المحاكاة الساخرة في النظرية الأدبية: من باختين إلى كريستيفا

يعتبر مصطلح «المحاكاة الساخرة» أو الباروديا (parody) من أكثر المصطلحات لبسًا وغموضًا في النظرية الأدبية، وتداخله مفاهيميا مع مصطلحات أخرى تبحث في النص الأدبي من قبيل: التناص، الحوارية، التعلق النصي وغيرها.
ويهمنا، في هذه السطور، أن نتتبع مسار المصطلح وتطوره، منذ أن ظهر في كتابات الباحث الروسي ميخائيل باختين، خاصة في كتابه «شعرية دوستويفسكي» (1929) الذي يعد التربة الأصلية لهذا المصطلح، وصولا إلى طروحات النقد الأدبي الغربي خاصة مع جوليا كريستيفا، والتي لم تبتعد كثيرًا في استنتاجاتها عن ما توصل إليه باختين عندما اعتبرت المحاكاة الساخرة آلية من آليات اشتغال اللغة.
ميخائيل باختين :الحوارية من خلال المحاكاة الساخرة
يعود السبق في التنظير لمصطلح «المحاكاة الساخرة» أو الباروديا في النقد الأدبي الحديث إلى الباحث الروسي ميخائيل باختين (1895-1975) الذي تتبع جذوره الأولى في الموسيقى، إذ يرى أن المحاكاة الساخرة تدخل ضمن السرد المنحط، وتعني في الأصل الغناء على هامش الجوقة أو معها بصوتٍ مختلف، غير أن التقليد الكتابي لم يهتم، ولم يحتفظ بهذا النوع الذي يعني إنشاد كلام ما مع تحريفات لإعطاء معنى مختلف. على هذا الأساس، سيدرس باختين البناءَ اللغوي في أعمال دستويفسكي وفرانسوا رابليه كاشفًا عن كيفية حضور المحاكاة الساخرة داخل النص، حيث «لغتان، أسلوبان، وجهتا نظر لغويتان، فكران لغويان، وفي الحقيقة ذاتان كلاميتان، إلا أن إحدى هاتين اللغتين ذات حضورٍ شخصي، أما الثانية فذات حضور غير مرئي بوصفها خلفية فعالة» ليستخلص أن الباروديا من أقوى الأساليب التي تُحقق التفاعل بين النصوص على مستوى اللغة.
وقد ميز باختين في كتابه «شعرية دوستويفسكي» بين الرواية المونولوجية التي تنطلق من رؤيةٍ أيديولوجية أحادية، ومن وجود السارد الواحد، وهيمنة الحكي وخُفوت الحوار، والاتكاء على مدونة لغوية واحدة تنأى عن التنوع، والرواية البوليفية أو الرواية الحوارية التي تتميز بتعدد اللغات والأساليب، وتعدد السراد، فضلًا عن تعدد المواقف الأيديولوجية. على أساس هذا التقسيم قدّم باختين نظرية نقدية في الرواية تتجاوز ثنائية الشكل والمضمون، إذ تحدث عن الحوارية في النص الروائي، والتي تتحقق من خلال تعدد أصوات الشخوص، وحيادية الكاتب، وتعدد اللغات، وهو ما اعتبره من مقومات الإبداع، ويُعتبر هذا الطرح متقدمًا في النقد الروائي وفي أبحاث الأسلوبية التي لم تهتم بالحوار، واقتصر فهمها للعمل الأدبي على أنه كل مغلق ومستقل تُؤلف عناصرُه نسقًا مقفلا، ولا تفترض وجود شيٍء خارجه. لقد كان نسق العمل الأدبي مفهومًا قياسًا على نسق اللغة، وعاجزًا عن أن يوجد داخل فعلٍ متبادل مع لغات أخرى. وبخصوص تعدد اللغات في النص، فقد اعتبر باختين الرواية جزءًا لا يتجزأ من المجتمع ومن ثقافته التي تكتظ بخطابات تعيها الذاكرة الجماعية، لذلك على كل فردٍ أن يعي دوره في تلك الخطابات. وهو ما يؤشر إلى حوارية الرواية، التي تنبني على كثرة الملفوظات وتعدد اللغات، إذ يقول ما مفاده إن الرواية جسمٌ مركب من اللغات والملفوظات والعلامات، والروائي هو منظم علائق حوارية متبادلة بين اللغات والأجناس التعبيرية، بين لغة الماضي ولغة الحاضر والمستقبل.
ومن الأساليب التي توفر هذا التعدد اللغوي المحاكاة الساخرة، التي تعني في أوْضح تعريفاتها، حسب باختين دائمًا، حضور نص سابق في نص لاحق. وهذا الحضور يكون على مستوى الملفوظات والصيغ التعبيرية «حيث نوايا اللغة المشخصة لا تتوافق مطلقا مع نوايا المشخصة، فتقاوِمها وتصور العالم الغيري الحقيقي، لا بمساعدة اللغة المشخصة باعتبارها وجهة نظر منتجة، وإنما عن طريق فضحها وتحطيمها» وهذا اللاتوافق بين لغة النص السابق والنص اللاحق هو ما يحقق للمحاكاة الساخرة شرطها الأساس.

اعتبر باختين الرواية جزءًا لا يتجزأ من المجتمع ومن ثقافته التي تكتظ بخطابات تعيها الذاكرة الجماعية، لذلك على كل فردٍ أن يعي دوره في تلك الخطابات.

جوليا كريستيفا: المحاكاة الساخرة التناصية

وجدت جوليا كريستيفا في طروحات باختين حول الرواية المتعددة الأصوات أرضية نقدية صلبةً، وأفقًا بحثيا لصياغة مشروع نقدي يتأسس على البحث في العلاقات بين النصوص، وفي الترابطات الموجودة في ما بينها، فقرأت النصوص بمصطلح «التناص» وعرفته في كتابها «علم النص» (1969) بأنه ترحالٌ وتداخلٌ نصي، ففي فضاء نص معين تتقاطع ملفوظات عديدة متقطعة من نصوصٍ أخرى، فيصير النص الجديد «عبارةً عن لوحة فسيفسائية» تمثلها نصوصٌ قديمة أو معاصرة، تشترك في إنتاج وبناء النص الجديد فتغدو مكونًا أساسيا له لا يمكن للدارس تجاهله. وعلى الرغم من السبق الذي يُحسب لكريستيفا في تسمية «التناص»، والإضاءات النقدية التي قدمتها حول المصطلح فإن هذا لا ينفي توسل الباحثة بمفاهيم باختين التي أوردها في كتابيه «شعرية دوستويفسكي (1929) و«فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية (1969) مثل: «التفاعل»، «تعدد الأصوات»، «التحاور»، «الأيديوليجيم»، وغيرها، وهو ما يُجيز لنا التساؤل: لماذا استعاضت كريستيفا عن «الحوارية» بمفهوم «التناص»؟ هل «التناص» أشمل وأدل من «الحوارية»؟ وما علاقة التناص بالمحاكاة الساخرة باعتبار أن هذه الأخيرة إحدى صور الحوارية في فهم باختين؟
إذا انطلقنا، أولا، من أن الروائي الساخر يقوم بتقليد نص أو أثرٍ فني، وتغييره على مستوى اللغة أو الموضوع أو الشخصيات مع الحفاظ على خصائصه الأسلوبية العامة، نفهم تقاطع المحاكاة الساخرة مع التناص على مستوى تقليد النص الغائب، واستحضاره في النص الجديد لإعادة صياغته والتفاعل معه من خلال علاقة تناصية. وأيضًا نقده بدرجاتٍ مختلفة، وهو ما عبرت عنه جوليا كريستيفا بـ «مبدأ التحويل» فاعتبرته من الأدوات النقدية الفاعلة في التناص، حيث إن كل نص هو امتصاصٌ وتحويلٌ ونفيٌ لنصوصٍ أخرى، وهذا التحويل والنفي هو ما يُسوغ القول بأن المحاكاة الساخرة تفتح منافذَ اتصالية مع التناص.
وإذا كان باختين قد ربط «التعدد الصوتي» بجنس الرواية، وطَرَح مشكلة الملفوظ في سياق النص الأدبي، من خلال اقتراحه مفهوم التعدد اللغوي، فإن كريستيفا وسعت مجال حضور هذا التعدد فربطته بجميع النصوص، حيث لا تفرق بين الشعر والرواية ولا تُقيم حدودًا فاصلة بينهما. وبخصوص النص الشعري تقول في كتابها «علم النص» ما مفاده أن النص الأدبي خطابٌ يخترق وجه العلم والأيديولوجيا والسياسة، ويتطلع لمواجهتها وفتحها وإعادة بنائها باعتباره خطابًا متعدد اللسان والأصوات. إنه الخطاب الذي يَتشكل، من منطلق تحليلها، من خلال نسف تلك النصوص للفضاء المتداخل نصيا.
وتتبعت الباحثة عناصر التناصية في المتون السردية، فتوصلت إلى وجود «حكايات تنبني كخطاب تاريخي أو فسيفساء متجانسة من النصوص، إن مؤرخي الأدب الفرنسي لا ينتبهون إلا قليلا لهذا المؤَلف، الذي يكون أول كتاب نثري قابل لأن يحمل اسم رواية، إذا نحن اعتبرنا كل ما ينتمي إلى الإيديولوجيم رواية»، وهو التحليل الذي يُحيلنا على نتائج باختين الذي اعتبر دوستويفسكي هو خالق الرواية المتعددة الأصوات polyphone باعتباره أوجد صنفًا روائياً جديداً.
إن الاعتماد على نصوصٍ سابقة وإخضاعها للتحويل كمبدأ أساسي هو ما يجعل التناص على علاقةٍ وثيقة بالمحاكاة الساخرة، بل إن هذه الأخيرة أحد تجلياته القوية، في الوقت الذي يؤشر توظيف كريستيفا للأدوات النقدية، التي استندت إليها الحوارية عن وفائها للطرح الباختيني في تحليلها للنصوص الروائية من الناحية التناصية، مثلما يشي تصور الباحثة لإنتاج النص بمدى تأثرها بالتيارات النقدية والفكرية من بنيوية وتفكيكية وسيميائية، مع تمييزها بين النص الظاهر بلغته وحروفه، والنص الخفي الذي تبنته في تحليلاتها.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية