سناء ابو شرارهل تكتب الكاتبة لذاتها أو عن ذاتها؟ أم تكتب للمجتمع وعن المجتمع من حولها؟
إن كانت تكتب لذاتها أو عن ذاتها فيمكنها أن تكتب ما تشاء وكيفما تشاء ولكن إن كانت تكتب للمجتمع أو عنه فلابد أن تسعى من خلال الكتابة لقيمة عليا اجتماعية أو دينية أو سياسية. وهل تتحمل مسؤولية ما تكتبه مهما كانت بساطته أو تعقيده؟
بمجرد أن يخط القلم الكلمات التي تجول في الفكر ويتم نشرها تتحول هذه الكلمات إلى مسؤولية كبيرة لأنها لم تعد ملكا لمن يكتبها، بل تتحول إلى عالم متحرك يؤثر بمن يمر به. إن أهمية الكاتب أو الكاتبة تكمن بأنه يمكن أن يكون سببا في تغييرات جذرية في المجتمع لأن الفكر هو من يُشكل الشعوب وليست الماديات، ومن هنا يأتي حرص الكاتبة لما تكتب ليس لذاتها ولكن لأنها مؤثرة ولو على فئة قليلة من الناس أحبت ما تكتب وتأثرت به. إن لم تنظر الكاتبة لذاتها على أنها حاملة رسالة أخلاقية ودينيةوأجتماعية وسياسية – إن استدعى الأمر- فإن كتابتها مهما حازت من شهرة وجوائز لن تتجاوز عتبة السنوات التي تحياها، لأن المجد للقيم العليا والتي ترقى بالانسان سواء بمعاناته أو بسعادته.
أحد القيم التي تسعى لها بعض الكاتبات ‘التحرر الثقافي والاجتماعي’ للمرأة والرجل، مع التحفظ على استعمال هذا التعبير الدارج، فإنه لا يوجد في العالم ما يُسمى بالتحرر لأن معنى التحرر الحرفي هو التفلت من كل القيود وهو امر مناف للقيم الخلاقية والفطرة الانسانية في كل المجتمعات حتى الغربية وإلا فلماذا تتم محاكمة أي مسؤول غربي إن أرتكب فضيحةأخلاقية حتى ولو كانت خيانة زوجية عابرة؟
استبدل هذا التعبير ‘ بالإرتقاء الثقافي والإجتماعي ‘ وأن تكون رسالة الكاتبة أعادة التوازن للمجتمع عبر الحرص على التذكير بالقيم الأخلاقية وبذات الوقت التأكيد على كرامة الانسان سواء رجل أو امرأة وبحقهما في الحياة الكريمة. وإن ارادت الكاتبة أن تكتب عن قهر الرجل للمرأة أن يتم ذلك في اطار معاناة محددة، الهدف منها تسليط الضوء على معاناة معينة وتحليل مشاعر الضحية تجاه هذه المعاناة مع محاولة إيجاد حلول انسانية وقانونية لإزاله هذه الظواهر القاسية من المجتمع وذلك دون التجريح بجميعالرجال ودون الإيحاء للأجيال الشابة بأن جميع الرجال قساة ووحوش، إن علاج أي مشكلة لا يتم دون عرضها وتحليلها بشكل منطقي وموضوعي يتناول ذات المشكلة دون تعميم أو اسقاط لمبادىء انسانية راسخة.
وراء كل رواية، وراء كل قصة قصيرة أو بيت شعر أو نص مسرحي لابد من وجود فكر محدد تريد أن تعبر عنه الكاتبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن خلت هذه النصوص من فكر عميق ومدروس خلت هذه النصوص من بعدها الانساني حتى ولو كانت رائعة الجمال. لا يمكن للكاتبة أن تكتب عن القشور في عالم يحيا به عامة البشر بين القشور وإلا فما الذي يميزها عن أي انسانة عادية، ما يميزها هو سعيها الدائم والحثيث نحو الحقيقة، نحو النور، وهذه الحقيقة بأعلى مراتبها تتمثل في الإيمان بالله وبما شرعه للانسان من أوامر ونواهي. أما النور فإن معرفة الحقيقة الإيمانية تقود حتماً نحو هذا النور الإلهي الذي قبل ان يغمر الكون لا بد أن يغمر الذات البشرية التي قد تغرق في ظلام الجهل أو الحقد أو العنف. للكاتبة أن تكتب ما تشاء كامرأة ولكن لابد أن تدرك بأنها تحمل مسؤولية أكبر من مسؤولية الرجل حين تكتب لأنها هي المربية، وهي المحرك الأول للشعور والفكر في محيطها.
السياسة ليست عالم يقتصر على الرجال، لأن السياسة ليست ما يُكتب في الصحف أو يُذاع على شاشات التلفاز فقط بل هي حياة أي انسان مهما كان بسيطاً، ما يميز تواجد المرأة في الحياة السياسية هو قدرتها على المزج بين الشعور بمعاناة الانسان العادي وحاجات الوطن الأساسية، ومن الأمثلة الواضحة تصريحات النساء الناشطات سياسياً في الغرب، فخطابهن دائماً يمتزج بالقيم الانسانية، وعلى الكاتبة العربية في المجال السياسي ألا تغفل عن هذا المزج الهام بين ماهو سياسي جاف وما هو انساني وشعوري وألا يتحول خطابها لخطاب جاف تقليداً لخطاب الرجل سعياً لاثبات هويتها في عالم سياسي رجولي يتحداها، وأن تدرك أن ما يميزها هو هذا الاستشعار لمعاناة المجتمع كامرأة وكاتبة وليست ككاتبة سياسية فقط.
ومن ناحية أخرى، ففي ذات كل انسان حاجة لرؤية الجمال، للشعور به، سواء عبر الكلمات أو اللوحات أو الانتاج المسرحي، هذه الحاجة العميقة إن تم تهميشها فإن الروح يعتريها الذبول، لأن الحياة بها كمٌ هائل من الأشياء المادية، ويأتي الأدب والفن بجميع أشكاله ليضفى لمسة رقيقة على هذا الوجود الجاف، رسالة الأدب والفن بجميع أشكاله ليست دائماً قيمة عليا فقط بل قيمة جمالية أيضاً تجعل النفس تتحرر من قيود مادية ودنيوية تُرهقها وتضفي القسوة على الوجوه وفي القلوب، فإن امتزج الأدب بالجمال والقيم الدينية والأخلاقية الراقية تحققت رسالة الكاتبة بأن يكون ما تكتبه ليس فقط كلمات وسطورا بل عالم نابض بالحياة يذكر من ينسى بأن الانسان ليس سوى قيمة يرسمها لذاته فإما أن تكون هذه القيمة عليا وأما أن تكون متدنية، وأن واقع أي انسان هو انعكاس حتمي للقيمة التي حددها لذاته منذ البداية.
ومن جهة أخرى، فإن ما يُلفت النظر حالياً هو أن الكتب الأكثر مبيعاً في الغرب هي الكتب التي تتحدث عن القيم الأخلاقية والدينية، أنوه لذلك ليس للمقارنة ولكن لأن الغرب وخلال سنواتٍ عديدة قد غرق في التحرر بجميع اشكاله، ولكنه بدأ يواجه أزمة التحلل من كل القيم خصوصاً لدى الأجيال الشابة، فأصبح الأدب الأخلاقي والديني يحقق أعلى المبيعات، وهي مجتمعات كانت تعتقد أن السعادة تتحقق في امتلاك كل ما هو مادي وهو ما نعتقده حالياً في مجتمعاتنا العربية، يقف الغرب حالياً وبفئات واسعة منه أمام اسئلة أخلاقية وروحانية بعد رحلة طويلة من رفض لقيم كثيرة، وهي ظاهرة لابد لكل كاتبة أن تتوقف أمامها وتتأمل وتقرر إن كان ما تكتبه يحقق اشباعا روحيا ونفسيا وأخلاقيا لمن يقرأ لها، أم أنها تبحث عن أشباع ذاتي لما تشعر به بغض النظر عما يعتري المجتمع من تغييرات أو صراعات تحتاج لبصيرة وحكمة لتُعيده إلى اخلاقيات ومبادىء إن فُقدت يتصدع الفرد والمجتمع.
علاقة اساسية ومحورية في المجتمع هي علاقة المرأة والرجل ومن حولها يتم نسج مجمل العلاقات الانسانية، علاقة قد تكون معقدة شائكة بل وصراعا قد ينتهي بالاستسلام، بالطلاق أو بالموت؛ ولكن هذه العلاقة تتواجد أيضاً في الأدب، تنقل الكاتبة هذا الصراع عبر رواية ما أو عبر قصص أو بيوت من الشعر، وربما ما يحتاجه المجتمع ليس نقل صورة هذا الصراع بأبعاده المُدمرة ولكن محاولة إيجاد الحلول، الشخص العادي حين يقرأ لا يريد فقط أن يعرف أبعاد المعاناة بل يريد أن يفهم لماذا حصلت المعاناة وكيف لها أن تنتهي، إن الغرق في أدب يتهجم على الرجل وينقل صورة العنف والأنانية والقسوة للرجل قد لا يفي بالغرض بل قد يكرس بعض الظواهر السلبية لذا لابد للكاتبة أن تخرج احياناً من إطار كونها أنثى وضحية لتكون محركا لإرادة التغيير عبر الوعي بدورها وما يحتاجه المجتمع من تغيير وتطوير. ولابد من الاعتراف بأن الرجل حين يكون الجاني فهو الضحية الأولى لذاته وأن هناك اسبابا عميقة جعلت منه جانيا ومن ثم ضحية.
في كتابهِ ‘اعتراف تولستوي’ يقول الكاتب الكبير: (عمدت إلى جميع فروع المعرفة البشرية أنشد إيضاحاً للمسائل الخطيرة، فكنت أفتش عن هذا الإيضاح بمرارة قلبي، وصبر طويل، لأني لم أُقدم على علمي بدافع التطفل وقتل الوقت بما لا طائل تحته، بل سعيت إليه بهمة ونشاط ليلاً ونهاراً’. ربما بهذه المقولة يتضح الدور الحقيقي للكاتب أو الكاتبة، فما فتش عنه تولستوي في مسيرة حياته هو القيمة العليا التي وجدها في نهاية المطاف في الإيمان والأخلاق، وقد كانت هذه رسالته، كامرأة لا بد أن أكتب عن معاناة المرأة، ولكنني كانسانة لابد أن أكتب عن ما وُجد الكون لأجله ألا وهو الحق بجماله وصدقه وصعوبته وقضاياه الانسانية التي لا تميز بين رجل أو امرأة.* محامية وروائية تقيم في عمان