المحاكم الأدبية في مصر.. ارتباك المثقف والسلطة

حجم الخط
0

علي المقري

ها هو المفكر والكاتب المصري جابر عصفور يُطلب بدوره إلي المثول أمام محكمة عابدين في القاهرة يوم 20 تشرينالاول (أكتوبر) المقبل، مع عدد من الكتاب والصحافيين في المؤسسات الصحافية المصرية كـ (الأهرام) و(أخبار اليوم) و(أخبار الأدب) و(المصور) بدعوي أنهم وصفوا الشيخ يوسف البدري في مقالات لهم بأنه متطرف، علي خلفية القضية التي حكمت فيها محكمة جنوب القاهرة ببيع أثاث منزل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بعد أن امتنع عن دفع 20ألف جنيه للبدري الذي كان قد ادعي أن حجازي وصفه في مقال له بـ(التطرف والإرهاب ومعاداة الفكر والإبداع). وفي الحقيقة ليس من المستغرب صدور حكم كهذا علي حجازي ولا صدور أحكام قادمة مماثلة علي جابر عصفور وجمال الغيطاني وعزت القمحاوي ومحمد شعير وأحمد الشهاوي.

لكن المستغرب حقيقة أن يكون حال القضاء في (أم الدنيا) كما هو عليه الآن، باعتماده علي مرجعيات فقه الحسبة وقوانين محاكم التفتيش؛ والأغرب أن يحاول بعض المثقفين المصريين الرجوع إلي هذا القضاء نفسه، بدلا من العمل علي إصلاحه وتغيير قوانينه، كمحاولة جابر عصفور وجمال الغيطاني وحمدي الاسيوطي في رفعهم دعوي تشهير ضد البدري.

وكأن القضاء الذي حكم بتطليق ابتهال يونس من زوجها المفكر نصر حامد أبوزيد، لأنه صار مرتدا عن الإسلام، لم يكن منحازا بقوانينه الصادرة إلي جبهة البدري وعبد الصبور شاهين ومن يماثلهما. فهل ما قام به البدري مع شاهين ضد نصر أبو زيد وصدور حكم التفريق الزوجي، والتشهير به قبل هجرته من مصر إلي هولندا هرباً من أي اعتداء عليه من قبل المتطرفين باعتباره مرتداً بحكم قضائي، يعتبر عملاً (شرعياً)، وغير متطرف ولا ينتمي إلي الإرهاب الفكري؟. يقول البدري في تصريحات صحافية أنه هو الذي وزع أدبيات الحكم علي حجازي لوسائل الإعلام و((قصد بطلب الحجز علي أثاث منزله أن يثير من حوله كل هذه الزوابع بهدف التشهير به))، فيما التزم حجازي الصمت وفوجئ بالحكم منشورا ومتداولا، حسب تعبيره. لكن، ومع هذا التصريح والاعتراف من البدري، نجد الدكتور مصفي عبدالغني رئيس القسم الثقافي لأبرز صحيفة مصرية(الأهرام) يقول في تصريح له أن ((حجازي استغل الأمر بشكل كبير جداً وحوله إلي ما يشبه (البروباجندا) وراح يستثمر القضية من أجل صناعة مجد فكري وأدبي)). ولا يختلف كثيراً هذا الموقف عن مواقف بعض الأدباء الذين وجدوها مناسبة، أيضا، لمحاكمة حجازي علي آرائه في قصيدة النثر، وتخاذله في بعض قضايا الحريات كاستجابته لحذف مقاطع من قصيدة لحلمي سالم في مجلة (إبداع ) اعترض عليها البدري نفسه. وإذا كانت بعض ملاحظاتهم جديرة بالنقاش والتقبل من قبل حجازي إلا أن عدم رؤيتهم للمأساة الكبيرة التي يواجهونها تحت دعاوي الحسبة وقوانينها العتيقة يكشف مدي الارتباك الذي تعيشه الحياة الثقافية في مصر.

ويبدو أن الارتباك لا يخص المثقفين، من أدباء وكتاب وفنانين ومشرعي قانون، بل يشمل مؤسسة السلطة المصرية، أيضاً. ففي الوقت الذي نجد فيه السلطة المصرية تقوم بمواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة، سواء تلك التي تقوم بممارسات إرهابية، أو تلك التي تمارس خطابا دينيا في ممارستها السياسية، نجدها في الوقت ذاته تُبقي علي قانون قضائي يعتمد حق الحسبة الذي صار سلاحاً دينيا لإرهاب المثقفين الذين ينتقدون المؤسسات الدينية. بل ان قوانين كهذه تقوم بإرهاب مؤسسات الدولة نفسها عبر محاكمة القائمين عليها من مفكرين وصحافيين ومسؤولين، فالشاعر أحمد عبد المعطي حجازي لم يحاكم فقط لأن الشيخ يوسف البدري اتهمه بالسب والقذف، وإنما أيضا سبق أن رُفعت ضده دعوتان من البدري نفسه بصفته رئيسا لتحرير مجلة (إبداع)الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب التابعة لوزارة الثقافة، الأولي لنشره قصيدة للشاعر عبدالمنعم رمضان، و الثانية لنشره قصيدة للشاعر حلمي سالم في المجلة ذاتها. وفي الدعويين كانت التهمة هي نشر ما يمس العقيدة الإسلامية، كما أن جابر عصفور والكتاب الآخرين هم أيضا من مسؤولي مؤسسات الدولة الثقافية. ومحاكمتهم تعني أيضاً إبعاد التوجهات الثقافية الحديثة من مؤسسات الدولة. ولعل الدعوي التي رفعها البدري أيضاً، ضد وزير الصحة المصري لمنعه إجراء عمليات ختان الإناث في المستشفيات، والدعوي التي رفعها ضد وزير الثقافة لمنحه جائزة الدولة التقديرية للشاعر حلمي سالم تشيران إلي مستوي التغلغل الذي بلغه رجل الدين بتدخله في كل ممارسات مؤسسات الدولة، ولا يختلف عن أولئك الارهابيين الذين يكفرون النظام القائم ويقومون بالتفجيرات والإرهاب إلا باستخدامه مؤسسة القضاء وممارسة الإرهاب الكهنوتي بحسب الشرع، وطلبا للحسبة. وإذا ما أضفنا، إلي ما سبق، الدعوي التي رفعها البدري ضد المتنصر المصري محمد حجازي لاعتناقه ديناً آخر، إلي جانب ما يقوم به رجال الدين في التدخل بكل أمور حياة الناس بالتحديد لهم ماذا يأكلون وماذا يشربون وماذا يلبسون وكيف ينامون وكيف يمشون، لوجدنا أن هؤلاء صاروا يمارسون دورا كهنوتيا بامتياز مع أنهم يؤكدون في أحايين كثيرة أن الإسلام لم يعرف الكهنوت كمثل بعض الديانات. [email protected] كاتب من اليمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية