المجزرة في نيوزيلندا والمانيفستو عند برهوم… هل بدأت السعودية تضيق باللاجئين السوريين! والربيع العربي وصل إلى قطاع غزة

حجم الخط
0

كنت مواظباً على متابعة فيديوهات اليوتيوبر السوري بشار برهوم حتى قبل انتشار فيديو أيّد فيه، على نحو لم يسبقه إليه إرهابيون صريحون، جريمة القتل المروعة بحق أبرياء في مسجد نيوزيلاند، فقد وجدت فيه دائماً الروح الحقيقية التي تشكّل عصب النظام السوري، كان كلامه جريئاً ناقداً للنظام بشكل لا يجرؤ عليه كثيرون، أو أنهم قد يعتقلون لأسباب أقل بكثير. لكن جرأة برهوم، والتي وصلت حدّ إعلانه الضيق من رأس النظام، عندما خاطبه بالقول «أنت الأمل، بس ما بقى كتير هه». كانت تشي بأنه من عظام الرقبة، وقد تصح تسميته بأنه النظام العميق، تيمناً بمصطلح الدولة العميقة. كان الرجل جريئاً ولاذعاً، لكن من أجل جريمة أكثر تماسكاً.
إثر مجزرة نيوزياندا، طالب برهوم «صياد نيوزيلندا الأبله»، كما وصفه، بعد أن حيّاه على فعلته، بأن يذهب إلى «رزقٍ» أوفر، أي إلى عدد أكبر من الضحايا، نصحَه أن يذهب فوراً إلى مكة، حيث الحج.

ليس مفاجئاً هذا التلاقي بين كلام برهوم وكلام الشاعر أدونيس، الذي كانت حجته ضد تظاهرات السوريين أنها خرجت من الجوامع.

تالياً، ظهر برهوم بأكثر من فيديو للتوضيح وللاعتذار، لكن توضيحاته لم تكن أقل فداحة من الفيديو الأصلي. لقد فسّر غضبه بالقول «نحن في سوريا ضحايا للإرهاب. أنا أتأسف على ضحايا نيوزيلاند، لكن شو أخدكم عالجامع؟ أنا مع قتل أي شخص بيدخل عالجامع، لأن الجامع صار شرّ بالنسبة لي» (ليس مفاجئاً هذا التلاقي بين كلام برهوم وكلام الشاعر أدونيس، الذي كانت حجته ضد تظاهرات السوريين أنها خرجت من الجوامع. ولن تفرق مَن منهما أنتج الآخر).
بعد محاولة التفسير قرر برهوم أخيراً الاعتذار، فقال إنه بنى كلامه الأول (المتضامن مع الجريمة) على معطيات وصلتْه بأن المسجد المستهدف «تجتمع به قيادات إسلامية لداعش وغيره».

لا ندري لماذا يتفرّد برهوم وحده بهذه المعطيات، لكن اللافت في اعتذاره أنه لم يبدّل رأيه بأن الجامع شرّ، وأن حجيج مكة يستحق أن يكون هدفاً للقتل. هي إذاً دعوة لاستباحة دماء ملايين البشر، من حجاج، وربما من مجرد مؤمنين بفكرة الحج. هل من جريمة أفظع من ذلك، اللهم سوى فظاعة ارتكابها على الأرض!

أما لماذا يمثل برهوم حقيقة النظام، أو غرفته الخلفية، فلا نحسب أننا نحتاج إلى وثيقة أوضح من تدمير النظام لمئات المساجد، وآلاف المصلّين، ليس في السنوات الأخيرة وحسب، بل يعود الأمر إلى عقود من استهداف المحجبات وأصحاب اللحى لمجرد الاشتباه.

السعودية للسعوديين!

اللبنانيون ليسوا وحدهم من يشتكي أن بلدهم الصغير، بتشابكاته وضائقته الاقتصادية، لا طاقة له على تحمّل اللاجئين السوريين، فهذه دولة مقتدرة وغنية كالسعودية بدأ بعض مواطنيها بالتململ إلى حدّ المطالبة بترحيلهم وإعادتهم إلى بلدهم.
فقد ظهرت هاشتاغات من قبيل #ترحيل_السوريين_مطلب و #السعودية_للسعوديين ، إثر ما اعتُبر مخالفات ارتكبها سوريون في البلاد، ولم يتورع البعض عن التغريد: «أصبحوا من لاجئين إلى مجرمين»، بعد خبر القبض على عصابة سرقة مكونة من سوريين، وكذلك بعد انتشار فيديو قالوا إن امرأة سورية فيه تشتم بائعة سعودية.
لا يعدم المرء بالطبع وجود عقلاء سعوديين يرفضون دعوات مواطنيهم لترحيل اللاجئين، لكن الخوف من لغة إعلامية خليجية موازية تبدو وكأنها سند خلفي لإعلام النظام عبر إطلاق التقارير عن تسهيلات النظام لعودة اللاجئين، من الأردن ولبنان وخطوات أخرى لإعادتهم من مصر.

الخوف من لغة إعلامية خليجية موازية تبدو وكأنها سند خلفي لإعلام النظام عبر إطلاق التقارير عن تسهيلات النظام لعودة اللاجئين، من الأردن ولبنان وخطوات أخرى لإعادتهم من مصر

لغة الإعلام هذه لا توحي بأنها بريئة ومن دون توظيف ما، نعرف كيف تعمد الحكومات إلى التواطؤ مع موجة سخط، أو تذمر، وكيف بإمكانها أن تتحول إلى ترحيب واحتفال وطني بإشارة من الحاكم.

ربيع غزة

الفيديوهات الآتية من قطاع غزة، والتي تصور قمع حركة «حماس» لتظاهرات انطلقت أخيراً احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، مرعبة. ولو أنها ليس مفاجئة، فقد كنا نعرف أن الحكم هناك، منذ اثنتي عشرة سنة، قوامه السحل في الشوارع، الحرق، الاعتقال، تماماً ككل الأنظمة الطاغية، بل والمتوحشة كذلك.

الحكم هناك قوامه السحل في الشوارع، الحرق، الاعتقال، تماماً ككل الأنظمة الطاغية، بل والمتوحشة كذلك.

الجديد اليوم أن صوت الناس بدأ يعلو، رأينا نساء في فيديوهات يتحدثن عن القمع الدموي، ورأينا حال متظاهرين اعتقلوا وكسرت أطرافهم وتعرضوا للضرب والإهانات.
استولت «حماس» على صندوق الانتخابات بقوة العمل الخيري والاجتماعي (وبالطبع ليس فقط بسبب من تاريخها النضالي ضد الاحتلال، ففي سجل كل فصيل فلسطيني رصيد من المواجهة مع إسرائيل) إلى أن تحكّمت فحكمت قطاع غزة بالحديد والنار. أنتجت نظاماً دموياً قائماً على سحل الناس بالشوارع. دخلت من باب العمل الخيري ومكافحة الفساد ولا تتحمل اليوم مظاهرة تعترض على غلاء الأسعار.
هذا الحال لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، وحكام غزة يبدو أنهم لم يفهموا بعد درس الثورات العربية.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية