المثقف العربي بين الخيانة والتطرف: المعضلة الأخلاقية بالمجال الأوسع

حجم الخط
0

المثقف العربي بين الخيانة والتطرف: المعضلة الأخلاقية بالمجال الأوسع

د. عبدالوهاب الافنديالمثقف العربي بين الخيانة والتطرف: المعضلة الأخلاقية بالمجال الأوسعفي فيلم الخيال العلمي المعروف ذي ماتريكس ، يقرر أحد الثوار ارتكاب خيانة في حق رفاقه الذين كانوا يحاربون للتخلص من إسار نظام كمبيوتر استولي علي الكوكب الأرضي وحول كل البشر إلي بطاريات لتوليد الطاقة لضمان استمرارية وجوده. ويبرم الرجل المسمي سايفر (وهي كلمة من معانيها الصفر ) صفقة مع حراس النظام يساعدهم فيها علي الإيقاع بقادة الثوار، مقابل أن تضمن له حياة رغد بعيداً عن معاناة الحرب والنضال.وملخص قصة الفيلم هي أن البشر ابتدعوا نظام كمبيوتر غاية في التطور، ولكن هذا النظام أصبح من الذكاء والاستقلالية بحيث أوشك أن يتحول إلي قوة تهيمن بإرادتها علي الحياة في الكوكب. وقد أدي هذا إلي صراع انفجر في النهاية حرباً قام فيها البشر بإجراء تفجيرات نووية هدفها حجب ضوء الشمس الذي يستمد منه نظام الـ ماتريكس الطاقة التي يعمل بها. وبالفعل نجحت خطة حجب ضوء الشمس عن الأرض، ولكن البشر هزموا في الحرب. ولكي يستمر نظام الماتريكس في الوجود، اهتدي إلي فكرة جديدة لتوليد الطاقة، وتعتمد علي استخدام الأجسام البشرية كبطاريات. ولهذا الغرض فإن النظام يقوم باستيلاد البشر ووضعهم في حاضنات يعيشون فيها من المهد إلي اللحد وتتم تغذيتهم عبر أنابيب، مع ربط كل إنسان بأسلاك تزود مخه بإشارات تعطيه الانطباع بأنه يعيش حياة طبيعية، بما في ذلك العمل والحياة الاجتماعية وصورة وهمية لعالم يشبه في هيئته عالم نهاية القرن العشرين.هناك قلة فقط من البشر يقودهم شخص اسمه مورفيوس ، يعلمون حقيقة ما يجري وقد اكتشفوا وسيلة للتخفي، والخروج والدخول من النظام، ويقومون بتخير أفراد يكاشفونهم بالحقيقة، ثم يضمون من أراد إلي صفوف الجهاد لتحرير البشرية من هذا الأسر، ويبحثون أثناء ذلك عن مخلص موعود أخبرتهم عرافة بأنه علي وشك الظهور وعلي يديه يتحقق النصر. وبالمقابل فإن النظام اكتشف وجودهم، وهو يجهد في مطاردتهم عبر أجهزة دفاعه، ويسخر إمكانات هائلة لتعقبهم والقضاء عليهم.حين يقرر سايفر ارتكاب خيانته فإنه يطلب إعادته بسلام إلي عالم الوهم الذي حارب ضده طويلاً، شرط أن تمحي ذاكرته تماماً حتي لا يكدر ذلك عيشه الوهمي، وأن يتحقق له في حياة الوهم تلك ما كان يتطلع إليه. وفي المشهد الذي يعقد فيه الصفقة، يظهر وهو يتناول الطعام بصحبة أحد عملاء النظام ويناقش معه شروط الصفقة. ويقول وهو يتناول قطعة من اللحم المشوي: إنني أعلم أن هذه القطعة هي وهم لا وجود له، ولكنها طعمها رائع مع ذلك . ويضيف: إن الجهل نعمة .فكرة الفيلم مستوحاة من نظريات المفكر الفرنسي الشهير جان بودريارد النقدية للمجتمع الرأسمالي الاستهلاكي الحديث الذي تتغلب فيه الصورة علي الحقيقة، بل لم يعد فيه معني للحديث عن الحقيقة، لأن إنتاج وتسويق التصورات المستقلة عن كل حقيقة غيب كل حقيقة كما تغطي الخريطة الأرض وتصبح بديلاً لها (بودريادر احتج بأن الفيلم شوه أفكاره، ولكن هذه مسألة أخري). الذي يهمنا هنا هو فكرة ومنهج الخيانة، وهي في هذا المقام ليست خيانة لمجموعة معينة بقدر ما هي خيانة للإنسانية. ولكنها أيضاً تمثل تصرفاً يحمل طابعه الإنساني كما قال جو بونتاليانو، الممثل الذي لعب دور سايفر في الفيلم، في مقابلة دافع فيها عن شخصيته وقال إن سايفر واجه خيارات صعبة وتصرف بالطريقة التي تجعل منا بشراً.مثل هذه المعضلة تتكرر في كل المواقف التي يواجه فيها البشر بصراعات. وفي الحالة العربية، حيث تواجه الأمة صراعاً علي محورين، الأول صراع الوجود مع قوي خارجية تسعي لإخضاع إرادتها إما بالاحتلال أو بالهيمنة، والثاني الصراع الداخلي حول تحديد الوجهة والهوية، تصبح المعضلة معضلات. وفيما يتبلور الصراع الثاني مؤخراً في مواجهة بين الدولة المتسلطة من جهة، وقوي المجتمع من جهة أخري، قد يبدو الأمر واضحاً في الحالة التي تتمايز فيها الصفوف، خاصة حين تكون الحكومات المستبدة وقوي الهيمنة الأجنبية في جانب، والقوي الحية والفاعلة في الأمة في الجانب الآخر. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن الأنظمة المستبدة كثيراً ما تلعب لعبة معقدة (وقذرة في كثير من الأحيان)، خاصة حين تحمل لواء الدفاع عن الاستقلال أو وحدة الأمة، أو تلعب الورقة الطائفية وتحرض قطاعات المجتمع بعضها ضد بعض لتفرق فتسود سيادة هي في جوهرها عبودية الكل. المشكلة التي يواجهها المفكر العربي كانت معقدة أكثر مع الأنظمة التي تحمل لواء الثورية، لأن الوقوف ضدها كان يؤدي موضوعياً للوقوف مع قوي الهيمنة، أو مع الأنظمة التقليدية التي لم تكن بدورها ديمقراطية. ولكن الوقوف مع هذه الأنظمة قد يعني في كثير من الأحيان السكوت عن تجاوزاتها وقمعها لمواطنيها، بمن فيهم كثير من المفكرين ممن كان جرمهم الوحيد التعبير عن قناعاتهم أو حتي الاحتفاظ بهذه القناعات سراً، علاوة علي المغامرات غير المحسوبة لهذه الأنظمة، سواء بالتورط في نزاعات خارجية أو حروب متهورة وفاشلة.مهما يكن فإن الأنظمة العربية حسمت هذه المسألة بنفسها، حيث أن كل الأنظمة الاستبدادية، حتي التي صدعت رأسنا بدعاوي الثورية والنضال انتهي بها الأمر في بيت الطاعة إما راغبة أو مجبرة. ولكن هذا لا يغير كثيراً من أن دور الغالبية الساحقة من المثقفين العرب لم يكن مشرفاً، خاصة في ظل ضلوع بعض الأنظمة في انتهاكات يندي لها جبين أي مخلوق. وقد أدت الطفرة النفطية إلي أزمة ضمير أخري للمثقفين العرب، خاصة مع ظهور المؤسسات الإعلامية ودور النشر العابرة للحدود، الممولة من المصالح النفطية أو التي تعتمد علي أسواق الدول النفطية في مبيعاتها وإيراداتها الإعلانية. هذه المؤسسات وضعت المثقف العربي أمام معضلة كبري تشبه تلك التي وضعته فيها الأنظمة الثورية. فإذا كانت المواجهة مع الأنظمة الثورية لاتعني فقط التعرض للخطر الشخصي والتنكر الظاهري لمثالياته التي تتشدق بها تلك الأنظمة، بل كذلك الوقوع في أحضان العدو، فإن الابتعاد عن مؤسسات الإشهار المحتكرة نفطياً كان يعني افتقاد المثقف لأهم خصائص دوره، وهو التواصل مع جمهوره. فبدون هذا التواصل لا يكون للمثقف وجود موضوعي، وبالتالي لا يكون له دور. وتتعقد المشكلة أكثر حين تتيح وسائل النشر هذه للمثقف هامشاً كبيراً من الحرية، مقابل التزامه ببعض المحرمات، ولكن ليس في هذه الوسائط فقط، بل بصورة قاطعة. فلا يمكن أن تتناول المحرمات مثلاً في مطبوعة أخري (مجلة راديكالية محدودة التوزيع أو حتي في الانترنيت مثلاً) ثم تلتزم الأدب في المطبوعات والفضائيات إياها، بل يجب أن تلتزم الطاعة في السر والعلن، وإلا… الدخول في هذه المساومات الصغيرة استجابة لنوازع إنسانية علي طريقة سايفر (إيثار السلامة الشخصية، الخوف علي مستقبل الأسرة، إقناع النفس بأن التنازلات المطلوبة بسيطة، وبأن البدائل أسوأ، التعلل بمجاراة الآخرين، أو بأن الزمن لم يحن بعد للمنازلة، إلخ..) قد يخلق بعد زمن حالة تختفي فيها المسافة بين التظاهر بالانصياع والانصياع الكامل. وعلي كل ما هو الفرق بين الذي يجاري الوضع السائد نفاقاً وتقية وبين من يجاريه اقتناعاً؟ أليس الثاني أفضل بكثير من الأول، مع أن الكل يتساوي في أنه سند للخل القائم ودعامة من دعائمه؟الإشكال هو أن معظم أهل الشأن (ولأنهم بشر أيضاً) إذا تلاقوا في جلسات الصفاء يصارحون بعضهم بعضاً بقرفهم من الأوضاع القائمة، ويتجملون بذلك. بل إن بعضهم قد يصرح بنقد خفيف للأوضاع ولكنه يردف ذلك بأن هذه الأوضاع علي كل حال أفضل من البدائل المتاحة، ولهذا يجب دعمها حتي توفر خيارات أخري. وهنا نجد فرقاً مهماً بين المثقف الذي يسبح في البركة الراكدة التي تفوح رائحتها النتنة وبين سايفر المسكين، وهو أن الأول لا يسعد بنعمة الجهل التي تمناها وظفر بها الأخير. فالمشارك في أوضاع الفساد القائمة والمتنعم بغنائمها يفعل ذلك بكامل وعيه، وهو مفتوح العينين، عالم بالخزي والهوان الذي يحل به وبأمته، ومشاهد لعذابات الملايين الذين لا يتنعم إلا بشقائهم.ولكن هذه الازدواجية بين الإيمان والممارسة، وهذا النفاق المستشري، قد يصبح البديل عن نعمة الجهل التي تجعل مرتكب الخيانة قادراً علي التعايش مع ضميره. فهو حين يصرح بأن وضعه مع أهل الباطل هو وضع اضطراري مؤقت، ويطمئن المناضلين من أجل الحق بأن قلبه في حقيقة الأمر معهم، فإنه يحول خيانته إلي بطولة، وانهياره إلي سلوك مثالي، فيأكل كعكته ويحتفظ بها في نفس الوقت، علي سنة من يصلي خلف علي ويأكل علي مائدة معاوية. وهذا الخداع المستمر للذات يبقي من أهم دعائم استمرار الأوضاع الفاسدة وأهم معوقات الإصلاح، كما كان كذلك منذ أيام معاوية رحمه الله.قد يرد البعض هنا بأن هذه الانتقادات تنطلق من نزعة مثالية تستبطن التطرف، وإن ما يدرك كله لا يترك جله. فما الفائدة في مناطحة الصخر، خاصة في الأنظمة التي لا ترحم؟ وما الذي تجنيه الأمة من زج غالبية مثقفيها في السجن؟ وما العيب في تقديم تنازلات قليلة من أجل أهداف أكبر؟ فهل يجب علي المثقف أن ينكر كل منكر ويأمر بكل معروف، أم أن من العقل أن يفعل من ذلك ما استطاع؟ وإذا أتاح أمراء النفط منابر يمكننا من خلالها الدفاع عن حقوق الإنسان في كل مكان ما عدا حديقتهم الخلفية، هل ندع هذا الواجب بدعوي أن الأمر لا يشمل الجميع؟ وإذا سمح الحاكم لحزب واحد بالعمل ومنع حزبين، أو سمح لمنظمة طوعية بإطعام الجوعي، هل ننخرط في هذه الأنشطة أم نناطحه حتي يسمح بكل الأحزاب ويسمح كذلك بجمعية لرعاية أسر المعتقلين ظلماً في سجونه؟هناك منطق ما في مثل هذه المدافعات، وبالقطع ليس مطلوباً من كل مثقف أو ناشط أن يكون نيلسون مانديلا أو فاسلاف هافيل. ولكن لا بد في كل مجتمع من أن يوجد علي الأقل مانديلا واحد أو هافيل واحد، وإلا هلك ذلك المجتمع وكان وجوده كعدمه. ومشكلتنا اليوم في عالمنا العربي هو افتقادنا لهذه النماذج الصلبة التي تكون منارات تذكر المساومين بأن هناك حقيقة خارج الماتريكس ، وتلهم الجماهير، وتنبه المفسدين إلي أن هناك من لا يقبل أن يكون ضمن القطيع، وأنه ليس كل إنسان خدع بملابسهم الشفافة التي لا تستر عرياً. حينها قد يقرر بعض هؤلاء أن ينظر في المرآة كما فعل دي كليرك في جنوب إفريقيا وغورباتشوف في روسيا ويقرر أن الوقت قد حان ليستر عورته.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية