أيتها اللجنةُ الموقرة، جئت إليكم بمرافعتي لتسمَعُوها بَعدما ضاق بي الحال، ولم يطب المقام، جئت إليكم وأنتُم آخِرُ من يمكن أن ألجأ إليه على وجهِ الأرض لأرفع إليهم هذا الشأن، فإن استمتعم ما أقول أكونُ قد أودَعتُ ما لديَّ في سَمعِكُم ووعيكم، وإن كنت أعلم أنني لن أقول شيئاً إلا وتَعرفونه مسبقاً، لكن رُبَما لم تسمعوه بهذه الكيفية من فم المجروحِ منه، بل من فم المقتول به، فنحن قتلى، ونسألكم رفعَ القَتلِ عَنَّا، ونَحنُ مَوتَى وحياتُنا في ثقافتنا، وفي وعيٍ جَديدٍ يَنشأُ مِن رَحِمِ هذه المعاناة التي لا يبدو أنها يمكن أن تنتهي، إلا إن تدخلتم أنتم معشر أعضاء اللجنةِ المُوقَّرين، بصلاحياتكم وقدراتكم وإمكانياتكم وعلمكم فأوقفتم ما في واقِعِنا البائس من ترهّاتٍ وأوهام.
بدايةً أشكَرُ وقتكم الثمين، فأنا أعلم ازدحام وقتكم بلقاءات الفضائيات وتحكيم المسابقات، ومهام الكتابة، والإشراف على الرسائِل الجامعية، وقيادة الحداثة مما لا يَستطيعُهُ البشرُ العاديون حتى لو فرَّغوا أنفسهم كًلَّ اليوم، لكنني أعلم أنكم لستم كباقي البشر، فأنتم قادة الفكر والثقافة في عالمنا العربي المعاصر، وإن كان لساني يتلعثمُ في حُضورِكم فأرجو أن تعذروني، وأن تُقدِّرُوا مهابةَ وقفتي بين أيديكم؛ فإن زلَّ اللسان فمنكم الصفح، من ذا الذي يستطيع أن ينضبط في قوله وخطابه في ظل رهبتكم؟ ومن ذا الذي تكون فصاحتُهُ وبَراعتُهُ مثلَ فَصاحَتِكُم وبَراعَتكم، ويزداد المرء تيهاً وارتباكاً مع مَعرِفتهِ بقدركم وبأنكم تعرفون كل شيء، وليس كمثلكم من البشر شيء، ورغم ذلك يضطرب العقل في ما لا يستطيع أن يصل إلى الحكمة منه؛ فيسأل نفسه: إن كنتم بهذه العظمة وهذه الروعة وهذا الألق الثقافي والقدرة على الزعامة الفكرية وريادة المجتمعات وقيادتها،؛ فلماذا حالنا هكذا؟
أيتها اللجنة الموقرة، سأدخل في صُلبِ الموضوعِ مُباشَرةً: إنني أتوجّهُ إليكُم ناعياً الظُلمَ المحيق بالكاتب والمبدع العربي، ذلك المبدع الذي ظن ذات يوم أنه يمكنه بكتاباته وإبداعاته أن يحقق ذاته، وأن يثبت وجوده – مثلما أثبتُّم أنتم ذات يوم – وتطاول الحلمُ بِهِ فرَأى أنه قد يكون مؤثراً في تَغييرِ واقِعِه العَربيِّ إلى واقعٍ أفضَل، غرَّهُ ما يَقولونَ في مَناطِقَ أخرى من العالم، أكثرَ انسجاماً مع نفسها وصدقاً مع واقعها، من أن المبدعين والمثقفين هم قاطرة مستقبل الأمة، فتوهَّمَ أنه لديه ما يكفيه من أن يكون قوة دفع ذاتية تستطيع أن تحرك الأمور من حوله نحو الأفضل، فإذا به يكتشف أنه عاجز حتى عن أن يحرك نفسه ناحية أي شيء. واهمٌ ذلك الذي يظن أن المعرفة وحدها، والقيمة الإبداعية وحدها، كافية لكي يحقق المبدع ذاته، وأن ينجز ما يريده في وطننا العربي.
معشرُ اللجنةِ الموقَّرَة: إنني مُقِرٌّ منذ البداية بجنايتي في مرافعتي التي أتقدم بها إليكم، أعلم تماماً أنهُ لا يحق لأحدٍ أن يكون مشتغلاً في الحَقلِ الثَقافيِّ بدون أن يكون من أتباعكم.
أيتها اللجنةُ الموقَّرَة، إنني آمنتُ بمقولةِ مُحمّد عابد الجابري: «إن العقل العربي بحاجةٍ اليومَ إلى إعادة الابتكار»، وفهمتُ الابتِكار على أنه الجدة، والإتيان على غير المألوف، ورحت أتعب ذهني، وأكّدُ حتَّى أصلَ لغَايتي فأُقدِّمُ الابتِكارَ الذي يُصلِحُ حَالَ العَقلِ العَربي، لم أترك ضرباً من الفكر والأدب وإعمال العقل إلا وذهبت إليه من الشعر والنقد والرواية والمسرح والمقال النقدي وسوسيولوجيا المجتمعات، ربما تماديت في الأمر قليلاً فنسيت أن الابتكار وحده من شِيَمِكُم أنتُم، ومن خصائصكم وفضائلكم أنتُم، أما من يحاول أن يقدمه، فيقعُ فريسةَ الهوى والغرور، بظنِّهِ أنه يُمكِنُ أن يكون قد أتى بجديد- ولا جديد في الأمة إلا ما قلتموه أنتم- (وإن كان قد مضى على ما قلتموه قرابة النصف قرن)، فالنقد يجب أن يظل محصوراً في نظرياتِ ناقدٍ شهير قدَّم نظرياته منذُ ثمانينيات القرن الماضي، حتى إن كنا على عتبة عشرينيات القرن الحالي، يجب أن يظل ما نُقدِّمُهُ من أي كتابةٍ نقدية ظلاً وتابعاً لـه، وإن جاز أن نتجاهل غالي شكري لأنكم لا تحبونه، فأنتم أصحاب القامات الثقافية الرفيعة تكرهون من يؤرِّخُ للنقد، تكرهون من يذكر ما يدور في الحلقات الخفية عن الجمهور الذي لا يرى إلا لحظات التكريم ولحظات إعلان الجوائز، لذا نشَأَت أجيالٌ من البَاحثينَ لا تعرف عن غالي شكري شيئاً، ولا تقرأ لـشكري عيَّاد، ليس مسموحاً لأبنائكم من الباحثين والدارسين أن يقرؤوا كتباً مثل: «على هامش النقد»، ولا «برج بابل والحداثة الشريدة»، كيف تكون حداثتنا شريدة؟ وأنتُم رموزُ الحداثَةِ ورُعاتِها، (وأيقونات المحافظةِ على التُراث في الوقت ذاته ولا أعرف كيف!)، أنتم من تُقدِّمونَ اليمين واليسار معاً، ألم يُقدِّمُ أحد نقاد الحداثة في الوقت نفسه كلاً من نظرية الواقعية ونظرية البنائية؟ (كيفَ بحق كل أديان الله؟) وإحداهما يساريةٌ والأخُرى يمينيةٌ؟ وأنتم فوق اليمين وفوق اليسار، أنتم معشر اللجنة كل اليمين وكل اليسار وكل التراث، وكل الحداثة وأنا الضالُ العائد من ضلالهِ إلى رحابِ هديكم ومجالسكم والاعتراف بريادتكم.
معشرُ اللجنةِ الموقَّرَة: إنني مُقِرٌّ منذ البداية بجنايتي في مرافعتي التي أتقدم بها إليكم، أعلم تماماً أنهُ لا يحق لأحدٍ أن يكون مشتغلاً في الحَقلِ الثَقافيِّ بدون أن يكون من أتباعكم، بدون أن تعمل أقلامكم في كتاباته، فيكون ما يكتبه مدحاً لكُم، واطراءً لمراجِعِكُم، وإلا من ذا الذي سيشتري كل هذه الطبعات من كتبكم، إن لم نكن نحن تلاميذكم الذين يعيدون ويملون ويشرحون ويفسرون ما تقولونه؟ أنا مُعتَرِفٌ منذ البداية أن شططاً قد وقع مني عندما عدت أحياناً لمن تنقلون عنهم من رموز الحداثة الغربية ـ عذراً، أعني مِمَّن كانُوا رُموزاً للحَداثَةِ الغَربيةِ وصاروا الآن من تُراثِها، فقد مضى عليهم قُرابةُ نِصفِ قرنٍ وأكثر – رولان بارت وسوسيير وجوليا كريستيفا وجيرار جينيه وتودوروف وغيرهم – لكن ليس مُهِمَّاً إن كان الغرب نفسه ينظر لهم الآن بوصفهِم كلاسيكييّ الحَداثةِ، وتَجاوزهم لما بعد الحداثة، فلا يحق لنا أن نتجاوزهم وأنتم لم تتجاوزوهم بعد، ولا يحق لنا أن نقرأهم ونأخذ بكلامهم، وإنما نقرأ ما تقولونه أنتم عنهم، ونأخذ بما ترون أنتم أنها آراؤهم، فليس فقط على أقلامكم أن تعمل في أقلامنا، بل على عقولكم أن تعمل في عقولنا، أن نفهم ونرى بالطريقة التي تفهمون وترون بها، أو بالطريقة التي تريدون لنا أن نفهم ونرى بها.
شاعرٌ مصري