عنوان الدورة السادسة من مهرجان العجيلي للرواية في الرقةدمشق ـ ‘القدس العربي’ من أنور بدر: أقيمت الدورة السادسة من مهرجان العجيلي للرواية العربية ما بين 22- 24/ 12/ 2010 في مديرية ثقافة الرقة برعاية الدكتور المهندس عدنان السخني محافظ المدينة، تحت عنوان ‘المحظورات في الكتابة الروائية العربية’، بمشاركة 27 كاتبا روائيا وناقدا، وإن قلّ النقاد في هذه الدورة، إلا أنهم أغنوا المهرجان ببحوث نظرية ونقدية هامة، فيما اكتفى الآخرون بتقديم شهادات حية عن تجاربهم في الكتابة الروائية وعلاقتها بالمحظور والتابوهات التي تواضعت عليها أعراف المنطقة تحديدا، إذ كاد يتفق الجميع أن هذه الإشكالية نسبية من مجتمع لآخر، فليس المحظور عندنا هو محظور بالضرورة عند الآخرين. لكن ومهما يكن الأمر فإن العلاقة بين تلك المحظورات وفن الرواية تعكس أحد تجليات العلاقة بين الجمالي والمعرفي، والذي حاولت هذه الدورة من مرجان العجيلي للرواية العربية أن تستقصيه عبر أربعة محاور هي:1- المحور الأوّل يتعلق بالمحظور اللغويّ باعتبار ان اللغة حامل تعبيري عن المحظورات الاجتماعية والدينية والسياسية.2- المحور الثاني يتعلق بالمحظورات الثابتة، والمحظورات المتغيّرة في الكتابة الروائيّة العربيّة باختلاف معايير الرقابة بين بلد وعربي وآخر، أو بين مرحلة وأخرى، أو تبعا لجنس الكاتب ذكرا أم أنثى.3- المحور الثالث يتعلق بالتقنيّات الروائيّة في مقاربة المحظورات وآليات التعبير عن الجسد والدين والسياسة، في البنى الفنيّة الموازية مثل التراث، أو عالم الحيوان، أو البنى العجائبيّة.4- المحور الرابع واختراق المحظورات وسياقات النزوع إلى العالميّة باعتبار الكتابة عن المحظورات مرغوبة عامية وأقصر سبيل للشهرة، بغض النظر عن فنيتها.ومن هنا أهمية هذا العنوان في منطقتنا العربية حيث الرقابة فيها ما زالت تتسيد على الإبداع والثقافة، وما زال حضور الماضي بكل ثقله الأيديولوجي والاجتماعي يشكل العائق الأساسي أمام الإبداع والحرية، وما زالت السياسة فيها نقيض الثقافة والجمال. لذلك كان مفهوم المحظورات وسيبقى لأمد غير معروف مفهوما إشكاليا، تنصاع له أقلية من الكتاب الذين فقدوا إيمانهم بذواتهم وإبداعهم، بينما أغلب المبدعين الاعتراف بوجود محظورات في العملية الإبداعية، وما هو موجود بالنسبة لهم ممانعة اجتماعية وأيديولوجية، قد تأخذ من الأخلاق ذريعة لها، وقد تلبس لبوس الدين والمقدس، وقد تتشاكل مع السياسة في حين آخر، أي أن الممانعة تأتي من خارج العملية الإبداعية، وعلى الأديب التحايل على تلك الممانعة وانتزاع مساحات من الحرية له أثناء الكتابة.الدكتورة شهلا العجيلي تحدثت عن ‘المرتكز النظري وتحولات المحظور في الرواية العربية’ بما يمكن أن يشكل مدخلا غنيا لدراسة هذه المسألة، فتاريخ الفن كما تقول ‘هو تاريخ المحظور بذاته’ منذ منعت الآلهة جلجامش من البحث عن سر الخلود فاكتشفنا المحظور الديني، وهي تربط المحظور الجسدي بتحول الربوبية من المرأة إلى الرجل، ولا أدري إذا كان هذا التحول يتطابق مع قصة الخلق الأولى، حين اكتشف آدم عورته إثر تناوله تفاحة الغواية من حواء.تقول العجيلي: تقوم نظرية الرواية أصلا على كسر فرد إشكالي لثقافة نسق غير متصالح معه، كما فعلت البرجوازية حين اخترقت محظورات الأرستقراطية، وكما يفعل كلّ نسق ناشئ بالنسق الأسبق…وهنا تكون الكتابة الروائية عموما كسرا للمحظور’ ثم تميز العجيلي بين المحظور الاجتماعي ومحظورات الكتابة، مشيرة إلى ‘أن الروائيين العرب يمارسون حالة ليبرالية ذهنية عالية يتناولون فيها المحظورات جميعا، في حين يموت أبناء مجتمعاتهم نتيجة جرائم النسق: الاستبداد والقهر والشرف’.الروائي الحبيب السالمي من تونس يؤكد في بحثه ‘الرواية العربية قطيعة أم تجاوز نحو نص مغاير’ أن كل كتابة حقيقية تقوم على تجاوز المحظورات، لأن الكتابة الحقيقية هي فعل حرية وانعتاق. مضيفا أن الاختراق الكبير الذي حققته الرواية العربية للمحظور الجنسي ‘لا يعود إلى التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية فقط، وإنما أيضا إلى وعي الفرد لذاته .. والتمسك بالحق في التعبير عن رغباته واستيهاماته’، ويميز بين الجنس في الروايات العربية الجديدة وبين الجنس في الروايات التي ظهرت سابقا كرواية ‘موسم الهجرة إلى الشمال’ للطيب صالح، بكون الروايات الجديدة تتعامل مع الجنس بمصداقية وعفوية بعيدا عن مفهوم الفحولة العربية التي جسدها مصطفى سعيد في ‘موسم الهجرة’ لأن تجليات الجنس في الرواية العربية الجديدة تحضر كاختراق للممنوع كمتمرد على قيم الحياء والحشمة والأخلاق التي تقوم عليها الثقافة العربية التقليدية، لذلك نجد حضورها الآن شاملا لكل ما فيها من قوة وضعف وهشاشة وحقيقية.أما الروائي السوري نبيل سليمان فيهدي مداخلته المعنونة ‘الرواية والحرام’ إلى ذكرى صديقه الراحل أبو علي ياسين صاحب ‘الثالوث المحرم’ مشيرا فيها إلى أن ‘التابوهات العربية مصدرها قوة سحرية ملازمة الناس والأشياء، مثلها مثل الجفاف/ الحدود/ الملك/ الإمام’، مضيفا: ترانا ننتقل بفضل القمع والموروث المتجدد والمتفاقم إلى مرحلة الأقوام المتوحشة التي تنصاع للتحريم والمنع … دون أن تدرك سببا للتحريم، كما لو أن المحرم بديهي؟ مضيفا أن ضغط الحرام على التراث الأدبي أهون منه الآن، ففي التراث كان السلطان السياسي أرحب صدرا مع انتهاك الحرام الديني أو الاجتماعي، بعامة، لكنه كان حاسما مع انتهاك الحرام السياسي. ثم قدم نبيل سليمان قراءات تطبيقية في الرواية العربية للحرام اللغوي، مستندا لدراسة الناقدة اللبنانية يسرى مقدم عن ‘الحريم اللغوي’، غائصا في روايات رشيد بوجدرة، واسيني الأعرج، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، هدى بركات، غادة السمان وصولا إلى طه حسين.فيما استعرض الكاتب ‘آدم كومندان حسب النبي’ من السودان تجربة الطيب صالح في رواية ‘موسم الهجرة إلى الشمال’ ومقاربته المحظور الجنسي بلغة رمزية ووظيفة دلالية، فنجاح أي عمل أدبي يكمن بما يخبئه من رموز ومكنونات هي في واقع الأمر جوهر النص الأدبي، والطيب صالح كان من وجهة نظر حسب الله دقيقا في تصويره صادقاً في نقله لا يكمم أفواه شخوصه وهذا من علامات نجاح الروائي ودليل واقعيته وصدقه، لكن ذلك لم يحل دون منع الرواية في أكثر من بلد عربي.مع أن حضور الجنس كان حضورا معرفيا وحضاريا حتى بالمعنى السلبي، فحضور الجنس وسيلة لتحقيق الذات مقابل العجز الذي نعيشه في واقعنا، ومحاولة لامتلاك الآخر من خلال الجنس مقابل الامتلاك الذي مارسه الغرب علينا من خلال الاستعمار. الدكتور عبد المجيد زراقط من لبنان يتابع في الحوار ذاته كاتبا عن ‘خطاب الخيبة المهيمن … تقنية الخروج إلى المحظور’ مؤكدا على دور فقد الوطن ‘فلسطين’ أو الفقد في الوطن ‘مشروع النهضة والتنمية’ في علاقته بالعجز وحالة الخيبة حيث يخرج الفرد والمبدع إلى مجالات بديلة والأسهل هو المحظور الجنسي أو الديني .. لإدانة المجتمع الذي يتوفر على هذا المحظور.يأخذنا الكاتب باتجاه نموذج المحظور الجنسي الأكثر حضورا في الرواية العربي مؤخرا حتى بشكله المباشر أو المقحم بوصفه المجال البديل عن التحقق الحقيقي، بسبب العجز والخيبة، من خلال نموذجين روائيين هما: ‘بيضة النَّعامة’ لرؤوف مسعد، و’مرايا النَّار’ لحيدر حيدر، حيث يعتبر هذه الظاهرة نوعا من الأصولية، بمعنى العودة أو النكوص إلى الرحم بوصفه ملاذا للذات الخائبة. وإن كان الباحث يميز بين الحضور الجنسي في النص المتخيل ضمن سياقاته الطبيعية ودلالاته الوظيفية التي تجعل منه نصا روائيا يتميّز بالأدبية، وبين الحضور الخبري الذي يخبر عن وقائع جنسية قد تتيح شهرة لكاتبها، وهي النموذج الأوسع انتشارا، لكنها لا تصنع أدبا حقيقيا، ولن تحول ذلك الحكي الإخباري إلى فن أدبي.الكاتبة والروائية السورية نجاح إبراهيم لم تبتعد عن ذلك المسار حين كتبت تحت عنوان ‘مقاربة الأسوار العالية’ حين أكدت أن: حلمُ الأدب أن ينعتق ويُحلق، فقد قيّض له أن يخضعَ لمواجهاتٍ تحدّ من رغبته في التحليق، سواء كانت ترتدي لبوس الدين، أو القانون، أو المجتمع الذي هو أحد دوافع الإنعتاق والتحليق. فغُرزت الأسوار العالية في وجه طموحه كي لا يصل إلى قمّة القلعة مُلتمساً مكاناً مرتفعاً.لكنها في دراستها التطبيقية اختارت نموذجين حاولت أن تمعن في إدانتهما كرواية ‘ثلاثية المحرمات’ لسعود المظفر، ورواية ‘كائنات من غبار’ لهشام بن الشاوي من المغرب، ففي هذين النموذجين تسيد لحضور الجنس بأشكاله العادية والشاذة، وتمجيد لخرق المحظورات والتحلل من أي رقيب داخلي أو خارجي، مما تعتبره مغامرة لأجل المغامرة، مع ذلك نجدها تعترف: أنّ دروباً كثيرة لم تطرق بعد، وأنّ طائر الخيال ما زال عاجزاً عن التحليق عالياً في مواجهة الأسوار التي تحصّنت خلفها السلطة الدينية والسياسية، وما زالت التجربة الجنسية أكثر التجارب حميمية وتفرّداً وتعقيداً بمنأى عن التناول.الكاتب العراقي عبد الحميد الربيعي تناول ‘المحظور والتخيل في السرد الروائي’ عبر دراسة نظرية اهتمت بالعلاقة بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، بحيث يكون أي خروج فردي على قيم الجماعة هو خروج عن نسق المحظورات في ثقافتنا العربية، وتراجع المقدس من الإلوهية باتجاه المشخص العياني، فلم يعد غلغامش إلها بعد أن تصارع مع أنكيدو بل أصبح سيدا أو حاكما لأوروك.ويضيف الربيعي: أن التاريخ وتراكمه الكمي رافقه تطوير مفردات الحياة وتغير أنماطها ساعد في بروز الطرف الآخر الناقص من المعادلة والمشاكس في كل حقبة تاريخية، في مجتمعات التدوين أصبحت العلاقة أكثر جدلية لدخول المقدس من خارج المنطوق الحياتي، مما فرض قيودا ومساحات أوسع للمحرم والمقدس والمحظور وأعطاه صيغة التعالي لما وراء الوعي الجمعي، فتكرس المقدس بجوار المحرم واتخذ صيغة المطلق.وتحدث الربيعي عن تحول المقدس في المكان والزمان بحيث لم يعد واحدا بل أصبح متعددا، لينتقل بعدها إلى الحديث عن المحظور في مخيلة الروائي ومدى تطابقها أو تفارقها مع الوعي الجمعي الذي يشكل الصور النمطية أو المعيارية للجماعة والحاكم أيضا، ليصل إلى العلاقة بين المحظور وحرية الخيال.الروائي والباحث د. لؤي خليل من سورية يدرس أيضا ‘المقدس والخيال الروائي’ مختارا عملين من العربية السعودية هما: ‘الحفائر تتنفس’ لعبد الله التعزي، و ‘سيدي وحدانه’ لرجاء العالم، فهما اختارا مكة بكل دلالتها في النسق المقدس مكانا أو فضاء للعملين، دون أي اهتمام بتمظهر المقدس، بل انصب اهتمامهما على شبكة العلاقات التي يثيرها المقدس لتبني كل منهما علاقتها الخاصة بذلك المقدس.يتحدث عبد الله التعزي عن علم المخفي في النسق المقدس لمكة، إنه عالم العبيد، بينما تذهب رجاء العلم وراء حالة أحد الدراويش الملقب سيدي وحدانه ذي الكرامات التي تخالف قوانين الطبيعة والأعراف السائدة ضمن النسق المقدس، مما يؤكد توجه النصين نحو المستور ضمن النسق المسيطر، أو نحو المختلف الذي لم يحظ بالاعتراف به. وبالتالي لا يسعى النصان إلى حوار داخل النسق بل يحاولان الثورة عليه، ثورة تفتقد مشروعيتها في إطار المرجعية الإلهية للنسق المسيطر أو المقدس.الدكتور عمار أحمد أستاذ السرديات في جامعة الموصل، يدرس ‘تمثلات الحرية في رواية حجر السرائر’ لنبيل سليمان، منطلقا من اتكاء الكاتب على التاريخ كمنطقة حرة فيها هامش واسع للبوح، وتجاوز علامات التحذير، وفيها طاقة كفيلة باجتياز الخطوط الحمر، أو التي قد تبدو حمرا في مجتمع ما. وقد حدد الباحث إطار اشتغاله على المحظورات، وعلاقتها بالحرية في رواية ‘حجر السرائر’، الحرية من حيث انها حالة يكون الإنسان فيها قادرا على مزاولة إرادته في الفعل أو عدم الفعل، من دون ضغوط خارجية (جسدية) أو داخلية (نفسية) تحد من تلك الإرادة.فالرواية التي جنحت باتجاه الحرية الأوسع في السرد عندما اعتمدت تعدد الأصوات أو الرواة، كثفت اشتغالها على التابو الجنسي من خلال فعل الخيانة الزوجية لدرة الحفظي والتآمر مع ابن عمها لقتل زوجها، إضافة لحضور واسع للتابو الديني ومفاهيم الحرام والعلاقات ما بين الطوائف، أما التابو السياسي فهو يشغل كامل مساحة العمل.ويرى الباحث ختاما أن المسكوت عنه الأكبر في هذه الرواية هو الحرية التي يراها الروائي أس الحياة ومنصة التقدم ورافعة الإبداع.الدكتور الناقد هايل الطالب حاول دراسة ‘موت المحظور الجنسي.. في مقاربة لتحولات الجسد عند الروائيات السوريات’ مختارا أربع نماذج روائية هي: 1- ‘قبو العباسين’ لهيفاء بيطار 2- ‘برهان العسل’ لسلوى النعيمي 3- ‘رائحة القرفة’ لسمر يزبك4- ‘قارب عشتار’ و’ذاكرة الأرقام’ لفوزية المرعيففي هذه الروايات الأربع جاء العنوان مخاتلا بالمعنى الفني، مع ملامسة إيحائية للجنسي غير قصديه، فالعنوان يشعر بالمخبوء و إن لم يصرح به، وإذا كانت هيفاء بيطار وسمر يزبك اشتغلتا على الجسد المقموع اجتماعيا للتعبير عن احتياجات ذلك الجسد بلغة مباشرة وصريحة تأتي من الكاتبة الأنثى، نجد أن سلوى النعيمي في ‘برهان العسل’ تقدم سردا ‘يعتمد البوح والجرأة على الاجتماعي بطريقة فجة للوصول إلى إثارة إعلامية قائمة على كسر المحظور الجنسي بطريقة مباشرة فيها حنين لبدائية الجسد ومشاعيته’ وفق تعبير هايل الطالب.أما فوزية المرعي في ‘قارب عشتار’ فهي غالبا ما تكون أقدر على خرق المحظور الاجتماعي بينما تتحايل بلغة شاعرية على المحظور الجنسي، بينما هي في ‘ذاكرة الأرقام’ تلجأ إلى استعادة تحولات الجسد مع قصة فصول العمر، مختبئة وراء الأرقام التي تكر في جدول الضرب ما بين الخمسة والخمسة ضرب عشرة أي الخمسين، فالسرد هنا ‘بوح مع السنين’. والحنين الذي يكتنف السرد هو حنين إلى ذاكرة الجسد باعتبار ذلك الجسد حاملا لتحولات العمر المختلفة.ويخلص الباحث للقول إن الكتابات المباشرة عن الجسد وإشكالاته في النصوص المدروسة لم تقدم خرقاً على المستوى الفني، وإن انتشارها المتفشي في الكتابات مؤشر على موت هذا المحظور في الكتابة العربية أو هو في طريقه ليصبح مألوفاً فاقداً لإدهاشه في عصر الصورة.الدراسة الأهم التي قدمها الدكتور الناقد أحمد المديني بعنوان ‘التعويق..ناظما لتخلق الجنس الأدبي روائيا’، فبعد سبع مقدمات صغرى ينتقل الباحث بنا إلى قراءة موجودة أو محتملة في رواية ‘حيث لا تسقط الأمطار’ لأمجد ناصر من الأردن، نافيا أي تلط خلف لغة شعرية كون ناصر شاعرا بالأساس، فهو يعلن انتقاله الآن إلى مغامرة الكتابة الروائية، ‘وهي ليست شكلا للتعبير فقط، بل رؤية للحياة وطريقة شمّ ولمس، وكتابة’ كما يقول المديني.والعمل يقوم على استعادة المكان واستعادة الذاكرة بيقينية رجراجة، يعززها انشطار الشخصية أو الذات ما بين يونس الخطاط الذي غادر الحامية وعاد إليها بعد عشرين سنة باسم وذاكرة لجابر أدهم، نافيا ضمير المتكلم الشعري لصالح ضمير المخاطب الروائي، ‘عشرون سنة ليست رقما، بل قد تكون، في مثل وضعك، حياة أتمت مدارها’.يونس الخطاط فرّ من الحامية وأدهم عاش تجربة المنفى والصحافة في ‘المدينة الحمراء الرمادية’ وهي أسماء تحيل إلى محظورات الكتابة، والراوي يتكئ على ذاكرة مضطربة كذلك السرد في الرواية مليء بالتداخل والقطع، لنعرف من خلالهما ما جرى لضمير المخاطب في وطنه وفي منفاه أيضا، ونتعرف من خلال ذلك على أزمة انشطار الذات بين شخصيتي الراوي فيما يشبه السيرة الذاتية ويتجاوزها في الاتجاه الروائي التخييلي.فالكاتب عانى من الإكراهات والنفي وفقدان الهوية أو انشطار الذات التي يعيد الآن لملمة ذاكرتها المتشظية، فلم ‘يبق إلا العجز بخراب الحاضر الذي لا يمكن أن يرمّم شيئا بعد أن وقع كل البتر’. ويتساءل المديني ‘عما يجعل الرواية العربية قائمة الذات حقا في مهادها، مشروعة تعبيريا وهي التي كتبت، وتستمر في بيئات تنعدم فيها الحريات، أو هي نسبية جدا، ويحتاج الصوت الفردي، الذاتي، إلى كل المساحة للتلفظ برأيه، دون إكراه ولا معوقات. يحتاج بطل الرواية الحديثة إلى فضاء منفتح، مشبع بالحرية، متميز بتعدد المصائر والاختيارات، أو كل مشروعه الوجودي هو انتزاع هذه الحرية، بمعان وممارسات مختلفة’؟ سنكتفي بهذا القدر من الدراسات التي قدمت في مهرجان العجيلي، لتكون لنا وقفة لاحقة مع الشهادات الروائية التي قدمها لفيف من الروائيين والمبدعين العرب.