المحارب الأزتيكي

حجم الخط
0

المحارب الأزتيكي

زكي الأسطةالمحارب الأزتيكيكان صباحاً بارداً من صباحات اسكوتلندا التي تغلف فيها غلالة رقيقة من الضباب معظم ما تنظر إليه، وتزداد كثافة تلك الغلالة مع امـتـداد بـصـرك علي المرئيات البعيدة ثابتة ً كانت أم متحركة كالأشجار والسيارات والمارّة والجبال. كنت أغذ ّ السير، وأنا أغلق بيدي اليسري ياقة معطفي، في ممر ضيق نسبيّاً تحيط به الأشجار من الجانبين ويؤدي إلي متحف من متاحف الفنّ، وأتأمل خطواتي شبه المسرعة علي إسمنت الممرّ الذي كانت مياه الأمطار قد غسلته ذلك الصباح.علي الرغم من برودة الطقس كان إحساس بمتعة غامضة ينتابني وأنا أقترب شيئاً فشيئاً من ذلك المتحف الذي كان عبارة عن مبني ضخم أقرب في شكله إلي أشكال الكاتدرائيات الكبيرة. دخلت، ورحت أنظر حولي في هدوء لأختار البقعة التي أنوي البدء بها. لفتت أنظاري عـند المـدخـل منحوتات خشبية لشخصيات تذكّرك بسحرة قبائل الهنود الحمر أو بشعب الأزتيك الذي عاش في المكسيك في القرن السادس عشر. وقفت أمام إحدي تلك المنحوتات الخشبية وكانت عبارة عن تمثال خشبي لمحارب يحمل في يده اليمني سكيناً طويلة حمراء اللون لتعطي الانطباع بأنها مدمّاة، فيما كان يحمل في يده اليسري قلباً بشريا ويمدّها إلي الأعلي وكأنه يقدّم هذا القلب إلي السماء أو إلي إله في السماء. ولم يخب حدسي فقد ذكرت لوحة تعريفية أمام ذلك التمثال أنه تمثال محارب أزتيكي، وأن شعب الأزتيك كانوا بـُـناة ً مَهـَرَة ً تفنـّـنـوا في بناء القصور والمعابد التي كانوا يعبدون فيها عدداً من الآلهة، وكانوا يقدّمون الأضاحي البشرية من أسراهم في الحروب لأحد تلك الآلهة عن طريق استخراج قلب الأسير من صدره وهو لا يزال علي قيد الحياة. سـَـرَتْ قشعريرة باردة في جسدي وتساءلتُ في قرارة نفسي كيف تأتـّي لذلك الشعب أن يحقق حضارة متقدمة جداً آنذاك وهو علي ذلك القدر من البربرية الوحشية، وكيف يمكن للحضارة والبربرية أن يجتمعا معاً ! تابعتُ تجوالي في المتحف وصعدتُ إلي الطابق الثاني لأنعمَ النظر في لوحات كبيرة لفنانين من عصور مختلفة، ومع ذلك أحسست بطريقة أو بأخري أنني كنت تحت هيمنة روح ذلك المحارب الأزتيكي الشرس.بعد قرابة ساعتين من تأمل تلك اللوحات وإطالة الوقوف أمام بعضها وكأنني أستنطق الخطوط والألوان عمّن رسمها وكيف عاش وماذا جال في مخيلته حين أمسك الريشة ليرسمها، أحسست برغبة قوية في تدخين لفافة تبغ فقررت الخروج من المتحف لتدخين اللفافة ثم العودة لمتابعة تأمل لوحات أخري. عند باب المتحف من الداخل سمعت ضحكات ٍ وقهقهات ٍ تنبعث من غرفة إلي يسار الباب، ورأيت عدداً من الأطفال يخرجون من تلك الغرفة مع أمهاتهم وآبائهم وهم في غاية البـِـشـر والحبور، فيما كانت ضحكات أخري لا تزال تنبعث من داخل تلك الغرفة، فقررت أن أكتشف السرّ بعد تدخين لفافتي. لدي عودتي إلي المتحف، علمتُ أن تلك الغرفة كانت غرفة مرايا مُـحدَّبة ومـُـقـعـَّـرَة بحيث يري الناظر إليـهـا نفسه في أشكال مضحكة فهو إما بدين وقزم للغاية أو نحيل كأعواد القصب وطويل إلي حدّ ٍ غير معقول. دخلتُ الغرفة ونظرت إلي أولي المرايا فرأيتها مرآة عادية مُـسـطـَّـحـَة وكان شكلي فيها عادياً. نظرت إلي وجهي ولاحظت أن الريح في الخارج كانت قد عبثت بشعري وأنه في حاجة إلي تسريح. ولدهشتي الكبيرة رأيت شكلي في المرآة يمدّ يده إلي جيب ٍ داخليّ ٍ ويُخرج مشطاً ويسرّح شـَعـْرَهُ في المنطقة التي كانت تحتاج إلي تسريح من شعري في المرآة. وانتابني ذهول ٌ لا يوصَـف. كيف استطاع شكلي في المرآة أن يقرأ أفكاري ويعلم َ أنني كنت أفكر في تسريح شعري وفي تلك المنطقة بالذات من رأسي؟ وكيف تأتـّي له أن يعرف أين أضع المشط تماماً في جيب سترتي الداخلي؟؟ وكيف تحركتْ يده وقامت بكل ذلك حتي استقام شكلُ شـَعـْري فعلا ً في المرآة دون أن أحرّك ساكناً ؟؟ أكانت هذه المرآة ُ مرآة ً سحرية؟؟ لكنهم لم يذكروا ذلك في اللوحة المعلقة علي باب غرفة المرايا، وكل ما جاء في تلك اللوحة أن هنالك مرايا مقعرة ومحدبة في الداخل تريك نفسك في أشكال مضحكة للغاية، ولو كانت هنالك مرآة سحرية لها هذه المقدرة علي قراءة الأفكار وتنفيذها لانتشر الخبر في اسكوتلندا كلها بل في العالم، ولتهافت العلماء والفضوليون عـلـيـهـا بأعداد مرعـبة. إذن، كيف حدث ذلك؟ وفي غمرة انهماكي في التساؤل والذهول، رأيت شكلي في المرآة يُصلحُ من هندامه علي عجل ويترك الغرفة تاركا بابها مفتوحاً، ورأيته من المرآة يـغـادر المتحف ويتوجه إلي سيارة أجرة سوداء. وبـعـد دقـائق وقبل أن تتحرك السيارة به رأيته يفتح بابها ويخرج مسرعاً إلي غابة قريبة، ثم اختفي المشهد في المرآة. نظرت ثانية ً، فرأيت شكلي ينظر إليّ في ذهول وكانت الريح قد عبثتْ بشعره علي ما يبدو. هذا أنا إذن، ومددتُ يدي إلي المشط في جيب سترتي الداخلي وحين قـُـمـْـتُ بتسريح شعري رأيت شكلي في المرآة لا يزال يحدّق فـيَّ بذهـول. سـرّحـْتُ شـعـري علي عجل دون أن يتحرك شكلي في المرآة وخرجتُ مـسـرعاً من غرفة المرايا ومن المتحف كله. رأيت سـيارة الأجرة الـسـوداء التي كنت قد رأيت شكلي في المرآة يـسـتـقـلـّهـا، ورغبتُ في معرفة الـسـبب الذي حدا به إلي الفرار منها. ففتحت بـابـهـا ودخـلتُ، وما أن اسـتـويتُ علي الـمـقـعـد حتي رأيت شخصاً آخر يشاطرني تلك السيارة ويجلس إزائي، وكان هذا الشخص هو المحارب الأزتيكي الذي رأيت تمثاله الـخـشـبـيّ في المتحف بَـيـْدَ أنـه كان من لحـم ودم ٍ هـذه الـمـرّة. بعـد دقـائق، فتحتُ الباب علي عجل وانطلقتُ إلي غابة قريبة من المتحف، وفـيما كنتُ أنطلق في الغـابة سـمعـتُ صفارات سيارات الشرطة تدوّي في المكان، ورأيت أعداداً من رجال الشرطة والكلاب البوليسية تحيط بي من كل الجهات، ثم أمـَرَنـي أحد رجـال الشرطة أن أرمي السكين من يدي، وحين امـتـثـلـْـتُ لـذلك الأمـر اقتربوا مني وألقوا القبض عـليّ وواجهوا صـعوبة بالـغـة في إرغامي علي سـَحـْـبِ يدي الـيـسـري من داخـل سـتـرتـي وفـَتـْـحـِـهـا لانـتـزاع قلب ذلك المحارب الأزتـيـكي منها.كاتب من فلسطين يقيم في لندن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية