا في إنجاز مهامها، إلا أنها غالبا ما تعمق لدى الملاحظ، حضور حالة متفاقمة من الارتباك، باعتبار أن الانتقال السلس من خطاب إلى آخر مضاد، يقتضي توافر قوانين معرفية صارمة، لا علاقة لها بتبسيط المعجم أو تعميته، بقدر ما تتعلق بتبني منهجية تعبيرية، لا تكون بالضرورة مشاعة للجميع، وتبعا لذلك، فإن الخطاب التحريضي، هو الذي يكون مهيمنا على المشهد الثقافي دون غيره من الخطابات، إنه خطاب يتمحور حول الاختلالات المجتمعية، الناتجة عن الممارسات الهجينة لمعاقل الاستبداد، التي تحتمي بها رموز الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي. مستندا إلى خاصية التنديد، والإدانة والفضح، والتشهير، والوعيد الغاضب المبطن بغير قليل من الانكسار السوداوي.
إنه الإكراه الذي يتحول الى سلطة مدمرة، لا تقل عنفا عن السلطات القمعية، التي تحكم بها الأنظمة الاستبدادية قبضتها على ألسنة وأعناق شعوبها.
وبالنظر إلى استفحال أزمة البؤس المعرفي في أوصال الجسد المجتمعي، الواقع تحت سلطة الاستبداد، فإن هذه الخطابات، نادرا ما تغامر بالخوض في الإشكاليات الفكرية، المؤهلة لمقاربة الاختلالات المجتمعية، بصيغة رصينة ومغايرة. مع الإشارة إلى أن البؤس المعرفي يتضمن خاصية إيجابية، تكمن في قدرته على تفجير عواصف تشهيرية بكل أنواع الاختلالات، بدون أن ترقى إلى صياغة أنساق معرفية عقلانية وممنهجة. فالرأي العام، الذي غالبا ما يكون مفرغا من ديناميته المعرفية، بفعل معاناته من الاستبداد التجهيلي، يجد ضالته في هذه الاختلالات، الجاهزة عمليا للتناول التبسيطي، الآلي والانفعالي المجرد من أي إطار معرفي معلوم.
تأسيسا على ذلك، تظل كثير من القضايا المركزية، خارج دائرة اهتمام الرأي العام، فقط لأنها تحتاج إلى النزر القليل من المعرفة، حيث لن تحظى على سبيل المثال لا الحصر، بنود ملتبسة في دستور ما، بأي نقاش عام. والشيء نفسه بالنسبة للأضرار الخطيرة التي قد يتعرض لها المواطن، بفعل استهلاكه لوصفة طبية فاسدة، أو بالنسبة للتحويرات الفظة والعشوائية، التي يحدث أن تطال خصوصية ثقافية ما، من جانبها اللغوي أو التعليمي.
وعلى الرغم من اقتناعنا المسبق بجدوى انخراط الخطاب الثقافي، في الكشف عن مظاهر الاختلالات المتأصلة مجتمعيا، إلا أن هذا الاقتناع لن يعفينا من التأكيد على سلبيته، حينما يتحول إلى عائق، يمنع المثقف من الاهتمام بالقضايا الفكرية.
إن ما يعنينا في هذا السياق تحديدا، هو التأكيد على سيادة منطق تحجيم البعد المعرفي، من أجل صرف انتباه المواطن، ومعه الخطاب الثقافي، عن الاهتمام بقضايا أساسية ومركزية تمارس دورها المباشر في توجيه مجرى حياته الثقافية والمجتمعية. فالمطالبة بتحسين الخدمات ينبغي أن لا تنحصر في التدبير الضيق للحياة اليومية، بل ينبغي أن تشمل ما يمكن تسميته بجدوى الخدمات الفكرية والمعرفية، باعتبار أن مفهوم الخدمات، يتميز بإجرائية لا تفاضل بين المادي والرمزي. كما لا تفاضل بين لقمة العيش، وما يتخللها من وعي فكري وجمالي.
ففي ظل غياب رؤية متكاملة لمفهوم هذا النوع من الجدوى، ينغلق عالم الخبراء على خصوصية أسراره، المندرجة في باب المسلمات، لدى الشعوب التي تتنفس رئاتها أريج الديمقراطية. كي يظل المثقف «هنا» بعيدا عن ملامسة الحد الأدنى من العمق المعرفي، ومحجوبا في دوامات اليومي، بكل ما يكتنفها من تسطيح والتباس.
ذلك هو عين الاضطهاد الداخلي الذي يجبر المثقف على الامتثال إليه، من خلال انصياعه الضمني لأوامر الكثير من المنابر التي تدعي انتصارها الكاذب لقضايا الجماهير، محتكرة بشكل تام، وباستراتيجية تحريفية حقوق معالجة الاختلالات المجتمعية. فهذه المنابر تتقن فن استدراج المثقف الهش كي يتبنى منطق مقارباتها، التي تطمئن إليها الغالبية العظمى من قرائها. إنها غير معنية بالوضعية الاعتبارية للمثقف، بقدر ما هي معنية أساسا، بوضعيتها الاعتبارية، حيث لا وزن لهذا الكائن المغلوب على أمره، إلا ضمن شرط قابليته للتماهي مع أفق انتظارها، أي مع أفق الترويج لرسائل معينة ومحددة، تصب في اتجاه الاختلالات المراد إبرازها. علما بأن هذه المنابر، أمست في العقود الأخيرة، حريصة على التماهي مع آلية اشتغال شبكات التواصل الاجتماعي، التي أمست تهدد شرعيتها.
من هنا يمكن القول، إن الغثاثة بدت أكثر من أي وقت آخر، مؤهلة لأن تتحول إلى معيار وإلى قانون. وبالنظر إلى تذمر المثقف من رطوبة العزلة، فإنه يجد نفسه مكرها على التضحية بالخطابات المعرفية، طمعا في الانتماء إلى الطقس العام والمشترك.
إنه الإكراه الذي يتحول الى سلطة مدمرة، لا تقل عنفا عن السلطات القمعية، التي تحكم بها الأنظمة الاستبدادية قبضتها على ألسنة وأعناق شعوبها.
٭ شاعر وكاتب من المغرب