قراءة في ‘حبَّاتِ التُّوتِ’ .. شهداء الثورة المصرية أحمد الصغيرصدرعن دار صفصافة للنشر ( القاهرة ـــ2012) ‘حبَّات التوت’ وهي المجموعة القصصية الثالثة للكاتب المصري عادل العجيمي، اتكأ الكاتب في هذه القصص علي بعض البنيات السردية المهمة الأكثر بروزا في القصة العربية بنية الزمن، المفارقة، والمشهدية. وجاءت الأفكار التي احتفت بها المجموعة متفاوتة ومخاتلة في الوقت نفسه، فقد احتفت بفلسفة الشخصيات داخل المجموعة،ومناقشة أفكارهم التي تخطر ببالهم، وكأننا أمام شخصيات نخبوية ليست منتمية الى الشخصيات المهمشة التي احتفى بعض كتاب جيل الستينيات من قبل في أدبنا العربي، وقبل الولوج في عالم القصص ينبغي أن نشير الى العتبة الأولى في النصوص وهي العنوان /المؤشر الدلالي الذي يأخذنا الى عالم المجموعة من الداخل، ويمكن أن نسأل أنفسنا مجموعة من الأسئلة، لماذا حبات التوت؟ ولماذا لم يقل شجرة التوت؟ أظن أن الكاتب أراد أن يعطي للحبات طابعا خاصا، وهي أشهى ما في شجرة التوت والتوت هنا يرمز للحرية والحب والانتماء الحقيقي للأرض التي ولدنا عليها وفيها انها أرضنا العربية ويأتي بعد العنوان الإهداء الذي ارتكز على تقنية مباشرة موجها الى مصر الوطن والى شهداء التوت والحرية في ميدان التحرير فيقول: ‘الى شجرة التوت الكبري مصر الى التوت الذي تدلي منها فتذوقناه وانتشينا ورفرفنا في فضاءات الحرية الى أصدقائي ثوار يناير الى عبير الشهداء الذي ينتشر في كل مكان ‘صحيح أن هذه المجموعة صدرت بعد ثورة 25 يناير 2011، إلا إنها كتبت قبل الثورة بكثير إلا أن أوان ظهورها كان مع بزوغ الثورة المقدسة المصرية العظيمة وشبابها المناضل ثورة الخامس والعشرين من يناير، هذا كله جعل القاص عادل العجيمي يهدي قطعة من كيانه الأدبي لمصر وشهدائها، وحبّات التوت هنا رمز للشهداء المصريين الذي قتلوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير على أيدي الأنظمة الفاسدة. جاءت هذه المجموعة في اثنتين وأربعين قصة قصيرة جدا كما أراد الكاتب نفسه أن يسميها أو فيما عرف في النقد الأوروبي short story ومن ثم فقد نلاحظ الإيجاز الشديد الذي اعتمد عليه العجيمي في بنائه اللغوي داخل المجموعة مما جعلنا ندرك أثناء الفعل القرائي الأول أن جميع القصص اعتمدت على لغة ذات مستويات متعددة، ويجمع بينها الايجاز حسبما تقتضي حالة الكتابة لدى المؤلف، فنلاحظ ذلك جليا في القصة الأولى داخل المجموعة التي جاءت بعنوان ‘وحدة’ يقول: ‘رأت نفسها لأول مرة عارية تماما … أعجبها جسدها … أغلقت عينيها .. راحت تحلم .. غرقت في أحلامها .. لم تر إلا صورتها العارية وقد نبتت أشواك مدببة غطت جسدها وانتشرت بصورة مفزعة في مناطق عدة، فتحت عينيها .. وجدت نفسها وحيدة منزوية في ركن بعيد لا يقترب منها أحد فراحت تنتزع الأشواك شوكة شوكة، بصعوبة شديدة …..’ بهذا الفراغ الذي أصر عليه المؤلف تنتهي القصة ونصبح أمام نص ملغز غامض يحتاج الى عناء القارئ والمتلقي في آن واحد، في ظني أن الذي كان سببا في عملية الغموض مجموعة من الآليات الفنية التي ارتكز عليها العجيمي وهي اعتماده المكثف على الجمل الفعلية القصيرة جدا أيضا، ومن ثم جاء النص حاملا مجموعة من المشاهد القصصية المتمردة داخل المتن والشخصية الأنثوية التي لم نعرف سببا واضحا لرؤيتها للعالم، ويمكن القول أن العجيمي كان همه الأكبر في ترسيخ تقنية المشهد الإنساني داخل المجموعة، محاولا بذلك الاتكاء عليه بشكل واسع، فتتجلى عوالم هذه الشخصية من خلال القفزات السينمائية السريعة داخل القصة مما يجعلنا نقرأ القصة مرات عدة دون أن يصيبنا الملل، بل نتجه الى عملية إنتاجية للنص بروح مختلفة عن الحالة التي كتبت عليها، كما نلاحظ أيضا أن هناك علاقة خفية بين القصة الأولى وحدة والقصة الثانية ‘موسيقى’ فيقول علي سبيل المثال: ‘تحسست جسدها ..لم تعرف تفسيرا لما اكتشفته لكنها شعرت براحة غريبة واسترخاء أغرب، ……’ تتجلى العلاقة الخفية في استخدام الفعل الماضي في القصة الأولي’ رأت، الفعل الماضي تحسست في القصة الثانية ‘ وكأننا أمام لوحتين متماستين متوازيتين من ناحية ومتعارضتين من ناحية أخرى، تحقق التوازي الإبداعي / المشهدي في عملية البناء اللغوي والتشكيلي داخل القصتين وتجلى التعارض في بنية العالم داخل الشخصية نفسها، وهذه سمة من سمات البناء الفني في قصص العجيمي بشكل خاص، ومن التقنيات الأخرى لدى العجيمي تقنية الانتقال بالسرد من الخاص الى العام أحيانا ويتحقق العكس في أحايين أخرى، فيقول في قصة بعنوان أغطية: ‘بعد نوم عميق .. تلفت حوله .. لم يجدها ..هب مسرعا ملقيا ما عليه .. تاركا لنفسه كل الحرية لتبحث عنها، عثر عليها أخيرا .. كانت ملقاة عند شريط القطار وقد انشطرت الى نصفين متساويين .. تدثر كل نصف بأغطية تشبه الى حد بعيد بعضها، وقف أمامها خالعا كل ما كان عليه أو ما كان ملتصقا به وحوله أناس يروحون يجيئون دون توقف …’ تبدو القصة الفائتة من القصص التي تحتفي ببنية السرد الداخلي للنص الذي يعتمد على ماهية الشخصية وحركتها دون أن يسبب خروجا لافتا عن السياق الزمني اللحظي الذي تفتق عنه فقدان الكينونة الأبدية التي لا تستطيع الذات الساردة أن تعيش بدونها في هذا العالم المتسلط الأناني الذي لا تهمه قضايا الآخر في أي مكان وزمان، إن التأويل الدلالي لهذه القصة يكمن في عملية اللامبالاة الأبدية التي يعيشها أغلب السائرون نياما على الطرقات لا يبالون بالوطن الذي انشطر الى نصفين، وكأن هذا الوطن لا يمت لهم بأية صلة، وكأنهم أعداء له يفكرون في تغطيته ولملمة أشلائه من الطرقات الموزعة في كل مكان، كما أن هذه القصة تتبنى حسا دراميا عاليا من خلال بينة المشهد الدرامي بين العاشق والمعشوق لحظة الفراق / الموت …. احتفى العجيمي أيضا بالبناء الفلسفي داخل مجموعته وقد أطل علينا في قصص كثيرة، وكأنه يقول انتبهوا إن الفلسفة هي الحياة الحقيقية الرائعة التي يمكن لنا نحن البشر أن نعيش من خلالها ونشكل على طريقتها حياتنا الأولى والأخيرة وقد تحقق ذلك بصورة كبيرة في قصة بعنوان ‘كراهية’ فيقول : ‘ أكره هذه الحياة .. إنها خالية من ال .. لقد نسيت أمورا كثيرة اسمحوا لي أن أنسحب في هدوء لا تزمجروا لن أحدث صوتا أعرف جيدا قوانين الانسحاب ابقوا فقط صاخبين كما كنتم …’قبل الولوج في عالم هذه القصة يلاحظ المتلقي الخاص أنه أمام نص شعري قصير يمتح من رحم الشعر العربي من خلال صوره ومشاهده ومجازاته وكياناته، ومن ثم فإن لغة عادل في هذه القصة تقترب بشكل كبير من لغة الشعر كما ذكرنا آنفا، وهذه اللغة بالطبع لغة ذات خصوصة مائزه ؛ لأنها تقترح موضوعا مهما وبعدا أكثر حدة، وهو البعد الفلسفي أعني فلسفة الذات الساردة في الحياة الخاصة والعامة، ومن ثم فإن الحس الفلسفي الذي طغى علي لغة العجيمي وخيالاته يبدو أنه حس متراكم أيضا وكان قد بزغ بزوغا خفيفا في مجاميعه القصصية السابقة. لاشك أن القصة الفائتة تطرح كيانات الإنسان الذي يعلن بالغياب والرحيل عن هذا العالم الى عالم آخر أكثر نضجا وحرية واحتراما للعقول، لأن هذا العالم الصاخب لايروق للذات التي تجنح الى عالم واسع يقبل تعدد الرؤى الشخصية ومقترحاتها داخل الحياة، كما يبدو أن قصص العجيمي تعتمد على البناء الدلالي المتعدد حيث أنه يميل الى إنتاج عوالم قصصية مختزلة في مشاهد أكثر اتساعا، من خلاله لغة متمردة كالسيل الهادر الذي يكسح كل البرك التقليدية الميتة التي أزكمت الأنوف، بل إن العجيمي كسر حواجز لغوية صارمة وتخفف من صرامة التقليد بحسب قوله، لأن اللغة المجازية أكثر تهيئا وتقبلا لبراكين التجريب القصصي، ومن القصص التي تدل على استشراف الكاتب لثورة الخامس والعشرين من يناير هذه الثورة البيضاء نجد قصة بعنوان ‘وعد’ هذه القصة التي تجنح الى عالم إنساني رحب وأفق أكثر نضجا من السابق، حيث :’ بمنتهى الأبوة احتضنه وعلى خديه دمعة، ناصحا إياه بأن الحياة أفضل .. رفع الابن عينيه .. صارتا في مواجهة عيني أبيه، قرأ فيهما إصرارا وعنادا ينطلقان من قاعدة قوية ..حاول الأب أن يستخرج من بين شفتيه وعدا ولو كاذبا بألا يذهب .. بحسرة وصدق قال الابن : لا أستطيع عاد الأب الى قوته وقال: حاول أن تعود اهتزت في عيني الابن دمعة وقال: أعدك …بقلب مرتجف وعين تملؤها الدموع، رأى على الشاشة بقايا ملابس وإصبعين من أصابعه يرسمان علامة النصر …’تطرح هذه القصة بطريقة مباشرة صادقة عاطفة الحب التي تفجرت في عيني الأب والابن، وكلا هما يخاف على الآخر، وكأن الأب يعلم أن ابنه سيموت شهيدا رافعا يده وملوحا بعلامة النصر، وعلى الرغم من إلحاح الأب تجاه الابن إلا أن الابن أصر على الذهاب الى ميدان التحرير والمشاركة في الثورة المقدسة، وراح الابن شهيدا من أجل حرية مصر وقوتها، الابن هنا هو المؤلف نفسه الذي انتقل من مثقف يجابه الموت على الأوراق البيضاء في عالمه الخاص، الى مثقف عضوي يشارك بنفسه وبروحه في بناء الحرية الحقيقية التي تحتاجها الأوطان والشعوب النبيلة، تخيلت الذات الساردة أنها هي البطل الرئيس لكل الأحداث في القصص، وقد صدق إحساسها وصنيعها، فقد فردت مساحات متعددة داخل السرد القصصي، مما جعلنا نحن أيضا نعيش عوالم متغيرة تارة وموزعة تارة أخرى بين الفلسفي والإنساني والسياسي، والنفسي، والاجتماعي . وقد تجلى الهم السياسي بشكل كبير في قصص العجيمي على الرغم من أنه لم يكن مباشرا بل جاء متخفيا داخل الكلمات فيقول في قصة بعنوان ‘اختيار’: ‘وقف متحيرا .. اليمين أم اليسار؟ أشار عليه البعض باليمين وامتدح آخرون اليسار .. ظل يرسم جداول للمقارنة ودار على الناس يستشيرهم … يد المرحوم والده تضغط على أذنه وصوته يفر من العالم الآخر ويهجم بشراسة …(امش في طريقك عدل يحتار عدوك فيك) ظل سائرا .. وجد حجرة بلا نوافذ يتوسطها سرير متهالك ولكنه يصلح لأداء مهام عدة……….’ يتجلى الحس السياسي بشكل واسع ومسيطر على مجريات الأمور في القصة الفائتة، وجاء ذلك بصورة تقترب من الدراما المتجسدة في صراع الأفكار والانتماءات ما بين اليمين واليسار، وكيف الخلاص من هذا الصراع الذي يمكن أن يقتتل الناس من أجله حول الوصول للسلطة والحكم، على الرغم من أن اليسار له تاريخ مشرف في العملية السياسية المصرية لأنه تبنى أفكار الفقراء ومطالبهم والسعي وراء نهضة الأمة المصرية وتقدمها على أساس مدني متقدم، لا ديني انتهازي يسعى من أجل السلطة فقط، ثم صنع العجيمي مفارقة مغموسة بروح السخرية المريرة عندما استدعى المثل الشعبي (امش عدل يحتار عدوك فيك) وكأن القرويين البسطاء لديهم فلسفة خاصة بالنسبة للحكم في مثل هذه الأمور، عندما يكون الإنسان مستقيما ولا يترك وراءه أخطاء، لن يجد خصومه خطأ ما لكي يضغطون به عليه، ومن ثم فإن هذه المقولة الشعبية تنتصر للفكر اليساري المتقدم الذي يسعى لإقامة دولة مصرية مدنية، لأنه يؤمن بفكر سياسي حر، ويؤمن بقيمة الإنسان وحقوقه المعنوية والمادية، بل يكون أمينا أمام مجتمعه محققا طموحات شعبه، إن العجيمي أراد أن يبث كل هذه القضايا من خلال قصته ‘اختيار’ دون أن يطرح جل هذه القضايا التي تطرقنا إليها، وعليه فإن القاص عادل العجيمي قدم لنا في هذه المجموعة ‘حبات التوت’ مجموعة من الخطابات السردية المتعددة التي تفتق عنها خيوط فكرية متفاوتة، من خلال لغة حياتية تنتمي للواقع مبتعدة عن الأكلشة والزركشة اللفظية، مقتربا من لغة الشعر بشكل كبير، ضاربا عصفورين بحجر واحد، الانتقال بالمجاز من عالم الشعر الى عالم القصة القصيرة جدا كما يحب العجيمي أن يطلق عليها.*ناقد مصري