المثقف ونشيده البليد

حجم الخط
0

نائل بلعاويحين تذهب هذه الانظمة المتوحشة، تباعا، الى جحيمها المنتظر، وتبدا الحياة العربية، عندها، باسترداد نفسها.. جوهرها الكوني.. ، وحياكة غدها بابرة الحرية الاسرة. سيكتشف المثقف، حينها، فداحة ما خسر، سيعرف ان الربيع العربي قد مر، مرور الخريف، من امامه، دون ان يمنحه وردة او فكرة. قمن يزرع يحصد، ومن يُسقي الاشجار يعليها ويقطف من ثمارها. ومن يقف، الان، على قارعة الطريق وينتظر، بحيادية مريبة، ما ستؤول اليه الامور، لن يقطف ثمرة واحدة… لن يدخل به الربيع الى صيفه وشموسه القادمة. بل سيقذفه الخريف الى برودة الشتاء ومرارة ليله… حيث لا شيء، الا العزلة هناك، وصرامة اللا جدوى.

حين ينتصر السوري على جلاده، غدا، سيخسر المثقف. لا لانه النقيض لذلك النصر المنتظر، وليس نتيجة لتحالف البعض من الكتبة مع الجلاد.. فتلك مجموعة لا تمثل، في نهاية المطاف، غير نفسها، حيث انحدار المعنى هو الدليل.. وابتذال الصفات هو الهدف. وحيث اللا ثقافة: بدعة الانظمة القائمة، هي الثقافة، وحدها، وهي النتاج المريب، الوحيد، لفكرة الحط الاثيرة، شرقية اللون واللسان، من كل شيءٍ صائبٍ وجميل.

سيخسر المثقف..(المثقف، وليس كاتب ديوان السلطة)، كنتيجة حتمية لتراجعه، خطوات وخطوات، عن المشاركة الفعلية في تعبيد الطريق الى النصر، والوقوف الغامض، موقف المتفرج الحيادي حينا، او الناقد، بخجل وحذر، احيانا اخرى، في وقت يسقط فيه السوري دفاعا عن حقه المقدس في الحياة والنجاة من عسف اشرارها، وهو الدفاع الذي يجدر بالمثقف ان يدرك معناه وقدرته على استعادة ما فاته، هو المثقف تحديدا، وما خسرته الثقافة العربية برمتها عبر تاريخها الطويل من الابتذال.

يسقط السوري الان دفاعا عن الحياة بأقصى معانيها. عن حريته المطلقة بالعيش كما يشاء.. تحت سقفه الذي يختاره ويرفعه، وليس سقف الحزب الفاشي وتعاليم الطغاة. يسقط السوري دفاعا عن الهواء والماء والغذاء والقصيدة والرواية وفنون بيع الخضار والقماش في اسواق البلاد. عن كل ما هو انساني بعبارة اخرى، ذلك الذي يجتمع، ليشكل معا، نواة اولى لكل ما هو ثقافي… كل، ما نتفق، على انه المحرك الفعلي لعجلة انتاج الثقافة وتجلياتها المبدعة برمتها، فمن على هذا الكوكب، وحده، تمتص الثقافة افقها واسبابها، وليس عبر كواكب بعيدة اخرى. هنا الحياة بكامل فوضاها، بجمال دروبها وقباحة بعضها، وما على المثقف الا ان يكون هنا: في قلب الحياة تماما.. الى جانب الجميل من دروبها، وضد ذاك القبيح منها. ذاك القبيح الذي مثلته، وتمثله انظمة الشر العربية الذاهبة اليوم، او غدا، الى الجحيم.

يخسر المثقف الان، وسيخسر اكثر في القادم من الايام والمحن، فالذاكرة الجمعية للشعوب تحفظ، عادة، ما يشكلها من تجارب ومواجع، قد تغفر او تتناسى، ولكنها لا تنسى، فالوقائع الان اكبر من ان تٌمحى وتُنسى، انها اللحظات المفصلية التي، قليلا، ما تمر بها الامم، وغالبا، ما تعمل على اقتناص جدواها واشاراتها العميقة، وها هي الان، عبر هذا الثمن الباهظ من الدماء والعذاب، تقتنص اللحظة العظيمة في سورية وتعلي من شأنها، في وقت يدفن فيه المثقف رأسه في الرمل وينتظر، او ينظر، في احسن الاحوال واقساها ايضا، لباقة غريبة ومريبة من الافكار التي تبدأ بالتحذير من ـ مؤامرة ـ شيطانية ما، تسعى للاطاحة بروائع الجنان السورية. ولا تنتهي عند تكرار النشيد البليد عن ـ المقاومة ـ والممناعة. فقد ذهب المثقف لمسافة ابعد من نظامه الوحشي، حين اعاد، ويعيد الان، انتاج الفزاعة العربية الرسمية التي ترى في الانظمة القائمة، حصنا منيعا، يسد الطريق على مشروع الدولة الاسلامية المتطرفة وشرورها المنتظرة.

لا تساجل هذه الكلمات القليلة حول اهمية التحذير من مخاطر تلك الدولة الدينية، بل تدعو، في حالة قيامها، المستبعد اصلا، الى مقاومتها ايضا، فلم تندفع الشعوب العربية في ربيعها البديع هذا، الى شوارع مدنها وساحاتها، من اجل استبدال القبيح بالقبيح، بل لاجل الاطاحة الشاملة بحالة القبح الاثيرة، وبصرف النظر عن ابعادها الثقافية او الدينية.. تلك الابعاد / الاعمدة، التي قامت عليها، وازدهرت تحت ظلها: فلسفة الحكم العربية منذ عرفناها في قصور الدولتين: الاموية والعباسية، الى لحظة الاكتواء بنارها، الموقدة الان، في قصور هؤلاء القتلة. فلسفة الحكم البغيضة تلك، وما انتجته من مسوخ ثقافية واخرى دينية، هي المستهدفة الان، وهي التي وضعتها الشعوب، عبر حراكها البهي هذا، هدفا للزوال والتلاشي الكلي. وما على المثقف سوى التقاط المعنى الفعلي.. جوهر هذا الحراك، وليس التباكي السطحي على علمانية لم نعرفها يوما لنخشى عليها، ولا على دولة مدنية، لم تقم يوما، على امتداد الجغرافيا العربية، كي نتجند دفاعا عنها. فالعكس هو الصحيح تماما، اذ يقود الحراك الان.. عليه ان يقود، الى قيام الدولة المدنية المنشودة صاحبة السقف الاعلى للحريات والقوانين، علمانية العمق، فهناك، فقط، يكون المثقف ملزما بهذ العويل، ملزما بتوظيف ادواته للدفاع عما يستحق، وليس الان.. ليس الان ابدا، فما زلنا نعيش في عصر ما قبل الدولة، ما قبل الظروف الطبيعية للعيش الادمي الكريم، وها هي فرصة الانتقال التاريخية، من عصر ما قبل الدولة الى الدولة، تلوح عبر هذا الربيع الجميل، وها هو المثقف، المعتاد على الفشل، يفشل مرة اخرى واخرى في اقتناص الفرصة السانحة، دافنا راسه في رمل السلطة، بلا وازع اخلاقي، وبلا قدرة تذكر على ادراك التراتبية، الصارمة احيانا، للتحولات الاجتماعية الكبرى التي تنطلق، اولا، من ازاحة هذه الانظمة من الطريق، لتشرع، تاليا، بترتيب ابجدياتها، فالبناء لا يبدأ من السقف، بل من الاسفل، من باطن الارض، ونحن هناك الان، في ذلك الاسفل البعيد، حيث تُدك الاسس وتوضع المقدمات.

يخسر المثقف، اليوم وغدا، حين لا يوظف ما لديه من طاقة وادوات للمشاركة في هذا الحراك الكبير، حين لا يقف بوضوح تام في قلب الحراك وليس خارجه.. ضد هذي الانظمة، وليس معها او الى جانبها، وليس محايدا ايضا، فالحياد يحسب عادة لصالح تلك الانظمة وليس ضدها.. لان لا حيادية ممكنة تجاه الضحية والجلاد، فاما الوقوف الفعلي الى جانب الضحية، واما الانحدار الى فضيحة الجلاد. اما الاحتفاء بريشة علي فرزات وحنجرة ابراهيم القاشوش، وغيرهما من رموز اللحظة السورية العالية هذه، واما التورط في عار اولئك الفائضين عن حاجة الارض: شبيحة النظام واكتشافه الاقبح. واما، مرافقة ذاك (الذاهب الى دمشق) ليبارك للنظام الوحشي صموده ضد الحياة، واما الصعود البديع مع اولئك الصاعدين الى حتفهم باسمين. فلا خيار ثالث امام المثقف، ولا يفترض ان يكون، فاما، اخيرا وليس اخرا، التقدم بالثقافة العربية خطوة نحو الامام، الى بر امانها الانساني المفقود، واما مواصلة المكوث الكارثي في حضن الفشل.

فيينا 2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية