المحافظون الجدد فشلوا في العراق.. وامريكا ستواجه كارثة عالمية بعد انسحابها
فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ يتخلي عن دعم استخدام القوة لنشر الديمقراطية:المحافظون الجدد فشلوا في العراق.. وامريكا ستواجه كارثة عالمية بعد انسحابهالندن ـ القدس العربي :اعاد المحافظون الجدد جدولة اولوياتهم بعد الانتصار الحاسم الذي حققته حركة المقاومة الاسلامية حماس في الانتخابات الفلسطينية الشهر الماضي، في الوقت الذي اجبرتهم الاحداث المتصاعدة في العراق منذ احتلاله قبل ثلاثة اعوام علي اعادة النظر باستراتيجية نشر الديمقراطية في العالم العربي. ومنذ بداية الغزو للعراق في اذار (مارس) 2003 وحتي اليوم يشعر المحافظون الجدد الذين يؤثرون علي ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش بانهم بحاجة الي مراجعة استراتيجيتهم، بعد فشل المشروع العراقي. وفي هذا السياق وضع فرانسيس فوكوياما، الاكاديمي المرتبط بهذا التيار، والذي بدأ بانتقاده الماضي كتابا يحمل عنوان المحافظون الجدد نيوكون : امريكا علي مفترق طرق ، حيث يقول انه مع اقتراب الذكري الثالثة للغزو، فالتاريخ لن يكون رحيما مع فكرة التدخل العسكري لنشر الديمقراطية كما فعل المحافظون الجدد في العراق. ويقول فوكوياما ان المحافظين الجدد داخل وخارج الادارة الامريكية هم الذين دفعوا باتجاه غزو العراق وتغيير النظام فيه، وكانوا الصوت الواضح وراء اقناع بوش باستخدام القوة العسكرية لنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط وتغيير الانظمة فيها. ويعتقد فوكوياما ان هذه الافكار المثالية هي التي ستتعرض للتهديد في الايام والاعوام القادمة. ويقول فوكوياما ان تراجع امريكا عن المسرح السياسي الدولي، بعد تخفيض عدد قواتها في العراق سيكون مصيبة، لان التأثير والقوة الامريكية كانتا حيويتين من اجل الحرية ودعم الديمقراطية في العالم.ويري فوكوياما ان مشكلة المحافظين الجدد وفكرتهم ليست لها علاقة بنهاياتها ونتائجها ولكن بالتركيز الشديد علي القوة العسكرية ودورها لتحقيق هذه النتائج. وما تحتاجه السياسة الامريكية ليس عودة الي المفهوم التبسيطي، الواقعية ولكن واقعية ويلسونية نسبة الي وودرو ويلسون، التي تقوم بربط البدايات بالنهايات. ويتساءل فوكوياما عن الطريقة التي ينتهي فيها الطموح الذي حمله المحافظون الجدد بشكل هدد افكارهم، وكيف ادي بهذه المجموعة المهمة للقول ان جذور الارهاب موجودة في الشرق الاوسط وان الديمقراطية ستتقدم في العراق بسرعة، وان امريكا لديها القدرة علي انجاح المشروع. ويعتقد ان المحافظين الجدد لم يكونوا ليتخذوا مثل هذه المواقف لو لم تنته الحرب الباردة. فالطريقة التي انتهت بها هذه الحرب ادت الي تشكيل مؤيدي غزو العراق عبر مسارين، الاول اشار الي ان النهاية السريعة للشيوعية تعطي املا ان كل الانظمة الشمولية فارغة ويمكن الاطاحة بها وانهاؤها بهزة خفيفة، وهذا المفهوم يشرح فشل ادارة بوش في اعداد الخطط اللازمة لفترة ما بعد غزو العراق واساءة تقدير قوة وكفاءة المقاومة. ويبدو ان المحافظين الجدد كانوا يعتقدون ان الديمقراطية هي وضع قابل للاسترداد حالة انهيار او غياب الانظمة القمعية، عوضا عن الاعتماد علي اجراءات طويلة المدي تقوم علي بناء المؤسسات الديمقراطية وعمليات الاصلاح الداخلي. ويعلن هنا فوكوياما انشقاقه عن المحافظين الجدد، بقوله المحافظون الجدد، كرمز سياسي، ومجموعة من الافكار تطور الي شيء لم يعد باستطاعتي دعمه . ويتهم فوكوياما، الادارة الامريكية وداعميها من المحافظين الجدد باساءة تقدير ردة الفعل الدولية حالة قيام امريكا باستخدام قوتها، مشيرا الي ان استعراض القوة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة صار امرا غير مقبول، ومعقد اكثر من تعقيداته اثناء الحرب الباردة. مع ان عددا من كتاب المحافظين الجدد قالوا ان واشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق قد تستخدم قوتها او هامشا منها لتأكيد نوع من السيادة الخيرية علي بقية العالم، ومحاولة التصدي للدول التي اصبحت تعرف بالدول المارقة، ومعالجة ملف اسلحة الدمار الشامل. ومع انه يسخر من فكرة سيادة او تسيد مدفوع بعمل الخير، الا انه يري ان علاقة امريكا مع بقية العالم تغيرت قبل فترة طويلة من غزو العراق، فتوازن التأثير والسيادة في العالم صار يصب في صالح امريكا حيث تفوقت امريكا علي بقية العالم في كل شيء. وهناك اسباب اخري جعلت العالم لا يدعم التفوق الامريكي وتدخله، وجاء هذا من فكرة ان امريكا لديها القدرة علي استخدام القوة، بدون مساعدة حلفائها، لانها اكثر خيرية وتمثل معسكر الخير. ومع فكرة الخيرية هذه ترتبط فكرة نشر الديمقراطية. فمع ان عددا كبيرا من الامريكيين يريدون انجاح مشروع اعمار العراق الا ان الفوضي التي طبعت فترة ما بعد الغزو، قللت من شهية الامريكيين لتدخل جديد، فالامريكيون في داخلهم، حسبما يقول فوكوياما ليسوا امبرياليين. ومع هذا فالتسيد الخيري هذا ليس عن النية ولكن عن القدرة، فالنقد الشديد الذي شنه حلفاء امريكيون في اوروبا لم يقم ان واشنطن تجاوزت الامم المتحدة ولكن لانها لم تقدم التبرير الصحيح الذي اقامت عليه حالة الحرب. ويعتقد ان التقدير الفادح كان تأكيد واشنطن علي ان التهديد الاكبر لامريكا يأتي من الاصولية الاسلامية. ويعترف فوكويوما ان لحظة المحافظين الجدد قد مرت وانتهت، وان هناك حاجة الي اضفاء بعد مفهومي لسياستها الخارجية. ولتحقيق هذا، دعا الي نزع السلاح عن الحرب التي اطلق عليها اسم الحرب علي الارهاب، والتركيز علي ادوات السياسة والتخطيط، مشيرا الي ان امريكا تقود حربا ضد مقاتلين في العراق وافغانستان، اضافة لحرب عالمية ضد الارهاب وامريكا والحالة هذه بحاجة الي الانتصار، ولكن الحرب هي ابعد من التحدي الاوسع، والتصدي للجهاديين يجب ان لا يعتمد علي القوة العسكرية ولكن الاجماع السياسي في قلوب وعقول ملايين المسلمين في اوروبا وامريكا واماكن اخري من العالم. وكما تظهر الاحداث الاخيرة في فرنسا والدنمارك فاوروبا ستكون ساحة الحرب. واكد فوكويوما ان امريكا بحاجة لتشكيل تحالف احسن من تحالف الدول الراضية او المستعدة، خاصة انه لا يوجد مركز للاجماع الدولي، قادر علي اضفاء شرعية علي الفعل الجماعي الدولي. وانتقد هنا الامم المتحدة التي قال انها تقوم ببعض الاعمال المفيدة الا انها تفتقد الفعالية فيما يتعلق بالقضايا الامنية الجادة. ودعا الي استبدال الامم المتحدة بقوة عالم متعدد متعدد ، تتداخل فيه مؤسساته وتتنافس. اما الامر الاخر الذي يجب ان يعاد النظر فيه، وهو موقع الديمقراطية في السياسة الخارجية الامريكية، فالميراث الاسوأ من العراق سيكون رد الفعل العادي للمحافظين الجدد ونظرتهم لنشر الديمقراطية، او العودة الي مفهوم الواقعية وعزلة امريكا التي تتمسك بالواقعية والحفاظ علي الوضع القائم حتي مع الانظمة الشمولية. ومن هنا، فهناك حاجة الي رؤية ويلسون الرئيس الامريكي الذي اكد علي ضرورة اقامة علاقة متوازنة بين الراعي والرعية، وحتي ينجح هذا المفهوم فهناك حاجة لتضمينه رؤية واقعية كانت غائبة عن سياسة بوش وادارته، خاصة في الفترة الاولي التي شهدت تسيدا واضحا للمحافظين الجدد. فنشر الديمقراطية والاصلاح لا يعتبر حلا لمشكلتي الارهاب والجهاديين، فالراديكالية الاسلامية تظهر من خلال فقدان الهوية او نتيجة عنها والتي ترافق عادة عمليات التحول والتحديث. فديمقراطية اكثر، تعني عزلة اكبر، وارهابا وتطرفا، كما ان مشاركة سياسية واسعة من الاسلاميين قابلة للحدوث مهما حاولنا منع ذلك، مما يعني ان هذه هي الطريقة الوحيدة التي سيدخل فيها سم التطرف الاسلامي جسد المجتمعات الاسلامية. مشيرا الي ان العصر او الزمن الذي كان بامكان الحاكم الديكتاتوري حكم شعبه المستسلم له قد ولي بلا عودة. واكد فوكوياما ان واشنطن بدأت وبحذر الابتعاد عن ارثها السابق الذي راكمته اثناء فترتها الاولي، والطريقة التي ادارت فيها الملفين الايراني والكوري دليل علي هذا التحول، ولكنه يري ان ارث الولاية الاولي ودور المحافظين الجدد فيها سيظل بعد ان ادي الي انقسام وقطبية في وجهات النظر، مما يعني ان ظهور حوار عقلاني حول الموازنة بين المنظور الامريكي ومصالحه، صعب جدا، ما تحتاجه واشنطن الان افكارا جديدة تتعلق بعلاقة امريكا ونسبتها للعالم، افكار تحافظ علي دفاع المحافظين الجدد عن فكرة عالمية حقوق الانسان ولكن بدون الايمان بامكانية تحقيقها عبر القوة العسكرية وتغيير الانظمة وخداع السيادة الامريكية.
mostread1000001