حسنين كرومالقاهرة – ‘القدس العربي’: انشغلت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد بعدة موضوعات أبرزها احتفالات انتصار أكتوبر، وكان لها طعم خاص هذه السنة، فقد اختفت المقالات والبرامج التي تركز على أن الضربة الجوية التي قادها مبارك هي التي منحت طريق النصر أمام القوات المسلحة، وتم التركيز على الأدوار التي أداها عدد من القادة العسكريين، وكانت أهم من دور مبارك، مثل الفريق محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي التي تصدت للطيران الإسرائيلي ورئيس هيئة الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، وصديقنا الفريق محمد أحمد صادق عندما كان قائدا للمخابرات الحربية، ودور فرق الاستطلاع التي كان يرسلها، بعد هزيمة يونيو الى داخل سيناء، وقيامها بعمليات قتالية وجمع المعلومات، وكانت مجلة أكتوبر منذ شهر، قد بدأت في تحقيقات لزميلنا محمد أمين نشر أجزاء من مذكرات الفريق صادق – عليه رحمة الله – وقدم لها رئيس التحرير زميلنا وصديقنا محسن حسنين، وطبعا لم يكن ممكنا نشرها دون موافقة من المخابرات الحربية كما ينص القانون على ذلك.
وقد فوجئت بالنشر، لأنني علمت منذ ثلاثة أشهر، أن ابن الفريق صادق قدم المذكرات للمخابرات ولم يكن وقتها قد حصل على الموافقة، وأراد زميلنا بـ’الأهرام’ عبده مباشر الاستعجال فأشار الى المذكرات في مقال له منذ شهر، وعبده كان صديقا مقرباً جدا لصادق، ومحررا عسكريا بارزا، وكنت قلقاً على عدم النشر أو تأجيله لأنني كنت قد بدأت في إعداد بعض ذكريات صادق وحال مرضه دون إكمالها – وأقول ذكريات – لا مذكرات، لأنها الأساس – أي المذكرات – المهم ان نشر ‘أكتوبر’ المذكرات يعني انه تم السماح لها بالظهور، ولا أعلم ان كانت ستكون كاملة أم سيتم حذف أجزاء منها قد ترى المخابرات الحربية ان أوامر الكشف عنها لم يحن بعد، وهذا من حقها، المهم أن التركيز لم يعد على مبارك، كما تم إبراز دور الرئيس الراحل أنور السادات، وهذا حقه رغم اي خلاف سياسي معه لأنه صاحب قرار الحرب، وقد ظهرت زوجته السيدة جيهان مع الإعلامي البارز معتز الدمرداش في برنامجه – مصر الجديدة – على قناة الحياة، وقد فوجئت بأنها لاتزال في كامل لياقتها السياسية والدبلوماسية، بالإضافة طبعا إلى جمالها، ولاحظت انها تبذل مجهودا خارقا للسيطرة على فرحتها الداخلية فيما حدث ويحدث لمبارك وزوجته وولديه وأركان نظامه – بحيث لا تظهر في كلامها أو تعبيرات وجهها، ومما قالته انها تعجبت من نزع صورة السادات من المقر الرئيسي للحزب الوطني رغم انه مؤسسه، وهو المقر الذي تم حرقه، وان معاش السادات عند اغتياله كان تسعمائة جنيه، فقط، وصل بعد ثلاثين سنة – أي الآن – الى أربعة آلاف جنيه، وانه لم يصرف له معاش العسكريين، وقدمت طلبا بذلك ولم تتم الاستجابة له، وانها اتصلت بسوزان، وقالت انها لها طلب منها لن تكرره وهو ان يوافق مبارك على صرف مكافأة نجمة سيناء للسادات – لأنه كان يضعها على صدره ويمنحها للقادة العسكريين، وبعد ذلك اتصل مكتبها بمكتب زكريا عزمي لسؤاله عما تم في الطلب فأخبرهم أن الرئيس يدرسه، ولم يتم فيه شيء.
ولما سألها معتز ان كانت قد جددت الطلب للمجلس العسكري، قالت انها قدمت الطلب للمشير طنطاوي، ولم يتم فيه شيء حتى الآن.
هذا وانشغلت الصحف بالتضارب في التصريحات بين وزير العمل الدكتور أحمد البرعي الذي أكد أن أموال التأمينات الاجتماعية أضاعها النظام السابق، بينما أكد وزير المالية الدكتور حازم الببلاوي انها في الحفظ والصون ومستغلة في مشروعات، ولا تزال التحركات السياسية للأحزاب لتشكيل تحالفات في الانتخابات تتصف بالسيولة والتغير، كما وافق المجلس العسكري على تقديم دعم مادي لأحزاب شباب الثورة بدفع تكاليف النشر عنها في الصحف كما ينص القانون ومساعدتها في ايجاد مقرات، وهي محاولة ذكية من المجلس لتأكيد انه ليس ضد شباب الثورة، وتأكيدات حزب الإخوان الحرية والعدالة أنه لن يرفع في الانتخابات شعار الإسلام هو الحل بسبب تحالفه مع أحزاب أخرى، واتهام الشاب السلفي محمد العجمي المفتي بأنه من منافقي نظام مبارك والفلول أثناء إلقائه خطبة الجمعة في مسجد الرحمة ببورسعيد، واستئناف جنايات الجيزة محاكمة المسؤولين عن موقعة الجمل.
وإلى شيء، من أشياء كثيرة عندنا:
مصر إلى أين: لا ارتاح إلى لفظ العسكروإلى تواصل المعارك دون هوادة، حول الموقف من المجلس العسكري والشكوك في انه يريد البقاء في الحكم مدة أطول الى أن يقوم بترتيب الأوضاع بحيث يكون له دور يختفي به وراء نصوص في الدستور الجديد، أو وراء أحزاب وقوى جديدة، وعودته لممارسة نفس الإجراءات التي كان نظام مبارك يمارسها خاصة بالنسبة لعودة تفعيل قانون الطوارىء ووضع قوانين مقيدة في الانتخابات والتراجع عنها تحت الضغط الشعبي، ووجود رقابة عسكرية غير مباشرة على الصحف، وتهديدات للفضائيات، بينما يرى آخرون أن قلة الخبرة السياسية لدى المجلس وراء ما يحدث من تضارب في القرارات، بالإضافة الى وجوده وسط موجات تعارض مطالب الأحزاب والقوى السياسية المختلفة والإضرابات والمطالب الفئوية، وتدهور الوضع الاقتصادي وخوفه من انهيار البلاد، وأنه لا يفكر في حكم عسكر ولا يحزنون، وهي عبارة قال عنها يوم الأربعاء زميلنا بـ’الأخبار’ وإمام الساخرين أحمد رجب، وجاءت في بابه اليومي الرائع – نص كلمة – ولوحظ أن الجريدة نقلته من مكانه في الصفحة الثانية، إلى الأولى، وقال فيه: ‘لا ارتاح إلى لفظ ‘العسكر’ الذي يستعمله البعض وهم يقصدون به العسكريين الذين بسطوا حمايتهم على ثورة الشعب في عبورهم الى الحرية، كما سبق لهم العبور بنا إلى نصر أكتوبر المجيد، أما العسكر فهي لفظة لا نستعملها إلا في عبارة فلكلورية هي ‘عسكر وحرامية’ فالعسكر هم الذين يتصدون للحرامية أما الحرامية فهم الذين يسكنون طرة’. اجراءات المجلس العسكري: السلبية والايجابيةويقصد سجن طرة بالقاهرة حيث العشرات من وزراء وقادة نظام مبارك، وإذا قلبنا صفحات ‘الأخبار’ حتى الواحدة والعشرين، سنجد فيها زميلنا وصديقنا ورئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال السابق، عبد القادر شهيب، وهو بالمناسبة يساري، وتزوج من ابنة المرحوم يوسف صديق عضو مجلس قيادة ثورة يوليو والذي لعب دورا كبيرا في نجاحها في اقتحام قيادة الجيش قبل الموعد المحدد له، واعتقال من فيه، وقد توفيــــت زوجـــته من حوالى عامين، شهيب قال: ‘لا أحد بالطبع ينكر حق البعض منا في الشك في نوايا المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو في إحساسهم بالمخاوف من أن يوجه المجلس مسار أحداث المرحلة الانتقالية بحيث تفضي الى استمراره قابضا على ناصية إدارة شـــــؤون البـــلاد، فهذا الإحساس الذي يجمع بين الشكوك والمخاوف أمر طبيعي لأن الحكم ظل منذ قيام ثورة يوليو في صورة أبناء القوات المسلحة، وأما بعضنا رغـــم مرور أكثر من نصف قرن فمازال يتذكر بوضوح أحداث مارس 1954 وكيف أصر أغلبــــية الضباط الأحرار على التمسك بناصية الحكم ولم يقبلوا عودتهم إلى الثكنات وإجراء الانتـــخابات.
كما أن الشكوك والمخاوف هي دائماً احدى العلامات المميزة للمراحل الانتقالية.
أعدى أعداء الذين يخشون حكم العسكر ويطالبون بحكم مدني هم أنفسهم، تصرفاتهم تدفع باتجاه إطالة الفترة الانتقالية، ومواقفهم تخلق رأياً عاما لتأييد الحكم العسكري باعتباره الأكثر حزماً لوقف الفوضى ومواجهة البلطجة.
وربما لو تذكر هؤلاء انه كان في مقدور الجيش القيام بانقلاب عسكري قبل 25 يناير لانتزاع السلطة وكانت الدوافع موجودة ولكنه لم يفعل لتأكدوا بعد ان تنتهي عملية تسليم السلطة أن العسكر انفسهم كانوا عازفين عن الحكم وأن رئيس مجلسهم الأعلى هو المشير كان مع الحكم المدني وضد الحكم العسكري’. الشك واليقين في نوايا المجلسوالثاني الذي كتب في نفس الصفحة كان زميلنا أحمد جلال وكان متأرجحاً ما بين الشك واليقين في نوايا المجلس لقوله: ‘ما نعرفه جميعاً أن قيادات المجلس العسكري لا ترغب في السلطة، وما نعلمه يقينا أن المجلس يريد الانتهاء من الفترة الانتقالية وتسليم الأمور لسلطة مدنية في أقرب وقت، خاصة وأن كل العقلاء وجميع المنصفين يقدرون ما قام به رجال الجيش منذ بداية الثورة وحتى الآن، ولكن ما كنا نتمناه أن يصدر المجلس قراراته بعد دراسة مستفيضة ومناقشات وافية مع كل القوى الوطنية، لكي لا تصدر القوانين ثم يتم تغييرها، وحتى لا يتهم أحد المجلس العسكري أن قراراته لا تساوي ثمن الحبر الذي كتب به، والأهم أن يظل المجلس على مسافة متساوية من الجميع، وأن تكون لقراراته قدسيتها واحترامها’. نظام الحكم في مصر: نصف عسكري ونصف مدنيومن هذه الفجوة نفد ببراعة زميلنا وصديقنا والمؤرخ ورئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال، حلمي النمنم، بأن قال شارحا الوضع التاريخي لما يسمى بحكم العسكر، في مجلة ‘المصور’: ‘يصعب أن نصنف نظام الحكم في مصر بعد 1954 أنه كان نظاما عسكريا، فعبد الناصر تحول إلى شخصية مدنية وخلع زيه ورتبته العسكرية هو وكل رفاقه، باستثناء المشير عبد الحكيم عامر. صحيح أنه كان نظام حكم يفتقد الديمقراطية السياسية وكان شموليا، لكنه لم يكن عسكريا بالمعنى المعروف، ولنتذكر مجموعة الأسماء المؤثرة في الحكم مثل سيد مرعي ومصطفى خليل وعزيز صدقي ومحمود فوزي وصدقي محمود وكلها شخصيات مدنية. أما في فترة السادات فإن مجموع سنوات خدمة السادات في الجيش أقل من ست سنوات متقطعة، أي مجند قضى مثلها بعد 1967، باختصار لم يقبل المصريون من قبل حكما عسكريا صرفا، وهناك وعود بمساعدات واستثمارات ضخمة من الولايات المتحدة بحوالي عشرة مليارات دولار ومعها كذلك الاتحاد الأوروبي، لكن هذه الاستثمارات لن تضخ ما لم تتم العملية الديمقراطية بقيام انتخابات نزيهة وشفافة وحكومة مدنية، أي ليست عسكرية ولا أصولية دينية هذا ليس شرط أو طلب الولايات المتحدة والدول الأوروبية فقط، بل هناك وعود باستثمارات قطرية تبلغ عشرة مليارات دولار وأخرى سعودية بحوالى خمسة مليارات دولار ولن تصل إلا في أعقاب قيام حكم مدني وديمقراطي ورجال المجلس العسكري أول من يعرف ذلك جيداً ولذا فهم الأحرص على سرعة العملية الديمقراطية، الوعود العربية لا تطلب ذلك حبا في الديمقراطية لذاتها ولكن رأس المال يريد مناخاً آمنا للعمل اي قوانين واضحة شفافة وحكم مدني مستقر.
وإذا كان الحال، على هذا النحو، فلماذا القلق ومن أين يأتي؟
القلق له أسبابه الموضوعية فهناك ما يمكن أن نسميه غياب الخبرة الكافية لدى أطراف الحكم الآن وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة في بعض المواقف، فضلا عن التردد بإزاء بعض الخطوات’. وهناك خطأ في صدقي محمود، الذي كان وزيرا للسد العالي وأشرف على عملية بنائه، وكان ضابطا مهندسا.
دعوة للخروج عن الصمتونتحول الى مجلة ‘روزاليوسف’ لنكون مع رئيس مجلس إدارتها زميلنا محمد جمال الدين ومطالبته الأغلبية الصامتة بالتحرك، بقوله: ‘ما أفرزته المرحلة الماضية خطير جداً، لأن امكانيات الوطن وظروفه الحالية تحتم علينا أن نقف جميعا ضد كل هذه الممارسات التي ستذهب بنا إلى طريق اللا عودة، وكفانا إثارة للأغلبية الصامتة التي أناشدها بضرورة أن تخرج من شرنقة الصمت، بدلاً من أن ننتظر النصيحة من قادة الرأي والنخب والسياسية لأنهم مشاركون في نفس الوطن، وحتى تستعيد مصر دورها في المنطقة الذي لن يتحقق إلا بالهدوء والتفكير السليم الذي لا بد ان يتبعه دوران عجلة العمل والانتاج لأن البديل سيكون ثورة هذه الأغلبية على الجميع’. انتقاد للعسكر لعدم اجراء حوارات مع القوى السياسيةونفس الموقف اتخذه في نفس اليوم – السبت – زميلنا في ‘المصري اليوم’ محمود مسلم، بقوله: ‘لام كثيرون المجلس العسكري على عدم إجرائه حوارات مع القوى السياسية، وعندما تحاور الفريق سامي عنان، وهو رجل يملك قدرات خاصة للانصات والاستماع للجميع، قامت الدنيا ولم تقعد، ولا أعرف كيف سيدعو المجلس العسكري القوى السياسية مرة أخرى ليضمن عدم تراجعهم عما يتفقون عليه، واقترح عليه أن من يذهب من رؤساء الأحزاب يكون معه تفويض مسجل في الشهر العقاري من كل أعضاء الجمعية العمومية، وأن يوقع على البيان المتفق عليه بالامضاء والبصمة، وبالتالي، نحن في أمس الحاجة لإجراء الانتخابات البرلمانية سريعاً حتى نعرف من الذي يتحدث باسم الشعب، بدلا من ان نسمع خمسة وثمانين مليونا يتحدثون باسمه’. تعديل المادة الخامسة من قانون الانتخاباتوأخيراً، إلى زميلنا وصديقنا محسن حسنين رئيس تحرير مجلة ‘أكتوبر’، الذي اندهش من الذين طالبوا بتعديل المادة الخامسة من قانون الانتخابات، وقال: ‘هذه المادة تصعيدا من وجهة نظري كانت إحدى الضمانات المهمة لعدم تزوير إرادة الناخبين، ، فقد كانت تحظر على أي مستقل بعد فوزه في الانتخابات أن ينضم لعضوية أي حزب، وإلا بطلت عضويته في البرلمان! فما ضمان عدم العودة للعبة القذرة حيث كان ترشح البعض للانتخابات على قائمته، والبعض الآخر يخوض الانتخابات مستقلا، وعندما يفوز المستقل ‘المزيف’، ينضم فوراً للحزب الوطني، وهو ما كان يمثل فساد وإفساداً سياسياً صارخاً وفاضحاً! لكن لأن الأحزاب الحالية بتمشي على سطر وبتسيب مائة سطر، فتدوس على المبادىء في سبيل مكاسب آنية ضيقة، فقد طالبت المجلس العسكري والحكومة بإلغاء المادة وعودة النظام القديم لتلعب الأحزاب نفس لعبة الحزب الوطني المنحل، والتي لم يكن لها من هدف إلا الضحك على الناخبين وتزييف إرادتهم’. هذا وقد أراد زميلنا وصديقنا الرسام الموهوب عمرو سليم مداعبة بعض زملائه برسم في ‘الشروق’ امس، عن كاتب في جريدة قومية يكتب نعم للمجلس العسكري وفوقه يافطة عن حكمة تقول، اللي يتجوز أمي أقوله ياعمي، واثنان من زملائه احدهما يقول للآخر: – ما يغركش شكله دلوقتي، من ثماني شهور بس كان بيكتب نعم لمبارك.
اتهام مبارك بإهانة المصريين أمام العالم لنومه على السرير في المحكمةوإلى مبارك وحركاته أثناء المحاكمة التي كاد أن يجن منها صديقنا والفقيه القانوني والمفكر الإسلامي الدكتور احمد كمال أبو المجد، فقال وهو يكاد يبكي من المهانة التي لحقت بمصر هي أمي وأمه، في حديث له بمجلة ‘آخر ساعة’، أجراه معه زميلنا محمد نور: ‘لم يعجبني أبدا أبدا أبداً أن يدخل الرئيس السابق في هذه المحاكمة التاريخية ‘مسجى’ نائماً على سرير بينما أعتقد بأنه كان قادراً على ان يجلس على كرسي متحرك وأن يقول كلامه بلهجة واثقة ويدافع عن نفسه كما يدافع عنه محاموه، فهذا أكرم لمصر وللرئيس السابق لمصر. ولا أدري أن شيطانا نصحه بهذا الأمر، عندما رأيته مرة واثنتين وثلاثا ‘مسجى’ شعرت بغض النظر عن موقفنا من كل مآسي النظام القديم أن مصر كلها تهان، وأقول ربما نصحه بهذا الأمر محام مبتدىء أو غير مبتدىء، فبئس النصيحة فقد أهان الرجل وأهان مصر كلها’. لا، لا، المحامي لم ينصح مبارك بالدخول الى القفص نائما على السرير، إنما هو يطبق نصيحة الشاعر العراقي معروف الرصافي الذي قال في احدى قصائده متهكماً على شعبه:
ياقوم، ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النوم.
هل ستختفي كلمة الضربة الجوية من المقالات؟
هذا على الرغم من أن مبارك كان معروفا عنه عدم قراءة أي كتب أو قصائد شعر، أما زميلنا وصديقنا بـ’الوفد’ والشاعر طارق يوسف، فقد استغل خياله ليقول يوم الأربعاء عن الكتابات احتفالا بانتصارات أكتوبر: ‘هل ستختفي كلمة الضربة الجوية من المقالات وتحل محلها كلمة أخرى تصف صاحبها بأن دوره كان هامشياً في حرب أكتوبر، وهل ستعود الحقــــوق إلى أصحابها بعد أن سلبـــت منهم ثلاثين عاماً، هل سيعود لجمـــال عبد الناصر الذي تحمل وزر النكسة عام 1967 حقه بأنه صاحب حرب الاستنزاف التي أرهقت العدو وكلفته كثيرا من الخسائر في المال والعتاد والخبز، وهل سيعود للرئيــــس الراحـــل أنور السادات حقه في حرب 73 الذي كان صاحب قرار الضربة الأولى، وهل من طالبــــوا برفع اسم حسني مبارك وصوره من جميع الميادين ومن المشروعات هل سيطالبون أيضـــاً برفـــع اسمه من تاريخ حرب أكتوبر بأنه ليس صاحب الضربة الجوية، وهل من أفتوا بأن الضربة الجوية هي التي حسمت المعركة في الدقائق الأولى لصالح مصر سيرددون نفس الكلام وصاحبها خلف القضــبان أم سيبحثون له عن خطأ أو جريمة ارتكبها اثناء الإعداد للحرب لتناسب الظرف الذي يعيش فيه الرئيس المخلوع؟’. صاحب الضربة سرق اموالناما شاء الله، ما شاء الله، عبد الناصر هكذا غير مسبوقة بخالد الذكر، ولو لاعتبارات الصداقة بيننا؟ المهم أن المشكلة ليست في اختفاء صاحب الضربة الجوية، إنما في اختفاء أموالنا التي أخذها صاحبها وطار بها الى بنوك الأوف شور، وعاد لينام على السرير في القفص، عملا بالمثل الشعبي، خدها الغراب وطار، وهو ما اهتمت به في نفس اليوم – الأربعاء – زميلتنا في ‘المصري اليوم’ مي عزام بقولها: ‘تحدث عدد من الصحف عن ‘علية البنداري’ ليس بصفتها رئيسة حركة ‘سوزان مبارك للمرأة والسلام’ لكن باعتبارها موضع ثقة آل مبارك وصديقة شخصية لـ’سوزان’ ومن الأشخاص الذين ساعدوا في غسيل أموال ‘مبارك’ وإخفائها عن طريق المنظمة التي كانت مجرد واجهة لتهريب أموال الأسرة وعدد من الشخصيات السياسية المهمة الأخرى، و’علية’ إن صح الاتهام الموجه إليها، مجرد قطعة من لوحة البازل المخيفة التي كتب عنها باستفاضة الصحافي البريطاني نيكولاس شاكسون وبعد سلسلة من تحقيقاته الاستقصائية المميزة، أصدر كتابا ترجمته الدكتورة فاطمة نصر بعنوان:’خرجت ولن تعود، مافيا إخفاء الأموال المنهوبة’. وليس أمامنا إلا أن نحتسب فلوسنا عند الله’. ربنا يطمنك يا شيخة، ويطمن مبارك وأولاده وأركان نظامه إلى انهم سينعمون بما أخذوه، وحسبنا الله ونعم الوكيل فيهم، وفي كل من سرقنا، وأن يشلهم أجمعين، قادر ياكريم.
طبيب مبارك الألماني: جسمه خال من السرطان ولكنه جبان يخاف من الموتويبدو أن دعواتنا غير مستجابة لأن صحة مبارك حديد، حسب شهادة ثانية لطبيبه الألماني بوشلر، الذي أدلى بتصريحات لزميلتنا ماجدة فهمي عند زيارتها لمدينة فرانكفورت حيث يقع مستشفى هايلبرغ، وقالت ماجدة في مجلة ‘الإذاعة والتليفزيون’: ‘انه أجرى جراحة ناجحة لمبارك الذي عانى من السرطان، وانه خرج من المستشفى معافى تماما، وان المتابعة بعد ذلك اثبتت خلو جسمه من أي أثار للأورام.
سألناه كيف كانت الحالة النفسية للرئيس المخلوع، فقال: ‘مبارك كان مريضاً من النوع الجبان جدا، وكان يخاف من الموت، رغم انني حاولت ان أخفف عنه، وأهون من تأثير المرض عليه خصوصا انني اكتشفت ان الموضوع تم التعتيم عليه وأن إدارة المستشفى نبهت على كل الطاقم الطبي عدم الإدلاء بأية تصريحات عن وضع الرئيس’. سألناه: هل وصلتك تهديدات بالقتل كما نشر حتى لا تأتي الى شرم الشيخ بناء على طلب المحامي فريد الديب، محامي المخلوع؟
فقال: لم تصلني أية تهديدات بالقتل، لكني عرفت ان ذلك نشر في الصحف المصرية، لذلك ارسلت تلغرافا الى السفارة المصرية وإلى المحامي فريد الديب عبر إدارة المستشفى، انني لا أجد أي مبرر لوجودي بجوار مبارك لأنه شفي تماما من مرضه، وهذا ما أصاب مبارك وأسرته بالإحباط، خصوصا انه قد وصلتني ايملات عديدة من محامي الرئيس السابق تطلب حضوري الى مستشفى شرم الشيخ لأن الرئيس يرقد دون عناية ودون علاج، وأن ذلك يعرض حياته للخطر، مما جعل إدارة المستشفى ترسل خطابا رسمياً بأن علاقتها انتهت بالمريض محمد حسني مبارك بعد شفائه’. وقالت ماجدة: ‘وهنا انتهى كلام بوشلر الذي يحسم كثيرا من الشائعات وحكايات التهديد بالقتل التي اثيرت في فترة وجود مبارك بالمستشفى والتي يعلم من روجوا لها انهم حاولوا خداع الرأي العام لإثارة التعاطف مع المخلوع’. مبارك لم يتأثر بوفاة حفيدهونظل مع الأطباء، وهذه المرة مع أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الدكتور احمد شوقي العقباوي، الذي نشرت له مجلة ‘الإذاعة والتليفزيون’ حديثا أجرته معه زميلتنا أميرة سعيد التي سألته: ‘- هل كان لوفاة حفيد مبارك تأثير نفسي عليه؟
قال: ‘في رأيي، لم يتأثر، وهذا شيء منطقي، فشخص عنده ثلاث وثمانون سنة لن يتأثر أبدا بقضية الحياة أو الموت، ولكنه كان مبالا اكثر للعزلة، لأنه لم يكن لديه مزاج يحكم، وهذا أعطى سلطات أكثر لزوجته وابنه جمال، لكن بشكل عام لم يتأثر ولم تؤثر فيه الفجيعة إنسانيا فمثلا لم يصبح اكثر حنانا على الناس، او اكثر تفهماً، وأكثر إدراكاً أن نهايتنا كلنا الموت، فإذا كان حفيدي بيموت، إذن أنا ايضا ممكن أن أموت، لكن الآلية النفسية التي نعيش بها، أن كل منا يتصور انه خالد ولن يموت، وللأسف، هذه هي المأساة في الإنسان’. عبد الناصر والنوبة والمطرب محمد منيروإلى شر البلية عندما يضحك، وهو ما وفره لنا مشكورا مأجورا على حسن كلامه المطرب محمد منير، عندما اتهم خالد الذكر اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، وتحول حسب الموضة الى مفكر ومحلل استراتيجي ووجه اللوم لعبد الناصر لأنه لم يقم باستعمار الدول العربية، واجتهد كثيرا في محاولة إخفاء تعاطفه مع مبارك، وذلك في حديث نشرته له مجلة ‘المصور’ في عددها قبل الماضي وأجرته معه زميلتنا أمينة الشريف، وقال فيه المسكين عن سبب كراهيته لخالد الذكر: ‘لأن عبد الناصر أكذوبة وضحك على الناس، ولم يفعل شيئاً طوال حكمة، يكفيه أنه فعل أسوأ شيء في تاريخ البشرية والإنسانية وهو تهجير أهل النوبة، واقتلاعهم من جذورهم وتاريخ بلاد النوبة لا يمكن محوه بقرار أو بجرة قلم أخرق، بعضهم سافر للخارج ومن تبقى منهم نقلهم للعيش في أسوان مع الصعايدة رغم الاختلاف الكبير بين الشعبين في النوبة وأسوان، وكل منهما له خصوصية لابد أن يحترمها الحاكم لكن لم يحترمها عبد الناصر، في حين ان السودان نجحت من جانبها في توطين أهل النوبة على النيل الذي يمثل سر الحياة عندهم.
المشكلة ان المفهوم السائد للأمن القومي خاطىء جدا وهو لا يتعدى المحافظات الحدودية لكن الأمن القومي أوسع وأعمق بكثير من ذلك ولو لم يكن هناك سد عال، لأصبح النوبيون جيراناً لسكان دارفور وما احتاج النظام طوال السنوات الماضية الى نشر قواته!
ولا أعرف لماذا يصرون على تخوين أهل النوبة.
صحيح أن فكرة مشروع تهجير أهل النوبة كان قديما ويعود إلى عام 1932 وربما الى بدايات القرن العشرين، لكن عبد الناصر بقلب بارد نفذه! والمشكلة أن هذا التهجير تكرر بعد ذلك في الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، لكن عندما انفتح الباب للاهتمام وإعادة البناء انصرفت المساعي والهمم الى الساحل الشمالي والذين استولوا على الأراضي حول بحيرة السد والتي كانت وطناً للنوبيين هم أنفسهم الذين استولوا على ملايين الأمتار هنا وهناك وفي الساحل الشمالي أيضاً.
عبد الناصر حصر الشعب المصري حول النيل رغم انه كان يجب عليه أن يستعمر دول الخليج وإفريقيا بملايين المصريين، أين نحن الآن من افريقيا التي نبحث عنها الآن.
وسئل: يقال إن مبارك كان يحبك، لماذا لم تستمر هذه العاطفة لصالح قضية النوبة؟
فقال – كان فعلاً يحبــــني، لكن أنا أرفض ذلك لأن النوبــــة قضية قومية بالدرجة الأولى وأنا بذلت مجهودات كثيرة باعتباري محمد منــير ابن أهل النوبة’.- أنا لم أغضب من مبارك ولا آراه مسؤولا بالدرجة الأولى عما حدث، ولكن ما عرفته عنه بعد ذلك من الجرائد أذهلني وصدمني’. أي أن عبد الناصر هو الذي بنى مارينا وغيرها وكان خطؤه عدم استعمار دول الخليج وما فيها من بترول، والغريب انه استبعد ليبيا رغم انها الأسهل في استعمارها’. عبد الناصر اولى اهتماما كبيرا بقضية تهجير اهالي النوبةأهذا منير؟ هذا مظلم، أو معتم، أما المنير فعلا واسماً فهو الدكتور ضياء الدين القوصي خبير المياه العالمي الذي نشرت له ‘الأهرام’ يوم السبت، قبل الماضي، أي بعد ثلاثة أيام من صدور ‘المصور’، مقالا وكأنه كان يؤدب به محمد مظلم، قال فيه:’لم أرصد اهتماماً للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بشأن من الشؤون الداخلية قدر اهتمامه بقضية تهجير أهالي النوبة من بلادهم عند إنشاء سد أسوان العالي، ذلك ان الرجل طلب من وزيرة الشؤون الاجتماعية في ذلك الوقت الدكتورة حكمت أبو زيد رحمها الله، ومن وزير الإسكان الدكتور أحمد محرم متعه الله بالصحة والعافية أن يبذلا قصارى جهدهما لتلبية مطالب هؤلاء المواطنين، وقد كنت مهندساً صغير السن حديث التخرج عندما كلفــــت بإعداد الأراضي المستصلحة التي ستوزع عليها لتعويضهم عن أراضيهم التي غمــــرتها مــياه بحيرة ناصر وشاهدت كيف كانت المساكن تبنى لهم على نفس مناسيب أراضيهم في بلاد النوبة وبنفس الاتجاه المقابل للشمس والرياح وعلى نفس درجات الحرارة وبنفس طريقة البناء التي تعتمد على الأقبية وارتفاع الأسقف والبناء بالحجر والتخفيج بمونة من الملاط الطيني وكانت كلها محاولات دائبة لكي لا يشعر هؤلاء المهجرون باللوعة والأسى على ترك موطنهم أو على الأقل أن يكون هذا الإحساس لديهم في أدنى درجاته.
وأذكر أيضاً أن أهالي النوبة كانوا جميعاً ممن يحترمون العمل مهما كان هذا العمل صغيرا وأن النسبة الغالبة منهم كانت لهم وظائفهم في العاصمة والمدن الكبرى وكانت المرأة النوبية هي التي تقوم على الزراعة بالإضافة الى مهامها المنزلية وتربية الأطفال. كما أذكر الرغبة العارمة للمجتمع النوبي في الانعزال والتقوقع حتى يمكن أن يقال إن الأسر النوبية يصعب أن تجد فيها أو معها أو وسطها من هم من غير أهالي النوبة، إلا أن وجود أهالي النوبة في مناطق التهجير في محافظتي قنا وأسوان، ربما غير و لو في نطاق ضيق هذه الثقافة الانفرادية والانعزالية، ذلك لأننا رأينا فيما بعد من أهالي النوبة رؤساء للمدن وأعضاء في المجالس المحلية والشعبية وجميعها مؤشرات على بعض الذوبان في النسيج المصري الفريد في تنوع ثقافاته ودياناته وطوائفه’. اهالي النوبة يطالبون بالعودة الى اراضيهمأدهشني أن أهل النوبة ومنهم من كان في النوبة المصرية ومنهم أيضاً من كان في النوبة السودانية يتكلمون جميعاً لغتهم الخاصة بهم وهي لغة تحدث فقط ولا يمكن كتابتها ولهم منتدياتهم الخاصة التي قلما وجدت فيها أحداً من غير أهالي النوبة. وقد علمت من بعض العالمين ببواطن الأمور وأظن أن ما قاله صحيح أن اللغة النوبية استخدمت كشفرة خلال حرب أكتوبر1973 مما صعب على الأعداء الصهاينة فكها ومعرفة أسرار وخفايا المعارك الحربية الدائرة.
لكني اندهشت عندما شاهدت بعض المواطنين الذين أشك في أنهم من النوبيين يتظاهرون أمام مبنى محافظة أسوان ويدمرون ويحرقون ويطلبون من المطالب ما لا قبل للمحافظ أو حتى من هم أرفع منه منصباً وأعلى قدراً أن يستجيبوا لها، ولن أتطرق الى العديد من المطالب التي لا أعلم عنها الكثير ولكني سأركز على مطلب واحد هو العودة الى الأراضي التي كانت أسرهم تعيش فيها قبل التهجير وأن تكون هذه الأراضي على ضفاف بحيرة السد العالي. وقد سبق أن انتقدت وانتقد معي الكثيرون من العالمين ببواطن الأمور أياً من الأنشطة التنموية على بحيرة ناصر بخلاف تنمية الثروة السمكية وربما إقامة مصانع الثلج اللازم لحفظ الأسماك أما ماعدا ذلك من الأنشطة فعندنا عليه من التحفظات ما يلي: ما أريد من إخـــــوتي أهل النوبة أن يعرفوه أن حياتهم قبل إنشاء السد العالي كانت على شواطىء نهـــــر متجدد الميـــاه، أما الآن فإن الماء في بحيرة ناصر يعتبر ماء ساكناً والفرق بين الحالتين كبــــير لأن التلوث في الحالة الأولى يتحرك لينتهي في البحر المتوسط حيث يتخلص منه البلاد والعباد أما الآن فإي تلوث يصيب مياه بحيرة ناصر سيتراكم يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر حتى نصل الى الحد الذي يصبح الماء في هذه البحيرة غير صالح للاستهلاك الآدمي’.