عروب العابدوصل ما يقرب من 15,500 فلسطيني إلى مصر في الأعوام 1948 إلى 1960. وقد أقيمت المخيمات المؤقتة لاستضافة الفلسطينيين المتدفقين بسبب نكبة 1948 حيث فرّ الفلسطينيون من القتال الدائر مع المليشيات الصهيونية أو طُرٍدوا من قِبَلها إبان إقامة دولة إسرائيل. وقد لاذ البعض بمصر نظرًا لقربها أو لِما يربطهم بها من صِلات اجتماعية ومهنية. وفي أعقاب الهزيمة العسكرية في حرب فلسطين عام 1948، لم يُرحِّب الملك فاروق باللاجئين الفلسطينيين. أما المخيمات الثلاثة التي أقيمت في عام 1984 فأزيلت في غضون أربع سنوات. كما أُعيد فلسطينيون كثيرون إلى غزة عندما كانت تحت إدارة مصر وحكمها العسكري. أما مَن بقي في مصر فقد احتاج إلى كفيل مصري ليُسهل له إقامته، وكان الكفيل في العادة عبارةً عن شريكٍ تجاري أو صِلةٍ عائلية.
وفي عام 1952، أُطيح بسياسات الملك فاروق بفعل انقلاب الضباط الأحرار وما انتهجه الرئيس جمال عبد الناصر من سياسات ترمي إلى الوحدة العربية. وبعد ذلك العام، دُعي الفلسطينيون المقيمون في غزة للدراسة والعمل والتملك في مصر حيث عُوملوا كمواطنين مصريين. وفي عهد عبد الناصر، كان باستطاعة أبناء الفلسطينيين المقيمين في مصر وغزة الالتحاق بالمدارس الحكومية والاستفادة من الرسوم الجامعية المُخفَّضة. وفي وقت لاحق، شملت هذه المزايا الموظفين والمقاتلين المنخرطين مع منظمة التحرير الفلسطينية والموظفين الفلسطينيين السابقين في الهيئات الحكومية المصرية. وفي أعقاب حرب حزيران/يونيو عام 1967 وبعد احتلال إسرائيل لِما تبقى من فلسطين، ومرتفعات الجولان السورية، وشبه جزيرة سيناء، لم يستطع الفلسطينيون القاطنون في مصر العودة إلى غزة. وبحلول عام 1969، بلغ تعداد الفلسطينيين في مصر 33.000. ينتشر الفلسطينيون في المدن المصرية الكبرى (القاهرة، والشرقية، والقيلوبية، والإسكندرية، وبورسعيد، والإسماعيلية، والعريش، ورفح). وباستثناء القاطنين في الوايلي وعين شمس في القاهرة، وقنايات، وفاقوس، وأبو فاضل، والعريش (وهم مثال غير حصري لتجمعات الفلسطينيين المعروفة)، فإن الفلسطينيين في مصر قلَّما يعيشون في مجتمعاتٍ مقتصرة عليهم. فقد انخرطوا في معظم الحالات في المجتمع المصري واختلطوا به وتفاعلوا اجتماعيًا ومهنيًا وثقافيًا مع الشعب المصري. ومع مرور الوقت وبسبب الزواج المختلط بات من الصعب تمييز الفلسطينيين من المصريين، وهو ما فرض تحديًا على برامج التدخل الإنساني والإنمائي في سياق مساعدة المجتمع الفلسطيني. والأهم من ذلك هو أن سياسات مصر المقيِّدة لم تسمح للفلسطينيين بإنشاء هيئاتهم المجتمعية المحلية الخاصة بهم. وبالفعل، كان للاتحادين الفلسطينيين الرئيسيين وهما اتحاد العمال الفلسطينيين واتحاد المرأة الفلسطينية دورٌ سياسي إداري وليس دورًا تمثيليًا. فوظيفة اتحاد العمال الفلسطينيين محصورةٌ في تسجيل الفلسطينيين كعمالٍ بالأجور وسائقين لسيارات الأجرة ومزارعين حتى يتسنى لهم تجديد إقامتهم. أما اتحاد المرأة الفلسطينية فيُنفذ أنشطة ثقافية وخيرية لصالح عدد محدود من الفلسطينيين في مصر.
بالرغم من أن سياسات عبد الناصر ساعدت في إدماج الفلسطينيين في مصر، فإن تجنيس الفلسطينيين لم يكن يومًا أحد الخيارات المطروحة على ضوء قرارات جامعة الدول العربية الصادرة في عام 1952 بشأن ضرورة الحفاظ على الهوية الفلسطينية واستعادة الحقوق الأساسية للإنسان الفلسطيني. وعلى سبيل المثال، أشارت المادة 1 من قرار جامعة الدول العربية رقم 462 على الحكومات العربية أن تؤجل جهود توطين اللاجئين الفلسطينيين ودعت الأمم المتحدة إلى تنفيذ القرارات المتعلقة بعودة هؤلاء اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من ضررٍ وخسارةٍ في الممتلكات. وكذلك أوصت المادة 2 بأنْ تسعى البلدان المستضيفة إلى تحسين أوضاع اللاجئين المعيشية والتنسيق مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) من أجل إقامة مشاريع عمل للفلسطينيين. كما شدّدت على أن هذه المشاريع لا ينبغي أن تهدف إلى توطين الفلسطينيين بصفة دائمة بل أن تحفظ حقهم في العودة وفي الحصول على تعويضات عن خسائرهم. كما طلبت المادة 3 من الحكومات العربية أن تنسق جهودها من أجل تيسير سفر الفلسطينيين وأن تتعاون فيما بينها لاستيعاب إقامتهم المؤقتة في البلدان المضيفة. على الرغم من أن مصر لعبت دورًا مهما في ميلاد منظمة التحرير الفلسطينية، فقد كان للتوترات السياسية بين المنظمة والحكومة المصرية على مرّ السنين تداعيات سلبية على الفلسطينيين المقيمين في مصر. فبعد توقيع اتفاق كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل واغتيال وزير الثقافة المصري يوسف السباعي في نيقوسيا بتاريخ 18 شباط/فبراير 1978 على يد منظمة أبو نضال (صبري البنا) المتمردة، عانى الفلسطينيون من تراجعٍ كبير على صعيد الحقوق التي تمتعوا بها حتى ذلك التاريخ. وأثناء جنازة السباعي، أعلن رئيس الوزارء المصري آنذاك، مصطفى رياض، بأنْ ‘لا فلسطين بعد اليوم’. وبين الأعوام 1978-1982، بدّلت الدولة المصرية قوانينها وأنظمتها وأمسى الفلسطينيون ‘أجانب’ ما خلا ذوي الامتيازات كالفلسطينيين العاملين لدى منظمة التحرير الفلسطينية. كما جُرِّد الفلسطينيون من حقوقهم في الإقامة في مصر، باستثناء مَن كان متزوجًا من مواطن مصري، أو ملتحقًا بمدرسة أو جامعة ودافعًا لرسومها، أو متعاقدًا مع القطاع الخاص، أو مَن كانت لديه مصلحةٌ تجارية أو استثماراتٌ داخل البلد. ولم يعد التعليم الأساسي مجانيًا بالنسبة للفلسطينيين، فاضطروا إلى دفع رسومٍ للمدارس الخاصة والجامعات (بالجنيه الإسترليني). كما أصبح العمل في القطاع الخاص امتيازًا لمَن استطاع الحصول على تعليم جامعي ومن ثم التنافس لحجز مقعد ضمن الكوتا البالغة 10 في المئة والمخصصة للأجانب من إجمالي اليد العاملة في أي مؤسسة. وقد استوعب القطاع الاقتصادي غير الرسمي في مصر معظم الفلسطينيين المسجلين كمزارعين أو عاملين بالأجور عبر اتحاد العمال الفلسطينيين. وكعمالٍ مسجلين، يحق للفلسطينيين الإقامة في مصر.
كما كان سفر الفلسطينيين مقيَّدًا. فلِكي يضمن المسافرون أو المقيمون في الخارج من الفلسطينيين الحاملين لوثيقة السفر المصرية الدخول مرةً أخرى إلى مصر، كان يتعين عليهم إما العودة إلى مصر كلَّ ستة أشهر أو تزويد السلطات المصرية مقدمًا بما يُثبت عملهم أو التحاقهم بمؤسسة تعليمية. وفي تلك الحالات، كان يتسنى الحصول على تأشيرةٍ للعودة مدتها عام واحد. وعلاوة على ذلك، وفي أوقات تأزم العلاقات السياسية كحرب الخليج عام 1991 والتأييد المطلق الذي أعربت عنه منظمة التحرير الفلسطينية للعراق، أقدمت الحكومة المصرية على سجن النشطاء الفلسطينيين بوتيرة مرتفعة. كما لعب الإعلام المصري دورًا في إحداث الانقسام بوصفِه الفلسطينيين بأنهم مسؤولون عن المأساة التي يُقاسُونها. كما وصفَ الإعلام الفلسطينيين ‘بعدم الوفاء’ وهي تهمةٌ جرى التأكيد عليها عقب اغتيال السباعي وأخذت تتجدد عند كل نزاع سياسي. وإضافةً إلى ذلك، أعطى قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 صلاحيات واسعة للسلطات لتعطيل الحريات الأساسية، بما في ذلك حظر المظاهرات والاجتماعات العامة، واعتقال المشتبه بهم واحتجازهم دون محاكمةٍ لفترات طويلة، واستخدام محاكم أمن الدولة. وبموجب قانون الطوارئ، ضُبطت أنشطة الفلسطينيين ضبطًا صارمًا، وجرت اعتقالات على نطاقٍ واسع، وفُرضت الرقابة. وحتى الاتحادات المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية والتي أُنشئت بموافقةٍ صريحة من الدولة المصرية أصبحت مطالبةً باستحصال تصريح كلما أرادت استضافة فعالية ما. وعندما كانت تُقام تلك الفعاليات، كان أفراد أمن الدولة ينتشرون عند المدخل وكانوا في معظم الأحيان يُشاهدون وهم يدونون ملاحظاتهم أثناء الاجتماع. إن هذا الجو المتسم بالاندساس الأمني قد أدى إلى اشتباه الفلسطينيين ببعضهم وإلى خشيتهم من أن يُبلّغ أحدٌ السلطات عنهم ولا سيما من الفلسطينيين أمثالهم.
وكردٍ على ذلك، أصبح فلسطينيون كُثر يتجنبون الإفصاح عن أصلهم هربًا من المضايقة. وعلى خلاف ما تعهدت به مصر من الحفاظ على الهوية الفلسطينية، فإن شعور الكثير من الفلسطينيين بأنهم مضطرون لإخفاء هويتهم أضرّ ببنية الشبكات الاجتماعية وبالحس المجتمعي داخل البلد. إن اقتران وضع الفلسطينيين القانوني القاضي بإبقائهم طي النسيان بالرقابة العدوانية التي اتبعها جهاز أمن الدولة ضَمِن عيش المجتمع الفلسطيني في خوف دائم. لقد أصبح الزواج من مواطن مصري، ولا سيما بالنسبة للشباب الفلسطيني من رجالٍ ونساء، وسيلةً لإضفاء الشرعية على إقامتهم في مصر. وقد استمر ذلك رغم أن زواج الرجل الفلسطيني من المرأة المصرية لا يضمن له سوى حق الإقامة. وفي عام 2004، أُجريت مراجعةٌ لقانون الجنسية أصبح بموجبها يمنح الجنسية المصرية تلقائيًا لمواليد الزيجات المختلطة بين الفلسطينيين والمصريين والتي كانت ولادتهم بعد صدور القانون.
ثمة دلائل تشير إلى أن حكومة ما بعد مبارك قد اتخذت بعض الإجراءات لتحسين الأوضاع. ففي 2 أيار/مايو 2011، وافق وزير الداخلية الجديد منصور العيسوي على القرار رقم 1231 المُعدِّل لقانون الجنسية بحيث أصبح القانون نافذًا على جميع أبناء الأمهات المصريات (بمن فيهم أولئك المولودون قبل عام 2004). وإذا ما طُبِّق هذا القرار بعدلٍ وإنصاف فإنه سيُسفر عن تجنيس معظم الفلسطينيين الذين تزوج آباؤهم من نساء مصريات للالتفاف على العوائق التي فرضتها الدولة منذ عام 1978 والتي كانت تحول دون تمتعهم بالإقامة القانونية. ومع ذلك، فلا تزال مصر بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود.
إن ندرة البحوث بشأن الفلسطينيين في مصر تدعو لإجراء دراسة مسحية لتحديد العدد الفعلي للفلسطينيين المقيمين فيها ومعرفة أماكن تواجدهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. فلِكونِهم مشتتين ومنسيين وغالبًا ما يحيَون ظروفًا معيشية متدنية، فلا يُعرف عن احتياجاتهم ومطالبهم سوى القليل. لقد ركزت الجهات المانحة المحلية والدولية في سياق تقديم خدماتها في مصر على خدمة المواطنين المصريين. وعدا عن الرعاية الصحية التي تقدمها العيادات المرتبطة بالمساجد لكافة الناس، فليس بوسع الفلسطينيين الاستفادة من البرامج الإنسانية والتنموية المقامة في المناطق التي يقطنونها. إن اتخاذ خطوات نحو شمول بضعة فلسطينيين في كل منطقة جغرافية ضمن هذه الخدمات يمكن أن يُحدث تأثيرًا كبيرًا في حياة هذا المجتمع المحروم. ولا بد للهيئات التابعة للحكومة المصرية أن تنخرط بِجِد في عملية تحديد مجتمع اللاجئين الصغير هذا والذي لا يشكل سوى 0.1 في المئة من عدد السكان في مصر. وهذا من شأنه أن يتيح لمشاريع التنمية المستهدَفة والتي ستُنفَّذ أن تشمل المجتمع الفلسطيني. لقد تعهدت مصر في عام 1952، كبعض الدول العربية المضيفة، بأن تضمن الحقوق الأساسية للفلسطينيين من أجل الحفاظ على الهوية الفلسطينية وجعل التنمية أمرًا ممكنًا. غير أن الفلسطينيين القاطنين في مصر وقعوا ضحيةً للخلافات السياسية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة المصرية. والأهم من ذلك هو أنها أفسدت الوعد بالحفاظ على الهوية الفلسطينية. ولا بد لمصر الآن أن تفي بتعهدها الأصلي وأن تكفل الحقوق الأساسية للفلسطينيين وأن تضمن حقهم في الإقامة وأن تساعدهم في إعمال حقهم بالعودة.
أما إذا ظلت مصر في حِقبة ما بعد مبارك غير مستعدةٍ لضمان الحقوق الأساسية للفلسطينيين، فإنه يتعين على المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر أن توفر الحماية والمساعدة للاجئين الفلسطينيين، إذ إنهم يعيشون خارج نطاق عمليات الأونروا، ولذا لهم الحق بحكم الواقع في أن تسريَ عليهم ولايةُ المفوضية وأن يندرجوا تحت بندها الشامل الوارد في المادة 1 من اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين.
إن إعمال الحقوق الأساسية وحقوق اللاجئين على حدٍ سواء من شأنه أن يخلق بيئةً تسمح لمنظمات المجتمع المحلي بالازدهار، وتتيح للهيئات الإقليمية والدولية أن تقدم التمويل والدعم لهذه المنظمات وأن تركز على هذا المجتمع المَنسي وعلى المساعدة في تحديد احتياجاته وتحقيق تطلعاته.’ كاتبة فلسطينية