المجتمع الدولي وسورية: دراسة في أبعاد دبلوماسية المزاج العام

مهزلة، مسخرة، تقاعس، لا حراك، تكثر المواصفات الجديرة بالإطلاق على الحالة التي تطل بها علينا ما باتت تسمّى ـ بلهجة مهذّبة- دبلوماسية أيضا – دوائر صناعة القرار، وآخر حراك لها هذه الأيام، اجتماع دول مجموعة العشرين في روسيا .
ولئن كنا أعدنا وكررنا استنكارنا لجمود عملي لا يشرف قوانا العظمى، وقد صرنا من الآن فصاعدا نضع على إنسانيتها، بل على الطريقة التي تنظر بها إلى مصالحها، اكثر من علامة استفهام، فإننا لم نكرس بعد مقالا في هذه المدارات لما يمكن تسميته بالمزاج العام. والمزاج العام، عندما نتحدث عن العلاقات الدولية، يحمل أكثر من دلالة.
يجدر بنا أولا ان نتذكر أنّ أصل عبارة المزاج العام ليس دبلوماسيا، بل هو سيكولوجي. فالمزاج يرصد تحركات نزعات دفينة قد تصل إلى مستوى الفكرة أو قد تبقى محصورة في حدود الميل وقد تتخذ شكل الغريزة. خلاصة القول إنّ المزاج، لهذه الأسباب، غالبا ما لا يظهر على صاحبه بصورة مركبة تركيبا منطقيا قابلا للتفسير المعقلن الجامع المانع، بل ينفلت من قبضة التحليل ليرتمي بين أطراف ما هو غير قابل للتوقع ولا الاستشراف المستقبلي. فلا تلبث أن تغدو دبلوماسية المزاج العام دبلوماسية الريح التي تهبّ على غير ما تشتهي السفن.
ويبدو أنّ دبلوماسية المزاج العام ‘الأوبامية’ خلّفت دبلوماسية القبضة الحديدية التي كانت من نصيب جور بوش أبا وابنا على سبيل المثال. لقد صيّرت دبلوماسية المزاج العام شكلا من الدبلوماسية غدت التراجيديا السورية علامة فارقة لها. ويتحدد هذا النوع من الدبلوماسية الجديد الذي نكتشفه جميعا، بحزم كلامي مشوب بأقصى درجات الحيطة العملية، وهذا يؤدي إلى نتائج كارثية تفتح المجال واسعا أمام أي مستبد ليقول في قرارة نفسه: الباب مفتوح لأنفّذّ ما أريد فهيّا بنا.
وتتشارك دبلوماسية المزاج العام مع دبلوماسية القبضة الحديدية في كونهما تتغذيان من مصدر واحد وهو الخوف: الخوف التقليدي من فقدان السيطرة على المصالح في المنطقة، والخوف المتنامي من صعود التيارات الأصولية الجهادية بعد سقوط أنظمة كانت تراها هذه القوى سدّا منيعا أمام التطرّف الإسلامي .
ويظلّ الطرف المشترك بين الدبلوماسيتين استبعادهما لأي مجال للحوار بين الأطراف. ففي حالة دبلوماسية القبضة الحديدية يلتجأ إلى القوة مباشرة، وإن بذرائع زائفة، أما في حالة دبلوماسية المزاج العام فيتخاطب المسؤولون من دون الخروج بأدنى قرار. قد يقول قائل: إن قرار الضربات على سورية قد اتخذ الآن. هب انه أتّخذ فعلا، فسوف ينفّذ مهما كان الحال من دون تفويض. لا أممي، ولا أطلسي، أي خارج الشرعية الدولية التي يفترض للمجتمع الدولي أن يكون راعيا وحاضنا لها ومدافعا عنها.
وقد يقول لنا قائل أيضا: ولكن لا بد من تأديب المستبدّ المجرم قاتل أكثر من مئة ألف شخص منذ سنتين وألف ومئتين ونيّف بعد هجوم 21 اب/اغسطس الكيميائي الأخير…
فليكن.. ولكن ما الذي منع المجتمع الدولي من أن يستبق القرار المناسب في الوقت المناسب؟ في مكان ذلك جاءت دبلوماسية المزاج العام فحدثتنا فقالت وتقوّلت: حظر جوي، ممرات إنسانية آمنة، تزويد المعارضة بسلاح نوعي… أي ذكرت كل ما كان يتوجّب فعله عملا بمبدأ احتواء الخسائر بأكبر درجة ممكنة… ولكنّ شيئا من ذلك لم ينفّذ..
وقد يردف قائلنا: ولكن المعارضة غير موحدة ولا نستطيع تأمين وصول السلاح إلى أياد امينة.. لكن التأمين هذا كان أسهل قبل شهور، قبل أن تنتظر دبلوماسية المزاج العام أن تصبح سورية أرضا مستباحة يقاتل فيها جهاديو العالم القادمون من كل حدب وصوب إن لم يكونوا يتقاتلون..
فما الذي حدا بالمجتمع الدولي إلى ان يعكس وجهة دبلوماسية الحد الأدنى؟
فضلا عن السببين المذكورين، أي الشعور بأن المصالح في المنطقة مهددة
والتخوف من تصاعد وتيرة المد الأصولي، يمكننا ان نعزو دبلوماسية الحد الأدنى هذه إلى معلل هيكلي يبدو مسيطرا منذ عقود على الأداء الدبلوماسي الدولي إزاء العالم العربي. إنه عدم معرفة وجهل دبلوماسيينا للمنطقة العربية.
صحيح أنّ اختصاصيين ضليعين في الشؤون العربية يعملون داخل دوائر خارجية الدول الكبرى، صحيح أنّهم يمدّون رؤساءهم بتقارير وبيانات دقيقة في القضايا الساخنة، لكنّ المشكلة تظلّ قائمة على مستوى أعلى: لا خطوات مقدامة شجاعة تّتخذ على مستوى رؤساء الدول ووزراء خارجيتها.
إلى الآن لا نفهم لماذا لم يفكّر جديا في تصوير سورية بعد الأسد على المدى الدبلوماسي، إلى الآن لا نفهم لماذا فضّل دبلوماسيونا ملء الفضاء الإعلامي بالوعد والوعيد وقرار الضرب، ثم قرار تأخيره وغدا تعليقه ربّما بدل الدعوة إلى عقد مؤتمر جنيف اثنين – وإن رجح البعض أنّ جنيف اثنين سيعقد بعد الضربات فعلا فما الذي يضمن لنا ذلك؟ من ذا الذي يستطيع تصوير الحالة السورية بعد الضربات المحدودة تلك، إن نفّذت فعلا، خاصة أن الولايات المتحدة وفرنسا، الشريكتين في الضربات المحتملة، أعلنتا أنّ الضربات لا تستهدف إسقاط النظام؟
ولو لم يكن الموضوع على صلة مباشرة بحياة آلاف من الأبرياء لجاز لنا تلخيص حالة دبلوماسيتنا الدولية، دبلوماسية المزاج العام والحد الأدنى، في أنها فعلا دبلوماسية قهقرى تستثير القهقهة.

‘ باحث كاديمي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية