القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: بحضور الدكتور عماد أبوغازي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة أقامت لجنة الشعر ندوة موسعة على مدار يوم كامل احتفالا بسبعينية الشاعر الكبير سيد حجاب.
بدأت الاحتفالية بكلمة لمقرر لجنة الشعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكلمة الدكتور عماد أبو غازى، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، وبدأت أولى جلسات الندوة في الحادية عشرة صباحا، وأدارها أمجد ريان، وشارك فيها عبد الستار سليم، ومأمون الحجاجي، ومحمد سلامة، فيما تحدث الشاعر الكبير سيد حجاب عن تجربته الشعرية، وألقى عدد من الشعراء مقتطفات من أشعارهم في الأمسية الشعرية التي بدأت في السادسة حتى السابعة، وهم أمين حداد، ورجب الصاوى، وسهير متولي، وقدم الأمسية عبد الستار سليم، فيما أقيمت في السابعة والنصف مساء وحتى التاسعة والنصف مساء أمسية غنائية بالقاعة العامة، شارك فيها الفنانون علي الحجار، وأحمد جمال، مع فرقة التذوق العربي بقيادة الفنان محمود أبو زيد.
أكد الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، أن شاعر العامية سيد حجاب بدأ طريقه شاعرا فصيحا، وما يزال شاعرا فصيحا، مشيرا إلى أن الفصاحة ليست إلا الإبانة والوضوح، وأن يتمثل المعنى في اللفظ بين الدقة والجمال.
وتابع حجازي خلال الاحتفالية التي أقامتها لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة بالشاعر سيد حجاب: ‘إذا توافرت أي من هذه الشروط في أي لغة، كانت فصيحة، والذين يفتعلون معركة بين العامية والفصحى يرتكبون خطأ كبيرا، لأن العامية هي لغتنا اليومية، والفصحى هي لغة الثقافة بمعناها الشامل’، مضيفا: ‘العامية تأخذ من الفصحى وتتطور وتتثقف، والفصحى تأخذ من العامية، فتعود للحياة، وتتصل بالواقع’. أما الدكتور عماد أبو غازي، أمين المجلس الأعلى للثقافة فقال ان سيد حجاب شاعر مصري، وليس شاعرا عاميا، مؤكدا على أنه قدم عبر سنواته السبعين إبداعا عظيما في شعر لغتنا المصرية الحقيقية، وأضاف: ‘سيد حجاب واحد من رموز الثقافة والإبداع في مصر، وواحد ممن أثروا فينا، بالنسبة لجيلي، فقد التحم من بدايته بهموم الشعب وعبر عنها تعبيرا رائعا وراقٍيا، وكان لسان حال المصريين، في زمن تكاثرت فيه هذه المشاكل، وقدم لنا في الشعر والأغنية إضافات مهمة جدا’. ولد الشاعر سيد حجاب في قرية المطرية، التابعة لبحيرة المنزلة بمحافظة البحيرة، وقد تحدر حجاب من أسرة متوسطة حيث تعلم الأب في الازهر ورغم انه لم يكمل تعليمه إلا انه كان له الفضـــــل الاكبر في توجيه الشاعر حسبما يكشف في شهادته، حيث كان لدى الأب مكتبة ضخمة استطاع حجاب ان يطالع عبرها عيون الأدب العربي من الاغاني حتى العصر الحديث حيث اعمال المنفلوطي والحكيم والمازني والعقاد ومحفوظ.
ويقول حجاب في شهادة له: ان أول قصيدة كتبها في حياته كانت بمناسبة ضرب بورسعيد حيث كانت سنّه أحد عشر عاما، وكان ذلك عقب مظاهرة مدرسية لشهيد من ابناء المرحلة هو نبيل منصور، وكان طفلا دخل مع مجموعة من الفدائيين الى احد المعسكرات النازية لحرقه فأطلقوا عليهم الرصاص ويقول حجاب انه استمر لفترة طويلة يكتب بالفصحى ويقرض الشعر العمودي.
وفي سن مبكرة التحق بصفوف الاخوان المسلمين وكان ضمن اشبال الدعاة وكان احد المتميزين بين أقرانه حيث كان يلقي خطبه شعرا، ثم انتقل الى حزب مصر الفتاة، وكان ذلك على اثر حادثة اخلاقية اعترف بها حجاب عندما قال: حدث ذلك في احد المعسكرات التي كان يقوم بها الاخوان في بورسعيد حيث حاول احد الاخوان اغتصابي، بالاضافة الى انزعاجي الشديد على اعتراض الاخوان على الجلاء. ويضيف حجاب انه انتقل بعد ذلك الى الاسكندرية لاستكمال دراسته وكان في السادسة عشرة من عمره، ثم التحق بمنظمات ثورة يوليو وحدث نوع من التلاقي مع الناصرية ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة الاسكندرية عام 1956 وعاش اياما خصبة وسط النشـــــاط الطلابي الضـــاج فتعرف لأول مرة على شعر صلاح جاهين عبر ديوان ‘موال عشان القتـــــال’ كذلك ديوان فؤاد العنتيل الذي قدمه لأول مرة في مجلة كان يصدرها يوسف السباعي هي مجلة ‘الرسالة’، وبعد الاسكندرية انتقل حجاب الى القاهرة بعد ان كان قد اختار طريق الشعر رغم انه كان لم يزل في عامه الدراسي الأول بالجامعة ويقول ان ذلك كان سببا في انتقاله من قسم العمارة أي قسم المناجم حتى يتمكن بعد التخرج من العمل بالصحراء لمدة طويلة تمكنه من القراءة وتثقيف نفسه.
لذلك كان قد قرر ألا ينشر شيئا من شعره سوى بعد تحقيق النضوج الذي يرضى عنه، غير انه يردف ويقول: فوجئت بأن احد اصدقائي قد ارسل شعري الى المذيعة سميرة الكيلاني وفوجئت بالناقد محمد مندور يتحدث عن تجربتي ويتغزل في قصائدي ويمتدح معرفتي بالأشكال الشعرية المختلـــفة، ويصف حجاب هذا الموقف بأنه أحد اكبر المواقف المؤثــــرة في حياته لما كان لمندور من مكانة مرموقة لا تطال في ذلك الوقت.
ويضيف حجاب: بعد ذلك، نشرت بعض القصائد في مجلة ‘الشهر’ التي كان يختار الشعر فيها الدكتور عبد القادر القط، وكان يترأس تحريرها سعد الدين وهبة.
وعلى صعيد العمل السياسي كان سيد حجاب قد انضم لتنظيم يسمى وحدة الشيوعيين وكان يضم عددا من الخارجين على حركة حدتو بسبب قراءاتهم لثورة أكتوبر.
ويضيف حجاب انه قرأ أدبيات التنظيم وأعجب بها وكان المسؤول عنه تنظيميا في ذلك الوقت هو علي الجنجيهي وحمدي قنديل ومحمد العزبي، وقال انه استطاع بعد ذلك تجنيد عدد من الاسماء المهمة مثل سيد خميس الذي كان له دور كبير في تجنيد عدد من الاسماء اللافتة هو الآخر مثل صلاح عيسى وعبد الرحمن الأبنودي.
ويضيف حجاب: كان شعار التنظيم التكتيكي هو الديمقراطية واقترحت ان تشكل لجان ديمقراطية بعيدة عن التنظيم لتتمكن من تجنيد أعداد أكبر.
ثم اعتقل سيد حجاب عام 1966 لكنه كان قد بدأ المشاركة الفعلية في الحياة العامة، وفي العام نفسه تم إلقاء القبض على جماعة وحدة تنظيم الشيوعيين وجماعة الطليعة الشعبية، ورفض التنظيمان اعلان حل الأحزاب الشيوعية فاعتقل أعضاؤهما.
ويرصد حجاب انه في الوقت الذي كان يقرأ فيه وزملاؤه قراءات يسارية كانوا يسلكون سلوكا يمينيا، حيث تعاملوا مع الواقع باعتباره واقعا ديمقراطيا فبمجرد ان كشفوا عن أنفسهم تم القبض عليهم.
ويعترف سيد حجاب انه ليس موهوبا في العمل السياسي لذلك رفض العمل السياسي فيما بعد ورفض ايضا العمل السياسي في كافة الاحزاب وظل شاعرا واعتبر ان الشعر هو مدخله الى كل شيء.
ويضيف حجاب قائلا: الى جانب الشعر تعلقت بالمسرح وقرأت كل تراثه الحديث والقديم في مصر، وفي رأيي ان المسرح المصري ظل مسرحا للطبقة الوسطى ولم يتحول الى مسرح شعبي، ومع ذلك هناك محاولات عبقرية لمحمود دياب ويوسف ادريس لكنه ظل شقشقة مثقفين.
بعد ذلك سافر سيد حجاب الى اوروبا وأقام عامين ونصف العام فتعرف على المسرح الأوروبي وكانت الستينيات ـ حسب حجاب ـ هي حقبة الشباب سواء كان ذلك عبر ربيع براغ أو عبر ثورة 1968 وغيرهما، ويرى حجاب ان هذا الحراك الذي عكس عدم ثقة الشعوب في انظمتها دفعت الفكرة المسرحية الى التغيير، ويقول حجاب انه اكتسب العديد من الخبرات من هذه السفرة، وعندما عاد كوّن مجموعة كان ينشد ان يقدم عبرها مسرحا مختلفا.
ويقول سيد حجاب: منذ عام 1965 قررت احتراف الكتابة وأن أعيش من الأدب لكن بعد العودة كانت تقطعت الأواصر بسبب تهمة الشيوعية اللصيقة بي، وظللت لسنوات أحاول اعادة علاقتي بالتلفزيون.
ويضيف حجاب: منذ ان صدر ديواني ‘صياد وجنية’ واستقبل بحفاوة واسعة، فوجئت بأن اهلي الذين كتبت من اجلهم هذا الديوان لم يقرأوه فشعرت بالضلال واتجهت فورا الى الاذاعة الأوسع انتشارا، وقدمت اول برنامج اذاعي مع الشاعر عبد الرحمن الابنودي هو ‘بعد التحية والسلام’ ثم اتسع تعاوني مع الاذاعة والتليفزيون وبعد ذلك بدأت أتعرض لمحاكمات من اليسار القديم بتهمة خيانة قضيتي وتم اتهامي بأنني تركت الشعر لصالح الغناء، ولكن في كل الأحوال أنا راض عما قدمته وأعتقد انني حصدت حب الكثيرين.
وعن أساتذته يقول حجاب: كان أولهم أبي الذي علمني ان السليقة الشعرية لا بد ان يصقلها الدرس ويأتي بعد ذلك دور استاذ الرسم المثقف والفنان شحاتة سليم الذي لفتني الى علاقة الشعر بالحياة والثالث هو الدكتور محمد مندور الذي علمني العديد من الدروس فقد علمني أن أعيش ثقافتي، أي كيف تكون الثقافة نمط حياة وليست واجهة للمثقف فحسب، اما الرابع فهو صلاح جاهين الذي كانت فرحته بميلادي كشاعر فادحة وقد مني في صباح الخير بحفاوة منقطعة النظير، ثم الدكتور حسن فهمي والد الفنانة فريدة فهمي.
وعن تجربة مجلة ‘غاليري’ يقول سيد حجاب انه عبر شقته التي كان يملكها بشارع الشيخ ريحان تعرف الى الراحل ابراهيم منصور ومصطفى الحسيني، وكان ذلك بعد النكسة وكنا ننطلق بعد هزيمة الجيش المصري من مفهوم واحد هو ان الثقافة هي حائط الصد الاخير، فصدرت غاليري 68 ثم جاءت مجموعة اخرى حاولت ان تشد المجلة الى العمل السياسي بمعناه الايديولوجي لا سيما اليساري فخرجنا من المجلة.
ثم تحدث سيد حجاب عن دوره في مجلة الشباب مع احمد بهجت، وقد قام فيها بدور عميق ومؤثر في تعريف مصر كلها بجيل السبعينيات الذي أفرز فيما بعد جماعتي الصوت وإضاءة وبعد ان جاء مفيد فوزي الى المجلة قدم حجاب وزملاؤه استقالة جماعية فأغلقت المجلة.
وعن المشهد الراهن يقول سيد حجاب:
أرى مصر في وضع انقلابي، فالوضع السياسي ليس مؤهلا لثورة والقوى الحاكمة ليست مؤهلة للحكم بالسابقة وقوى الحكومة ليست مؤهلة ان تحكم كالسابق، وما علمتنا إياه السياسة ان هذا الوضع هو الملائم لانقلابات.
ومن يحكم مصر اليوم من فصيل الرأسمالية غير الوطنية المرتبطة بالرأسمالية الدولية، وهو أحدث شكل للاستعمار، في المقابل فإن الشكل المطروح للشعوب هو الثورة الوطنية التي تندغم بثورة اشتراكية.
فمصر التي كانت القطعية تحولت مع الثورة الى دولة مختلفة عبر الرأسمالية الوطنية ثم قاد السادات الثورة المضادة، والتي انتهت الى رأسمالية ملحقة بالرأسمالية الاجنبية في ظل عدم وجود قوى سياسية شعبية.
أما الطبقة المتوسطة فهي طبقة منوط بها ان تخلق ثقافة وطنية وأن تؤسس لدولة حديثة او دولة المواطنة وهي لم تفعل ذلك وحتى الآن وظلت نسبة الأمية كما نعرف وأصبح لدينا مثقفون يسدون عين الشمس لكن ليس لدينا ثقافة، فلسنا متفقين على شيء من اكبر المتناقضات الى أصغرها، فالثقافة هي الموقف من الوجود، والثقافة المصرية مبنية تاريخيا على ثوابت بداية من الاسرة حتى الفرعون، وظلت كل القيم الاخلاقية نابعة من الثقافة، حتى دخول الاسلام الذي اندمج بالحضارة الفلاحية في صورة مبسطة.
أما يوليو وتوابعها فقد اسقطت الكثير، وأصبح هناك دولة معادية للحداثة والحرية. لم يتم ابتكار خليط عقلاني جديد وتقديري ان الوضع سيظل انقلابيا لفترة ليست قصيرة الى ان تنضج القوى الشعبية من خلال خلق آليات ثقافية جديدة.