المجلس الوزاري وقيادة الجيش يفضلون أن ينتهي القتال رغم أنهم لا يقولون ذلك

حجم الخط
0

صباح أمس دخلت قوة من لواء المظليين لتمشيط منزل في قرية خزاعة، شرقي مدينة خانيونس. قائد الطاقم، الملازم باز الياهو من كيبوتس عفرون، تحرك على رأس القوة مع رجل اتصالاته، العريف أول لي مات من ايلات، ومطلق النار، العريف أول شاحر روبين من كيبوتس جينجر. عندما اقترب الطاقم من المنزل، استخدمت نحوه عبوة ناسفة كبيرة نثرت أيضا شظايا كروية نحو المظليين. فقتل ثلاثة من رجال خلية رأس الحربة من شدة الانفجار. واصيب سبعة مظليين آخرين، من طاقم مارس 13. وضع أحد الجرحى خطير جدا.
الحادثة في خزاعة، وهي الحدث الاقسى في اليوم السادس من العملية البرية في حملة «الجرف الصامد» تعكس طبيعة القتال الجاري الان في القطاع. فالقوات تتقدم ببطء نسبي، تمشط اهدافا استخبارية وتفتش عن الانفاق الهجومية – وهو النشاط الذي يعطي حتى الان نتائج طيبة. ويبذل الفلسطينيون جهدا واضحا كي يفاجئوا وحدات الجيش في خطوط الاتصال الطويلة، من خلال تفعيل العبوات، اطلاق صواريخ مضادات الدبابات ونار القناصة. حتى الان قتل في العملية 32 ضابطا وجنديا؛ جندي آخر لا يزال يعتبر مفقودا. اما الخسائر الفلسطينية فتقدر بـ 700 قتيل، أكثر من نصفهم مدنيون.
يعمل الجيش الاسرائيلي الان بعدوانية اشد في القطاع، في ضوء التهديد الذي يحدق بحياة الجنود في المنطقة المكتظة. وألقى سلاح الجو أول أمس 120 قذيفة، كل واحدة منها بوزن طن، على مواقع وقيادات لحماس في حي الشجاعية، الذي هرب معظم سكانه بسبب المعارك. وأمس قصف المستشفى المجاور «الوفاء» بعد حالات متكررة من اطلاق النار على قوات الجيش الاسرائيلي. في شرق خانيونس، في اعقاب الحادثة مع المظليين، اطلقت نار ثقيلة وبلغ عن عشرات الفلسطينيين القتلى. ولا تبلغ السلطات في القطاع من هو من بين القتلى كان مدنيا ومن هو نشيط في الاذرع العسكرية لمنظمات الارهاب.
الى جانب ذلك، يواصل الجيش البحث والعثور والهدم للانفاق الهجومية المؤدية الى اسرائيل، في أطراف القطاع. وبتقدير الجيش، فان معالجة جذرية للانفاق كفيلة بان تستغرق حتى اسبوعين، ولكن ليس مؤكدا أن يكون هذا الزمن تحت تصرفه. وفي هذه الاثناء فان القوات لا تتقدم الى عمق المنطقة بسبب التركيز على معالجة الانفاق. وهذا يعني ان الخط الذي ينتشر فيه الجيش الاسرائيلي في القطاع ثابت نسبيا – ومن شأنه أن يخلف احيانا نقاط ضعف لمزيد من الهجمات من جانب حماس.

حسم نتنياهو وضيف

بينما يستمر القتال، لا توجد في هذه الاثناء مؤشرات واضحة على تقدم سياسي حقيقي، رغم القطار الجوي من المسؤولين الاجانب الذين يصلون الى المنطقة. عمليا، تشاهد اسرائيل وهي واقفة جانبا تقريبا الاتصالات التي بين مصر وحماس. والمرونة المصرية بالنسبة لمطلب حماس فتح معبر رفح كفيلة بان تكون المفتاح لتحقيق وقف النار. ومع أن لا المجلس الوزاري ولا قيادة الجيش في اسرائيل يقولون هذا صراحة، واضح أنهم يفضلون ان ينتهي القتال منذ الان. اذا استسلمت حماس للضغوط التي تمارس عليها، حتى ولو على وقف نار انساني طويل تأتي بعدها مفاوضات اخرى، فمن المتوقع الا تعارض اسرائيل ايضا ذلك. وسيسر الجيش الاسرائيلي اذا ما سمحوا له بعدة ايام اخرى كي يمشط ويدمر الانفاق على مقربة من الجدار، ولكن الجيش لا يمارس ضغطا على القيادة السياسية لتوسيع الحملة بشكل واضح.
اذا كانت هذه المعطيات تشير ظاهرا الى احتمال عال نسبيا لوقف النار، هناك جانبان آخران يعقدان الوضع: الاول يتعلق بالمصاعب السياسية الداخلية لرئيس الوزراء نتنياهو. والثاني – يتعلق بنهج حماس وبالاساس باعتبارات رئيس ذراعها العسكري، محمد ضيف. وحتى في الاسابيع التي يضفي فيها نتنياهو على نفسه سيما القائد الذي يقود حربا، فانه لا يزال سياسيا يبالي بحسابات الربح والخسارة الانتخابية. يخيل أنه يفهم جيدا بان هذه المعركة هي مدخل لهزات كبيرة.
في هذه اللحظة نجد أن الدعم الجماهيري لسياسة الحكومة وبالتأكيد لعمل الجيش الاسرائيلي جارف. ولكن في نظر الكثيرين سيكون التوقف الان تسليما بالتعادل، إن لم يكن الخسارة بالنقاط. وهذه مشكلة عويصة من ناحية نتنياهو، الذي من شأنه في ظروف معينة أن يجد نفسه في وضع ايهود اولمرت في 2006.
اما بالنسبة لضيف، يبدو أن الرجل خرج في بداية تموز لمعركة حياته. حماس تدير هنا كفاحا لتحرير القطاع من الحصار (فيما أن العنوان للتسهيلات، بشكل مفعم بالمفارقة، هو بالذات مصر). ليس مؤكدا على الاطلاق ان تكون حماس مستعدة لان تكتفي بأقل من ذلك بكثير، رغم الضربات التي تلقتها. وينشأ الاشتباه بان اسرائيل لم تستوعب في الوقت المناسب الانعطافة التي أخذتها حماس – وعلقت في الطريق الى مفاجأة استراتيجية، في قضية الانفاق الهجومية. وحتى لو توصلت اسرائيل الى الاستنتاج بانه يجب انهاء المواجهة العسكرية بالسرعة الممكنة، فانها ملزمة بالاستعداد لامكانية ان تختار قيادة حماس مواصلة القتال، رغم الثمن. في مثل هذه الحالة، ورغم المخاطرة بالخسائر، على الجيش الاسرائيلي أن يكون جاهزا لخطوة حاسمة، حتى لو كان يفضل الا يستخدمها.
في ميزان انجازات الجيش يحصي حتى الان كشف العديد من الانفاق والمس، من خلالها، بمشروع حماس العزيز. لا ينبغي أيضا أن نتجاهل الضربة للعديد من نشطاء حماس، قيادات المنظمة ووسائلها القتالية.
في المجال الدفاعي، فان الخليط بين «القبة الحديدية» ومستوى المسؤولية العالية التي أبداها المواطنون ادى الى الحد الادنى من الخسائر في الارواح (ثلاثة قتلى، بينهم واحد أمس)، رغم اطلاق اكثر من 2.000 صاروخ (في حرب لبنان الثانية اطلق 4.200 صاروخ وقتل 54 مواطنا وجنديا (هكذا يذكر هرئيل مع ان العدد قد يكون 154 وليس 54 – المصدر)). كل هذه الأمور معا يفترض بها ان تثبت الردع تجاه حماس. والخليط بين الردع الاسرائيلي، الذي يعتمد على الدمار المحيطي الكبير في القطاع والضرر الاقتصادي للسكان، مع الاتفاق الذي تكون فيه تسهيلات لحماس ايضا، يفترض بهذا الخليط ظاهرا أن يؤثر على طول فترة الهدوء ما بعد القتال. في المرة السابقة، بعد حملة «عمود السحاب» في تشرين الثاني 2012، صمد الهدوء سنة وسبعة اشهر.

الحدود مرة اخرى قابلة للاختراق

ولكن هذه النتيجة متعلقة ايضا بالشكل الذي تدرك فيه حماس المعركة. وهنا، المنظمة هي الاخرى تسجل لنفسها حاليا انجازات لا بأس بها. فوقف الرحلات الجوية الاجنبية لمطار بن غوريون قد يكون أهمها، حتى لو كان حصل بسبب حدث شبه هامش، اصابة صاروخ لم يلحق أي اصابة بالارواح في بلدة يهود. ولكن لا ينبغي الاستخفاف ايضا بالضرر الاقتصادي وبالاثار النفسية لنار الصواريخ على الجبهة الداخلية على مدى اسبوعين ونصف على التوالي، في هذه اللحظة دون موعد نهاية منظور للعيان.
اذا كان الاغلاق الجزئي لمطار بن غوريون هو تطور مقلق، تشغل البال بقدر لا يقل عنه قضية الانفاق الهجومية. والان بات واضحا بان حماس، المنظمة الصغيرة مقارنة بالقوة العسكرية العظمى لاسرائيل، رتبت لنا هنا مفاجأة كبرى.
فالقوات العاملة الان في قطاع غزة تبلغ عن استخبارات فائقة تقدمها شعبة الاستخبارات «امان» وجهاز المخابرات «الشاباك» قادرة على أن تشير بدقة جمة الى كل فوهة نفق صغيرة. ومع ذلك، فان الصورة العامة للتهديد لم تكن واضحة حتى قبل اسبوع للجمهور، بل وليس لكل اعضاء المجلس الوزاري. وآخذ في الاتضاح بان حماس أعدت خطة فتاكة ليوم الامر.
كل نفق هجومي أدى الى مقربة من كيبوتس قرب الجدار، واستخدام الانفاق كان سيسمح لحماس بان تهاجم بالتوازي قرابة عشرة كيبوتسات، تنفذ مذبحة جماعية وتختطف رهائن، كخطوة بدء للحرب. هذه خطة موازية في تركيبتها للعمليات الكبرى التي تنفذها القاعدة وفروعها في آسيا وفي افريقيا. وجاءت الخطوة البرية المحدودة لتحبطها، ولكن حتى هكذا نجحت أربع خلايا من القوة الخاصة لحماس في اجتياز الجدار والعمل في الاراضي الاسرائيلية. احبطت عمليتان، وفي اثنتين اخريين قتل ستة جنود من الجيش الاسرائيلي.
يمكن الادعاء مثلما يعرضون ذلك في جهاز الامن بان الذخائر الاستراتيجية التي أعدتها حماس اصيبت دون أن تنجح المنظمة في قتل مدنيين اسرائيليين. ولكن السطر الاخير مقلق: كشف الانفاق يهز احساس الامن لدى سكان غلاف غزة، الذين يشتكون منذ سنوات من اصوات الحفر التي تسمع في الليالي. في المرة الاولى منذ السبعينيات اصبحت حدود اسرائيلية قابلة للتسلل، رغم منظومة متفرعة من الامن الجاري التي يستثمر في تفعيلها مئات ملايين الشواكل في السنة. هذا أيضا ضرر يتعين على نتنياهو أن يأخذه بالحسبان في للحملة، بينما يفكر باستمرار العملية التي كان – مثل كل كبار الرجالات حوله – يفضل الامتناع عنها.

هآرتس 24/7/2014

عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية