المجابهة الروسية مع الغرب: بين سيناريوهات الحوار والحرب

فالح الحمراني
حجم الخط
0

دخلت المواجهة الروسية مع الغرب طورا جديدا نتيجة جولات المباحثات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة ومع حلف الناتو ومنظمة الأمن الأوروبي، وحصول موسكو على الرد الأمريكي-الأطلسي بصيغة مكتوبة على مطالبها بتوفير ضمانات موَثقة لأمنها الوطني، علاوة على ظهور مؤشرات على محاولات توسيع المجابهة بين روسيا والغرب، بجر مراكز إقليمية جديدة بما في ذلك الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية لها. وثمة مؤشرات على ان المجابهة ستتخذ منحى جديدا يعتمد الدبلوماسية، والمجابهة الساخنة في القضايا الخلافية الحساسة للأطراف، وتترك تداعياتها على هيكلة النظام الدولي وتوجهاته المستقبلية.

رد غير مقبول

وكانت الولايات المتحدة قد سلمت الأربعاء الماضي وزارة الخارجية الروسية ردا مكتوبا على اقتراحاتها الرامية لتوفير ضمانات لأمنها الوطني. وحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فإن الرد المكتوب يشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها مستعدون للتفاوض بشأن اعتماد قواعد مشتركة تحد من حجم ومكان المناورات العسكرية كي لا يتم النظر إلى أي تحرك عسكري على أنه تحضير لهجوم محتمل. ويمهد رد الولايات المتحدة على المقترحات الأمنية الروسية حسب المصادر الغربية، الطريق لإجراء مفاوضات بشأن القيود المفروضة على الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى في أوروبا. ووفقًا لها فقد جاء في الرد المكتوب لروسيا أن الولايات المتحدة عازمة على مناقشة القواعد المشتركة للحد من انتشار الأسلحة النووية. في الوقت نفسه، ينص الرد بوضوح على أن ليس لروسيا الحق باستخدام حق النقض «الفيتو» على نشر الأسلحة النووية، أو القوات أو الأسلحة التقليدية وان باب حلف الناتو سيبقى مفتوحا أمام الدول التي ترغب الانضمام له.
ونشرت وزارة الخارجية الروسية في 17 كانون الأول/ديسمبر 2021 مسودة اتفاقيات روسية بشأن الضمانات الأمنية التي تنتظرها موسكو من واشنطن وحلف شمال الأطلسي. وتطلب موسكو من بين أمور أخرى وقف توسيع الناتو إلى الشرق، بما في ذلك رفض انضمام أوكرانيا إليه، فضلاً عن فرض قيود على نشر الأسلحة، ولا سيما النووية.
وفي أول رد فعل رسمي قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يوم الخميس، إن ردود الولايات المتحدة على الضمانات الأمنية لا تحتوي على رد فعل إيجابي على القضية الرئيسية المتمثلة في عدم توسع الناتو. وقال «القضية الأساسية هي موقفنا الواضح من عدم جواز توسيع الناتو شرقا، وعدم نشر أسلحة ضاربة قد تهدد أراضي روسيا». في الوقت نفسه، وفقا للافروف، فإن رد فعل واشنطن يسمح لنا بالاعتماد على بداية محادثة جادة، ولكن على مواضيع ثانوية. وأعرب عن ثقته في أن الرأي العام سيتعرف على مضمون الرد الأمني الأمريكي قريبًا. «أعتقد أن محتوى الرد سيصبح معروفًا لعامة الناس في المستقبل القريب جداً. وكما أخبرنا زملاؤنا الأمريكيون (على الرغم من أنهم يفضلون ترك الوثيقة لحوار دبلوماسي سري) فقد تم الاتفاق بشأن الرد مع كل حلفاء الولايات المتحدة وأوكرانيا». وشدد لافروف على أن روسيا ستركز على شرح ما وصفه بالموقف «المخاتل» للغرب بشأن استحالة ضمان عدم توسع الناتو. وعلق نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الاتحاد فلاديمير جباروف على رد واشنطن، بقوله إن مثل هذا الرد لا يمكن أن يرضي موسكو. وأضاف: «لقد وضعوا كل شيء معا: أوهامهم، وادعاءاتهم». قائلا إننا «لن نقبل بمثل هذا الجواب». وكما يعتقد جباروف فإن الرد الأمريكي يوحي بأن واشنطن تتجه نحو مواجهة مباشرة وبدء مواجهة عالمية.

تحريض أوكرانيا

ويرى العديد من المراقبين أن الناتو لم يستجب أيضا للمطالبة الروسية بنقل بنيته التحتية العسكرية بعيدا عن حدود روسيا، وعلى حد تقديراتهم ان الأطلسي على العكس من ذلك شرع بنقل المزيد من الهياكل العسكرية بالقرب من حدود روسيا. وتفترض موسكو ان الغرب، من خلال تكثيف إمداداته من الأسلحة والمستشارين العسكريين، لأوكرانيا، فإنه يحرض كييف على القيام باستفزاز عسكري ضد روسيا. ولم يستجب الغرب لمطالبة موسكو بوقف تكثيف حضوره العسكري في أوكرانيا، وحسب المصادر الروسية فقد بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف شمال الأطلسي، على العكس من ذلك، بتزويد كييف بكثافة بأسلحة متطورة. ويقول المراقب العسكري فلاديمير يفسييف: إن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يحاولون إقناع أنفسهم بحتمية غزو القوات الروسية لأوكرانيا في شباط/فبراير من هذا العام». مشيراً بذلك إلى قرارات واشنطن ولندن وبروكسل بتقليص موظفي سفاراتهم في كييف بشكل كبير، وتعزيز الوجود العسكري لحلف الناتو في بلغاريا وليتوانيا ورومانيا. علاوة على ذلك، أُمرت عائلات الدبلوماسيين الأمريكيين بمغادرة أوكرانيا. وأوصت الخارجية الأمريكية مواطنيها بمغادرة هذا البلد وعدم زيارة روسيا. ووصف رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي رحيل موظفي البعثات الدبلوماسية لبعض البلدان بأنه «لعبة دبلوماسية معقدة».
وافترض يفسييف أن لدى أمريكا مصادر موثوقة للحصول على المعلومات التي تؤكد عدم وجود خطط روسية لشن هجمات على أوكرانيا، كذلك لم تطرح الحملة الإعلامية التي أطلقها الغرب حول «غزو» روسيا لأوكرانيا مواد موثقة بشكل ما يؤكد صحة الزعم. وذهب إلى ان الحملة تنحصر في حاجة واشنطن لوجود عدو خارجي في شخص موسكو يسمح للأمريكيين لغرض تقوية الحلف، الذي شارك منذ 1999 في الحروب فقط كـ «تحالف الراغبين» وضعفه كذلك بسبب تفاقم الاختلافات داخل الناتو. كما تسمح الحملة لواشنطن باتخاذ مواقف أشد من موسكو عندما تفشل العقوبات الصارمة ضد روسيا في تحقيق أهدافها.
وترى مراكز التحليل السياسي أنه وكجزء من هذه السياسة، تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها، وخاصة بريطانيا وتركيا، بتزويد أوكرانيا بالأسلحة الحديثة. وعلى وجه الخصوص، تقوم لندن بتنفيذ مشروع لبناء ثمانية زوارق حاملة للصواريخ للقوات المسلحة الأوكرانية. ووضع الأساس لذلك بالتوقيع في تموز/يوليو 2020 على اتفاقية لدعم تطوير القوات البحرية لأوكرانيا. ثم أفادت الأنباء أن المملكة المتحدة ستمول بناء قاعدة بحرية في أوتشاكوفو، وتوريد ثمانية زوارق حاملة صواريخ. ووفقا للمصادر الروسية فقد قامت طائرات النقل البريطانية في الآونة الأخيرة بست رحلات على الأقل إلى أوكرانيا، وسلمت حوالي 460 طناً من الأسلحة، بما في ذلك عدد كبير من أنظمة الصواريخ المضادة للدبابات NLAW «ATGMs» وربما صواريخ Brimstone جو – أرض. وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد من هذه الطائرات حوالي 100 ألف جنيه إسترليني، وهو أمر مرهق للغاية بالنسبة للميزانية الأوكرانية. من المحتمل أن تكون فعالية استخدامها القتالية منخفضة بسبب الامكانات المحدودة للغاية لسلاح الجو الوطني.
وضمن هذا السياق اتهم لافروف الولايات المتحدة بتحريض أوكرانيا على القيام باستفزازات ضد روسيا ووفقا له: أن واشنطن تدفع كييف للقيام باستفزازات مباشرة ضد موسكو. وحسب الوزير، عمدت الولايات المتحدة مؤخرا، إلى جانب حلفائها الأوروبيين، إلى زيادة ضغطها العسكري والسياسي على روسيا ومضاعفة جهودها لاحتوائها. وقال لافروف: «يكفي النظر إلى إجراء مناورات عسكرية بالقرب من حدودنا على انه تحرك استفزازي، ودفع نظام كييف إلى فلك الناتو، وتزويده بأسلحة فتاكة، ودفعه إلى القيام باستفزازات مباشرة ضد روسيا الاتحادية».
وترى موسكو ان تخفيف التصعيد ممكن في حال تنفيذ كييف بنود معاهدة مينسك لعام 2015 التي كانت بمثابة خطة طريق لتسوية النزاع في شرق أوكرانيا، والحصول على ضمانات أكيدة بعدم ضم أوكرانيا أو أعضاء جدد إلى حلف الناتو. وهناك رأي في كييف يرى ان موسكو تهدف من خلال تحشيد قواتها إلى زعزعة الوضع في الجمهورية السوفييتية سابقا، وتهيئة الأجواء لتنصيب رئيس موال لها لقيادة البلاد.

سيناريو الحرب

خلال ذلك تشير الدلائل إلى انحسار سيناريو الحرب. وضمن هذا السياق أكد لافروف: «روسيا لا تريد الحرب لكنها لن تسمح بتجاهل مصالحها» وقال الجمعة، في حديث على الهواء من أربع محطات إذاعية روسية ردا على سؤال عما إذا كانت ستندلع حرب: «إذا كان الأمر يعتمد على روسيا الاتحادية، فلن تكون هناك حرب». وفي الوقت نفسه، حذر من أن روسيا لن تسمح للغرب «بمهاجمة مصالحها بوقاحة». وقال أليكسي زايتسيف ، نائب مدير إدارة الإعلام والصحافة بوزارة الخارجية، إن روسيا لن تسول لنفسها حتى بفكرة الحرب مع أوكرانيا. وأشار إلى تصريحات وزير الأمن القومي ومجلس الدفاع الأوكراني أوليكسي دانيلوف عن أن كييف لا ترى أي سبب «للغزو» الروسي لأوكرانيا، وهو ما يتحدث عنه الغرب. وأشار الدبلوماسي إلى أن وزير دفاع أوكرانيا أليكسي ريزنيكوف يتفق معه. وحسب قراءة كونستانتين ريمتشوكوف، رئيس تحرير صحيفة «نيزافيسمايا غازيتا» فإن الحرب بين روسيا والغرب، غير ممكنة. وإن روسيا ستبتعد تدريجياً عن الغرب نحو التحالفات مع دول كالصين وتركيا وإيران وغيرها. من جهته فإن الغرب لا يملك الموارد والرغبة في الحرب، إضافة إلى غياب موقف داخلي موحد في الاتحاد الأوروبي من الحرب.
وشحن الغرب خطابه في الآونة الأخيرة بتهديد روسيا بفرض عقوبات اقتصادية مميتة، وعلى شخصيات روسية رفيعة المستوى بما في ذلك على الرئيس فلاديمير بوتين. وضمن هذا السياق أعلن الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن عن احتمال «فرض عقوبات شخصية حتى على الرئيس فلاديمير بوتين» في حال دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا. ويرى مراقبون أن مثل هذه العقوبات لن تؤثر على الرئيس بوتين، حيث لا توجد لديه أصول في الخارج، بل ستعزز مواقعه الداخلية، ولكن وضع بوتين على قدم المساواة مع قادة كوريا الديمقراطية وإيران وبيلاروسيا قد تكون له آثار على صورته السياسية. وقال الكرملين إن مثل هذه الخطوات ستسبب في انهيار العلاقات بين موسكو وواشنطن.
وعلى خلفية ذلك تجري محاولات من قبل الأطراف لتوسيع دائرة المجابهة دوليا. ووفقا لصحيفة «الأزفيستيا» فإن واشنطن سعت في الأسابيع الأخيرة لإقناع حلفائها في الشرق الأوسط بضرورة اتخاذ موقف أكثر صرامة إزاء السياسة الروسية تجاه أوكرانيا. وكان وزير الخارجية أنطوني بلينكن قد أجرى مباحثات مع نظرائه من البلدان الأخرى الذين وفقا لواشنطن، يمكن أن يكون لهم رأي في سياق الوضع حول الجمهورية السوفيتيية السابقة. وكانت الفكرة المهيمنة في الاتصالات هي «الحاجة إلى رد حاسم وموحد». كما قام الجانب الأمريكي بمحاولات لاستخدام القنوات الدبلوماسية مع إسرائيل. وجرت محادثة بين بلينكن ووزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد في الأسبوع الأول من هذا العام. وكانت الأزمة الأوكرانية على جدول أعمالها. ومع ذلك وعلى الرغم من الجهود الأمريكية للتأثير على موقف حليفها في الشرق الأوسط ، فإن لدى إسرائيل اعتباراتها الخاصة فيما يتعلق بروسيا.
كما جرت محاولات مماثلة مع أنقرة التي تتعاون بنشاط مع كييف في مجال التعاون العسكري التقني. وأجرى مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان محادثة هاتفية مع المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين الأسبوع الماضي لمناقشة عدد من القضايا العالمية الحالية، بما في ذلك الأزمة الأوكرانية. لكن في أنقرة، على الأرجح، جددت تصريحات الرئيس رجب طيب اردوغان حول استعداد الجمهورية لتقديم مساعدات وساطة في توتر العلاقات بين موسكو والعواصم الغربية. فيما أجرى الرئيس بوتين اتصالات هاتفية مع الرئيسين الكوبي والفنزويلي لتأكيد العلاقات التحالفية بالبلدين اللذين يتعرضان أيضا لعقوبات أمريكية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية