جميعنا تابع الثورة الشعبية الرائعة في مصر في شهري فبراير الماضي. وكيف أن الشعب المصري هبّ عن بكرة أبيه لإسقاط نظام الطاغية حسني مبارك، الذي يعتبر: أعتى نظام أمني في المنطقة، وأكثرها استبدادا وتسلطا وفسادا وقهرا للشعب؟ وقد استطاع الشعب المصري الأبي أن يحقق هدفه بفضل صموده وتضحياته، ودماء المئات من المصريين، التي ضمخت شوارع مصر وميادينها ومن دون أي دعم خارجي. في حين وقف الجيش المصري يتفرج على تلك الدماء الزكية وهي تسفك، برصاص جحافل القوات الأمنية وكرابيج وسياط الألوف المؤلفة من البلطجية والمجرمين وخريجي السجون. ولم يتدخل لحماية أبناء الشعب، وخاصة في يوم الأربعاء المشهور الذي صار يعرف بموقعة الجمل. وفي نهاية المطاف عندما ضيق الشعب الخناق على مبارك وأجبرا هذا الأخير وهو صاغر ذليل أن يرمى الكرة إلى المجلس العسكري، أسرع هذا الأخير بالإمساك بها، على أساس أن ذلك سيكون لفترة مؤقتة. وهاهي قد مرت تسعة أشهر على انتقال الكرة إلى أيدي المجلس العسكري، في حين هو لا يزال متشبثا بها، رافضا أن يطلقها إلا بشروطه، ووفق قواعد لعبة هو يحددها. ولو أن هذه القواعد، الهدف منها مصلحة الشعب المصري، حاضرا ومستقبلا، لقلنا خيرا، وأيضا لو كانت المسألة مسألة أنانية أو انتهازية لقلنا لعل وعسى ولكن الهدف منها هو أن تظل مصر، قلعة العروبة والإسلام، مكتفة ومرتبطة، كما كانت فالمجلس العسكري، يريد تغييرا شكليا في الحكومة القادمة، في حين تظل السلطة الحقيقية بيده، وتظل مصر، بالتالي، تدور في الفلك الأمريكي، من خلاله، لأنه هو نفسه، قد طبع على ذلك، في عهد مبارك، ويريد أن تكون مصر بعد الثورة هي نفسها مصر نظام حسني مبارك الذي كان يعتقد أن 99′ من قواعد اللعبة في الشرق الأوسط بيد واشنطن، فالمجلس العسكري لا يزال يفكر بهذه العقلية؟ نعم نعم إنه لا يزال يفكر بهذه العقلية. ليس في هذا فقط، وإنما حتى في اختيار المسئولين في الحكومة الانتقالية، يختار شخصيات سياسية، وأمنية يسهل تطويعها، وتوجيهها في الاتجاه الذي يريد، وبعد ذلك تأتي مرتبة الكفاءة. وكل ما يفعله المجلس العسكري منذ تسعة أشهر هو أنه يعيد تشكيل نفس مؤسسات الفساد الأمنية والقمعية والإعلامية، التي كان يرتكز عليها نظام حسني مبارك، مع تغيير في بعض الوجوه فقط.
وطبيعي أن يفكر المجلس العسكري في مصر، بهذه العقلية، لأن من شبّ على شيء شاب عليه. فمن يكون المجلس العسكري؟ ألم يكن جزء لا يتجزأ من نظام مبارك؟! ألم تتضخم كروش بعض قادته من الحسنات والمعونات الأمريكية على حساب الجماهير الكادحة من الشعب المصري، وعلى حساب سمعة مصر وتهميش دورها وعزلها عن محيطها وقضايا أمتها؟ الم يكن قائد أركان الجيش المصري في أمريكا عشية الثورة ثم عاد بعد ذلك؟
نعم التزم الجيش المصري الحياد ولم يشارك في المجازر ضد الشعب الأعزل. ولكن هل هذه منة يصح أن يمن بها المجلس العسكري على الشعب المصري، والكل يعرف أن هذا الأخير، هو الذي ضحى وناضل وقدّم الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين، بينما وقف المجلس العسكري مكتوف الأيدي. وهل هكذا يقوم المجلس العسكري بمجازاة الشعب المصري الذي، لم ينفك يشيد به ويتغنى بوطنيته، رغم سلبيته، في حقيقة الأمر. وما اللزوم للثورة إذن، إذا ظلت مصر الثورة، هي مصر حسني مبارك. وهل من أجل هذا كانت تضحيات الشعب المصري؟ على أن القضية أبعد من ذلك، فالقضية هي قضية محاولة تفريغ الثورة المصرية من مضمونها، وإعادة مصر إلى المربع الأول، والأصابع الأمريكية غير بعيدة عن هذا، بل أظنها تلعب من أول الأمر، لأن نجاح الثورة المصرية، في تحقيق أهدافها الخبيثة، يتعارض مع مصالحها، ومصالح ابنتها المدللة (إسرائيل)، ولأن ذلك قد يفرز نظاما قياديا، له طموحات للزعامة على الأمة، وهذا ما تخشاه أمريكا وإسرائيل. ولذلك فهما يعملان بكل خبث ودهاء لتفريغ الثورة المصرية من مضمونها، ولعل ذلك يتم من خلال المجلس العسكري. وإن تعثر الثورة المصرية عن تحقيق أهدافها حتى الآن قد انعكس على تعثر بقية الثورات العربية وطول أمدها. لأن أي ثورة شعبية عربية تحتاج إلى جهة خارجية قوية شقيقة أو صديقة تسندها وتحمي ظهرها من الطعنات الخلفية، ومن المكائد والمؤامرات. وكان ينتظر أن تلعب مصر الثورة هذا الدور كما لعبته مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
أحمد الظرافي