ينوء كل بلد عربي بما يشغله من أحداث وقضايا ومشكلات، ويفترض بكل مثقف أن يكون مهتمًا مشتبكًا متفاعلًا مع ما يحيط به، وأن يكون صاحب رأي وموقف، بصفته مواطنًا واعيًا على الأقل، يؤثر عليه كل ما يحدث، وربما يهدد وجوده. وهناك بالتأكيد موقف للبعض مع أو ضد، ولكل حججه ومصالحه، ولكن الكثرة تكتفي بموقف المراقب المتفرج الذي لا يعنيه ما يحدث من قريب أو بعيد، ربما جبنًا أو خوفًا أو تجنبًا للمشكلات، وعلى الأغلب سلبية مقيتة تصب في النهاية لصالح الجانب الأسوأ. وقد قالها دانتي في جحيمه: «إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة». وحول هذا الموضوع توجهنا بالسؤال التالي: «من المسؤول عن ميوعة موقف المثقف العربي؟» إلى مجموعة من المثقفين الأردنيين، فكانت هذه المشاركات ..
يتضاءل سؤال الميوعة والمثقف كثيرًا؛ لأن المثقف بالتعريف صاحب موقف صلبٍ من القهر والاستبداد والطغيان السياسي والاقتصادي والديني.
البداوة الفكرية
الناقد نارت فاخون
ميوعة أدوار المثقفين ومواقفهم فرع عن الميوعة في مفهوم المثقف نفسه، الذي أمسى اسمًا جامعًا لكل ما لا نستطيع القبض عليه مفهومًا ومصداقًا، لذلك صار من المنطقي أن تكون مواقف من لا تعرف لهم سببًا مشروعًا ليُطلق عليهم لقب «المثقف» مواقف مائعة، تصل إلى الخيانة أحيانًا. لذلك لو أخذنا بمفهوم المثقف للدلالة على مَن يملك قدرة وشهرة في حقل من حقول المعرفة «يوظفهما» في الفضاء العام مشتبكًا مع «هيمنة الأنظمة السلطوية» ومحاولات اختراقها وسيطرتها على الوعي والفعل الإنساني، أو كما قال بوتريال: المثقفون هم «سلطة المقهورين» في وجه «السلطة القاهرة»، فإن سؤال الميوعة والمثقف سيتضاءل كثيرًا؛ لأن المثقف بالتعريف صاحب موقف صلبٍ من القهر والاستبداد والطغيان السياسي والاقتصادي والديني. ولكن حتى لا أبدو طوباويا فأفترض في المثقف، حسب المفهوم أعلاه مقدسًا صاحب موقف ومبدأ دائمًا، فإن بعض المثقفين حقا يقفون مواقف مائعة أحيانًا، بل مواقف متقلبة تنتمي لعالم البداوة الفكرية، حيث الارتحال إلى حيث الكلأ والماء، وهذا لا بد أن يوجهنا إلى الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توفر الحواضن للمثقف الحقيقي، وهي شروط لا تكاد تتوفر في بلد من البلدان العربية لا الغنية ولا الفقيرة ولا التي بين بين، فالأنظمة العربية كلها ليست ديمقراطية تثبت شرعية وجودها بوسائل الشرعية العصرية، بل هي بقايا عائلات وجماعات خاصة تستبد بالحكم دون شعوبها، لذلك تتحسس حساسية شديدة من وجود مثقف حقيقي.
غائب عن صناعة التاريخ
الباحث مجدي ممدوح
إن الأدوار لا تُعطى، بل تنتزع انتزاعًا. فلا وجود لإرادة وطنية واعية عابرة للعصور تتولى توزيع الأدوار بين فئات المجتمع، لم يكن لفئة المثقفين أي دور في صناعة التاريخ العربي الحديث والمعاصر، فهذا التاريخ صنعه السياسيون والذين كانوا في غالبيتهم من العسكر. صحيح أن السياسيين استعانوا بالمثقفين العلمانيين من أجل إرساء قواعد الدولة الحديثة التي وجدوا أنفسهم وجهًا لوجه أمام مسؤولياتها الجسام، إلا أنهم لم يتحولوا إلى شركاء في السلطة، بل اقتصر دورهم على تقديم الخدمات مقابل الحصول على جزء من مغانم الدولة الحديثة. وهذا يفسر الترابط بين الحركة القومية والحركة الثقافية العلمانية، وهو ترابط تاريخي وليس ترابطا مفهوميا. وهذا النهج في تقاسم المغانم فقط هو نهج رسمه معاوية منذ توليه السلطة، فقد انحصرت السلطة في صفوة بني أمية، أما التحالفات فكانت تحالفات من أجل الحصول على المغانم دون السلطة. لم تتح الفرصة لفئة المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية أن تكون صانعة للتاريخ، لأن هذا التاريخ صنعته السيوف واستأثرت به قوى قبلية تحت شرعية دينية. أما التجربة الأحدث في التاريخ العربي المعاصر؛ تجربة ما يسمى بالربيع العربي، التي حصلت في غياب كامل لفئة المثقفين، ومن وراء ظهورهم. فقد كانت الأحداث المتسارعة مفاجئة للمثقفين ولم يجيدوا التعامل معها، ما أدى إلى اختطافها من قبل قوى رجعية. كل هذه الشواهد التاريخية تثبت أن الثقافة والإنتاج الثقافي لم تكن في يوم من الأيام تمثل سلطة، فالحديث عن سلطة الثقافة والمثقف هو حديث نظري. فالمثقف لا يملك من عناصر القوة شيئًا يستطيع بواسطته مجابهة السلطات المهيمنة، وتجربة المثقف مع الجماهير تجربة مريرة، فهو في أغلب الأحوال يجد نفسه مكشوفًا بلا سند جماهيري، لأن الجماهير لم تصل للوعي المطلوب لفهم خطابه وتبنيه، وانصرفت عنه لأتباع الخطاب السياسي الديماغوجي وأتباع الخطاب الديني .
ما نشاهده في الواقع الثقافي أن مواقف المثقفين وآراءهم مائعة وهم جوعى لم يحصلوا على فتات السلطة، ولم يتعرضوا أيضًا لتهديدها، الذي يمكن أن يتجنبوه بالكتابة الرمزية.
الرؤية الغائمة
القاص سمير البرقاوي
قد يظن البعض أن سبب ميوعة دور المثقف هو طمعه بجزرة السلطة (المنصب، الثروة، الشهرة)، وهربًا من عصاها (السجن، التعذيب، التجويع، التهميش)، ولكن أرى، أن السبب الحقيقي يكمن في عدم وضوح الرؤية لديه، لهذا نرى الكثير منهم، يقف بصلابة أمام قضية ما أو طاغية ما، ويصفق لموقف شبيه أو لطاغية آخر أشد طغيانًا، وهذا ناتج حتمًا من أن انحيازاته لا تنبع من قواعد فكرية ثابتة ومتينة تسمح له بتبني آراء موحدة. لا ألغي، حتمًا، دور العصا والجزرة، ولكن ما نشاهده في الواقع الثقافي أن مواقفهم وآراءهم مائعة وهم جوعى لم يحصلوا على فتات السلطة، ولم يتعرضوا أيضًا لتهديدها، الذي يمكن أن يتجنبوه بالكتابة الرمزية أو التحدث بالعموم، بدون تحديد مسميات، إن أكثرهم حتى لم يصمتوا بل أخذوا بكتابة المقالات والقصائد في مديح الطغاة، حتى بدون أن يطلب منهم ذلك.
وليت الأمر اقتصر على مواقفهم المميعة بالنسبة للطغيان ومنهجه، بل بات البعض منهم، يتحدث بلسان أعداء الأمة والكيان الإسرائيلي المحتل. إن ما يحدث مع المثقفين أمام هذا الواقع العربي، هو كمن وجد نفسه ضائعًا في منطقة لا يعرفها، ولا علامات يراها ليستدل على طريقه بواسطتها، وليس لديه بوصلة. باختصار المثقف العربي يتحرك في أرض غريبة عليه ولا يملك بوصلته.
المثقف العربي راجمة شعارات وأشعار
الأكاديمي غسان عبدالخالق
قد يبدو هذا التساؤل عابرًا، لكنه يمثل حجر الزاوية بخصوص معاينة معضلة «سيولة دور المثقف العربي ورخاوة موقفه» على كل الصعد؛ فعلى امتداد 35 عاما من الانخراط التام في المشهد الثقافي، ومن واقع خبرة أزعم أنها عميقة، يؤسفني أن أقول بأن المسؤول الأول عن هذه الكوميديا السوداء هو المثقف العربي نفسه؛ فهو قابل للاحتواء والتطويع والتدجين بأبخس الأثمان، وفي المرات القليلة التي قيض له خلالها أن يشارك في صناعة القرار فجع الجميع بأدائه وحساباته الصغيرة إلى درجة جعلت كثيرًا من السياسيين يستلقون على ظهورهم من الضحك، ولسان حالهم يقول: هل هذا هو البعبع الذي كنا نتحسس رؤوسنا ليل نهار بسببه؟ المثقف العربي راجمة شعارات وأشعار في المقام الأول، وليس منتجًا للأفكار والمواقف، وإن قيض له أن يصبح مسؤولًا، تقمص على الفور شخصية نقيضه الذي طالما ادعى أنه يناضل ضده، وأعني به رجل السلطة؛ فتراه يبدع في اضطهاد زملائه وإقصائهم وتهميشهم، بل يتطوع لتفريغ الثقافة من مضمونها الحقيقي، ويستبسل في التنظير لتسليع الثقافة وفقًا لنظرية السوق، وإذا به – بين ليلة وضحاها – من أشد المناصرين للثقافة بوصفها أسواقا ومهرجانات ومعارض! ومن أكبر أنصار مقولة سيجموند باومان «اشتر استهلك إرم»! إلى درجة التفاني في ترويج كل ضروب الرداءة فنيًا وأدبيًا وفكريًا، بدلًا من العمل على ترويج الفن الرفيع والأدب الرفيع والفكر الرفيع.
إن الســـياسي العربـــي أدرك منذ عقود حدود هذا المثقف، ولم يعد قلقًا بخصوص شطحاته؛ هذا المثقف العاطفي النزق الأناني المتعطـــش للســلطة والأضواء، وغير المؤهل لاحتمال استحقاقات أي دور أو موقف، وطني أو قومي أو إنساني، يمكن أن يكون مرشحًا للاضطـــلاع به. ودليلي على كل ما ذكرت تلك التجارب المفجعة للعديد من المثقفين العرب البارزين الذين تسنموا مواقع سياسية متقدمة، فكانوا خير تجسيد لذلك المنبت؛ فلا أرضًا قطع ولا ظهرُا أبقى !
وبات المثقف يفبرك موقفه ويلوي عنق أفكاره حسب توجهات رأس المال، وحسب مصالحه الفردية، وإن غلف ذلك غالبًا بشعارات رنانة سرعان ما تجده يشتغل على نقضها.
سيطرة رأس المال على المشهد الثقافي
الروائية نبيهه عبد الرازق
إن ارتباك الوضع العربي بعموميته، ورسملة الثقافي، وسيطرة رأس المال بتوجهاته المختلفة على المشهد الثقافي، خلق ميوعة حقيقية في موقف المثقف العربي عمومًا، وهذا لا ينفي تمسك البعض على ندرته بمواقف أصيلة جذرية ومتوازنة. ويجب أن لا نتناسى أن تراجع حركات التحرر العربية وانهيار مشاريعها التي نادت بها، أو تعثر إنجازها، خلق شرائح طفيلية من المثقفين، لا هم لهم إلا الارتزاق، وبات كل منهم يفتش عن مساره الخاص بخلاصه الفردي، وحين يغادر المثقف دوره كمثقف مشتبك فلن يبقى منه شيء سوى القدرة الاحتيالية على فبركة المواقف بعيدًا عن أي جذرية حقيقية في هذه المواقف.
إن المراقب للمشهد الثقافي العربي غالبًا ما سيخلص إلى نتيجة مفادها سيطرة رأس المال على المشهد الثقافي، ويكفيك أن تتتبع حركة معظم الجوائز العربية التي باتت تخلق نمطًا استهلاكيًا من الإبداع يدعم الدور المائع والأرجوزي للمثقف العربي.
لقد غادر المثقف العربي موقعه الحقيقي الذي نادى به في ثمانينيات القرن الماضي وقبلها، من حيث تبعية الثقافي للسياسي، وبات المثقف يفبرك موقفه ويلوي عنق أفكاره حسب توجهات رأس المال، وحسب مصالحه الفردية، وإن غلف ذلك غالبًا بشعارات رنانة سرعان ما تجده يشتغل على نقضها.
مواقف سائلة ومعرفة طارئة
الأكاديمي يوسف ربابعة
إن ميوعة موقف المثقف العربي لها جانبان، جانب ذاتي، وجانب اجتماعي، أما الجانب الذاتي فهو من صميم تكوين المثقف نفسه، فالمعرفة لديه ليست جزءًا من تكوينه، بل هي مقولات ومحفوظات يرددها، بدون أن يكون لها أي أثر في التعبير عن مواقفه تجاه القضايا الإنسانية، فقد يتحدث عن الحرية والعدالة، لكن هذه المفاهيم لا تظهر في ممارساته وسلوكه، إذ لا يعدو كونه آلة تسجيل يمر فيها الكلام بدون أن تتأثر به، ومن هنا يظهر بلا موقف، أو يظهر بموقف سائل لا يعبر عن حقيقة المعرفة التي يرددها.
إن التكوين المعرفي حين يكون مندمجًا مع الذات يؤدي إلى الانسجام بين النظرية والسلوك، وحين تكون المعرفة طارئة خارجة عن التكوين الذاتي تؤدي إلى عدم القدرة على اتخاذ القرار في الوقت الذي يتطلب اتخاذ موقف صلب. أما الجانب الاجتماعي فأقصد به العوامل المؤثرة التي تشكل المثقف من جانب السلطة وجانب الناس، فالسلطة في الدول العربية تهمش الثقافة باعتبارها حالة ترفية قد نستغني عنها في أي وقت، وواجب المثقف هو تزيين هذه السلطة، وأحد المعالم التي قد يزورها السائحون ونتباهى بها أمام الآخرين، فالمثقف زينة غير ضارة يمكن استخدامه في الوقت المناسب، وبما أنه لا يعبر عن ذاته وتكوينه المعرفي أساسًا فمن السهل تغيير موقفه بالمال والسلطة.
أما المجتمع فلا يعنيه من أمر المثقف إلا ما يحقق له بعض المصالح على مستوى فردي، لأن التعليم في المجتمعات العربية لا يعدو كونه محفوظات يتلقاها الطالب ويفرغها في الوقت المناسب، وحين يكون التعليم مسطحًا لا يكون للثقافة أي معنى.