نبع البطولة، كما يسميه سكان مستوطنة عيلي المجاورة، يوجد داخل أرض فلسطينية خاصة مفلوحة وسط الضفة الغربية. مع ذلك، في عيد الفصح، مثلما هي الحال في أيام عطلة أخرى، كان النبع مليئاً بالإسرائيليين. العائلات تأتي للتنزه والنزول إلى البرك، أزواج شباب كانوا يجلسون ويتحدثون في الزوايا الحميمية حول النبع، وجنديان متعبان كانا يحميان المستحمين. النبع منطقة ساحرة، أحد المواقع الكثيرة المشابهة في أرجاء الضفة. المجلس الإقليمي متيه بنيامين المسؤول عن مستوطنات كثيرة في المنطقة ومنها عيلي، يحافظ عليه بفخر بل وينشر ذلك من خلال لافتة كبيرة ومزينة تحمل اسم المجلس والذي وضعت في مدخل النبع.
ولكن النبع غير موجود في حدود منطقة الصلاحية القانونية للمجلس. وليست لديه أي صلاحية للعمل في المكان. عملياً، كل المجالس الإقليمية الستة في الضفة تعمل ضمن صلاحيات وتستثمر أموالاً في تطوير مئات آلاف الدونمات في الضفة الغربية، التي تعود لفلسطينيين أو تعتبر مناطق تدريب. الاستثمار لا يقتصر على إعادة تأهيل الينابيع أو المواقع السياحية الأخرى التي توجد في المناطق الفلسطينية وفي المناطق المغلقة للجيش، بل وبتوفير البنى التحتية للبؤر الاستيطانية غير القانونية التي توجد في أراضيها ـ رغم أنه ليس لديها أي صلاحية للقيام بذلك.
حقيقة أن المجالس تعمل خارج حدود صلاحياتها القضائية فذلك ليس موضوعاً لفظياً أو تقنياً، إنما هي الوسيلة الأساسية لها لتقديم خدمات بلدية، من التعليم وحتى الشوارع، للبؤر الاستيطانية غير القانونية والمواقع السياحية التي هي مغلقة جميعها أمام الفلسطينيين. حسب تحليل قامت به الجمعية اليسارية «كيرم نبوت» فإنه منذ اتفاقات أوسلو فإن المجالس تعمل على مساحة 2.186.330 دونم في مناطق ج. التي تشكل 40 في المئة من مناطق الضفة، لكن أكثر من 900 ألف دونم من هذه المناطق هي مناطق مغلقة، و285 ألف دونم أخرى هي مناطق خاصة لفلسطينيين.
هذه النشاطات يتم القيام بها بفضل غض النظر من قبل الإدارة المدنية، المسؤولة عن تطبيق الأمر المحدد بشأن المجالس الإقليمية، الذي يحدد وظيفتها. حسب الأمر، «المنطقة التي تحمل اسم المجلس الإقليمي… المحددة والمرسومة في خارطة التي قعها قائد المنطقة لا تشمل مناطق مغلقة وأراضي بملكية خاصة والتي لا تقع في حدود أي مستوطنة». ولكنها تشمل «مناطق وضعت اليد عليها للأغراض العسكرية». في المرحلة الأولى، يدور الحديث عن نظام بسيط ومنطقي: لا يوجد للمجلس الإقليمي أي صلاحية أو مسؤولية في المناطق الخاصة الفلسطينيين أو في المناطق العسكرية المغلقة، بالضبط مثلما لا يوجد لبلدية القدس أي صلاحية أو مسؤولية عن منطقة تل أبيب.
من الفحص الذي أجرته جمعية «كيرم نبوت» يتبين أن هذه المجالس «وضعت اليد» خلافاً للأمر على حوالي 200 ألف دونم في جنوب جبل الخليل وحوالي 800 ألف دونم في منطقة المجلس الإقليمي عرفوت هيردين. حسب حسابات هذه الجمعية، لو أنه تم تطبيق الأمر لكانت مساحة المجالس الإقليمية حوالي 1.149.000 دونم، أي حوالي نصف المساحة التي تسيطر عليها فعلياً.
معارك جغرافية
إعادة تأهيل الينابيع اعتبرت بدرجة كبيرة أيضاً معركة على الأرض. الفلسطينيون تقريباً لا يصلون إلى هذه الينابيع التي يوجد فيها المستوطنون على الأغلب. وكذا الينابيع المحمية. إحدى وكالات الأمم المتحدة التي تعمل في الضفة الغربية، وهي الوكالة المسؤولة عن تنسيق الأمور الإنسانية «اوتشا»، نشرت في العام 2012 تقرير حول هذا الموضوع. «التأثير الإنساني لسيطرة المستوطنين على ينابيع فلسطينية». حسب بيانات الوكالة المستوطنات سيطرت على عشرات الينابيع والكثير منها مغلق فعلياً أمام الفلسطينيين.
حسب استنتاجات التقرير «من أجل الخضوع لمقتضيات القانون الدولي على السلطات الإسرائيلية أن تعيد للفلسطينيين إمكانية الوصول إلى ينابيع المياه التي سيطر عليها المستوطنون، وضمان أمنهم وإجراء تحقيق فعال يفحص حالات العنف وتجاوز الحدود من قبل مستوطنين وتقديم المسؤولين للمحاكمة، وتبني وسائل تمنع جولات مطولة للمستوطنات لتلك الينابيع».
فعلياً، اتساع تأثير مجالس المستوطنين على الينابيع في تزايد.
جمعية إسرائيلية: منذ توقيع «أوسلو» وهي تخطط لضم 40٪ منها
في متيه بنيامين مثلاً حوّل المجلس نبع عين عوز القريب من شيلا وجفعات هرئيل إلى موقع سياحي برعايته رغم أنه لا يوجد له صلاحية لفعل ذلك. في غوش عتصيون تعمل عين سغما (التي تسمى أيضاً عين اسحق) قرب مستوطنة بات عاين، داخل أراض فلسطينية خاصة. في السامرة يمكن إحصاء ينابيع عين المحنه وعين كفير وعين موشيه التي توجد في مناطق فلسطينية خاصة أو في مناطق عسكرية مغلقة ـ التي لا تقع ضمن صلاحيات المجلس الإقليمي. المجالس لا تخفي أي شيء، بالعكس، تقريباً جميعها تدير مواقع انترنت سياحية، وفيها جميعاً الصور متشابهة: برك سباحة، مقاعد وزوايا للجلوس. زيارة إلى الينابيع تظهر أنها تعج بالناس، لكن على الأغلب هذه سياحة داخلية للمستوطنين، والقليل جداً من المستجمين ليسوا متدينين ـ قوميين.
إن التجاهل الكبير لأعضاء البؤر الاستيطانية غير القانونية للأمر، يتم تشجيعه بصورة كبيرة من الإدارة المدنية. في ظل غياب تطبيق القانون، المجالس تعمل في مجالات كثيرة جداً لا تقع في مجال صلاحياتها. لكنهم أضافوا بأنه ليس من صلاحياتهم تطبيق القانون بهذا الشأن. «حدود الصلاحيات القضائية للمجالس الإقليمية لا تشمل مناطق مغلقة (مثل مناطق التدريب) وأراضي بملكية خاصة، وبخصوص الأخيرة باستثناء التي تم وضع اليد عليها لأغراض عسكرية»، جاء من الإدارة المدنية، «حتى لو كانت هذه مشمولة في الحدود المحددة في خرائط مناطق المجلس. السلطات تفحص هذه الحدود ويتم تحديثها وفقاً للظروف. للمجالس الإقليمية صلاحيات للعمل في المجال الواقع تحت صلاحياتها القضائية فقط».
مجالس إقليمية في إسرائيل، داخل الخط الأخضر، مسؤولة عن توفير خدمات بلدية لكل المستوطنات في أراضيها، لكن في الضفة الوضع مختلف: المنطقة بشكل عام تدار من قبل الإدارة المدنية، والمجلس الإقليمي مسؤول فقط عن المستوطنات نفسها. في الضفة، إلى جانب مدن ومجالس محلية، توجد ستة مجالس إقليمية، كل واحد منها يدير عدداً من المستوطنات: المجلس الإقليمي جنوب جبل الخليل يدير مستوطنات في القسم الجنوبي للضفة. المجلس الإقليمي غوش عتصيون يدير منطقة الكتلة الاستيطانية هذه التي تقع في شمال الخليل وجنوب بنيامين. المجلس الإقليمي متيه بنيامين يدير جزءاً كبيراً من أراضي وسط الضفة، والمجلس الإقليمي السامرة (شومرون) يدير شمال الضفة. شرق الضفة مقسم بين مجلسين إقليميين هما مغيلوت الذي يدير الجزء الجنوبي الشرقي في منطقة البحر الميت، وعرفوت هيردين الذي يدير منطقة الغور.
إخفاء الفروقات
السيطرة على الينابيع والمواقع السياحية في أرجاء الضفة ليست نموذجاً غريباً. الحديث يدور عن نموذج يشبه ذلك الذي في إطاره يتم تقديم خدمات للبؤر الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت على أراض خاصة أو مناطق مغلقة. مثلاً، مد مجلس متيه بنيامين سيطرته على البؤرة الاستيطانية غير القانونية عمونه، التي عاشت فيها 40 عائلة. رغم أنها رسمياً أقيمت على أراض فلسطينية خاصة خارج حدودها. المجلس منح البؤرة الاستيطانية بنى تحتية وشوارع ومياهاً وتعليماً وحدائق وما أشبه. في مدخل البؤرة الاستيطانية وضعت لافتة للمجلس. هذا الأمر يسري أيضاً على عدد لا يحصى من البؤر الاستيطانية الأخرى التي تحصل على المساعدة من المجالس الإقليمية.
جهات فلسطينية أكدت أن المساعدة التي تقدمها المجالس للبؤر الاستيطانية والينابيع تخفي في نظرهم تماماً الفروقات المخفية أصلاً بين البناء الرسمي لحكومة إسرائيل وبين إقامة البؤر الاستيطانية. وبين الذين يعيشون في البؤر الاستيطانية غير القانونية وبين من يعملون باسم الحكومة. «إضافة إلى الاعتداء الجسدي والتسبب بأضرار، مزارعون كثيرون يتم منعهم من الوصول إلى الأراضي التي بملكيتهم حول القرية، لأن المستوطنين، بدعم من الجيش، يمنعونهم من الاقتراب من المكان»، قال للصحيفة مازن شحادة، رئيس المجلس المحلي في عوريف عندما سئل هل البؤر الاستيطانية تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
«إدارة الاحتلال التي ولدت وتحافظ خلال خمسة عقود على مشروع الاستيطان المقيت، تعرف كيف تكون دقيقة جداً عندما يكون هذا مناسباً لها»، قال درور ايتكس من «كيرم نبوت»، «ولكن قصة خرائط المجالس الإقليمية الستة الإسرائيلية في الضفة الغربية هي بالضبط عكس ذلك. في هذه الحالة يناسبها بالضبط أن تكون غير دقيقة تماما، حيث إنه خلف الضبابية وعدم الدقة يستطيع المستوطنون السيطرة على مئات آلاف الدونمات».
مدير عام مجلس «يشع»، يغئال دلموني، قال رداً على هذه الادعاءات: «نطلب من حكومة إسرائيل تطبيق السيادة الإسرائيلية على المنطقة بما في ذلك صلاحيات السلطات القضائية مثلما في أي مجلس آخر في البلاد».
بصورة رسمية رفضت خمسة مجالس من بين السنة الإجابة عن أسئلة الصحيفة حول ذلك. المجلس الإقليمي مغيلوت هو المجلس الإقليمي الوحيد الذي أرسل رداً خطياً جاء فيه «المجلس الإقليمي مغيلوت يعمل داخل الحدود المحددة له حسب أمر قائد المنطقة. مغيلوت هو أحد المجالس الإقليمية الوحيدة في البلاد الذي لديه مخطط هيكلي إقليمي من الثمانينيات، وهو يعمل حسبه. من خلال مسؤولية ورؤية تخطيطية بعيدة المدى. إن زخم النمو في منطقة شمال البحر الميت في السنوات الأخيرة، سواء في مجال السياحة أو مجال النمو الديمغرافي، يتم طبقاً للقانون داخل المناطق المسؤولية القضائية للمجلس».
ولكن، وهذا ليس للاقتباس، رؤساء المستوطنات يطرحون رواية أكثر تعقيداً. حسب قولهم، المجالس تعمل خارج أراضيها ـ لكن بدرجة كبيرة يدور الحديث عن وضع الجميع يكسب منه. «إذا لم نقم بتنظيف القمامة عن جانبي الشوارع فلن يقوم أحد بذلك»، قال شخص منهم. بصورة رسمية لا توجد للمجالس صلاحية على الشوارع بين المدن في الضفة، هذا الادعاء صحيح. في نظرهم أيضاً بالنسبة لخدمات أخرى. وحسب رأيهم، ثمة ضرورة لتعليم أولاد البؤر الاستيطانية، هكذا أيضاً مطلوب معالجة الينابيع وآبار المياه، إذا لم تقم المجالس بإعادة تأهيلها فستبقى في وضع بائس.
يوتم بيرغر
هآرتس 30/5/2019