المحكمة الاتحادية تفجر لغم المادة 140 وتفتح الأبواب لتقسيم العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: وأخيرا، فجر القضاء العراقي، لغم المادة 140 من الدستور المثيرة للجدل والخلافات، والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها في أنحاء البلاد، والتي تجنبت كل الحكومات السابقة تحريكها، لمنع تفجر الأوضاع وإثارة الفتنة مجددا بين أبناء المكونات والمحافظات. إلا أن حكومة عادل عبد المهدي التي يصف الأكراد علاقتهم بها بالفترة الذهبية، أصرت على التعامل مع هذا الموضوع الشائك والمثير للخلافات الذي لا يخدم سوى أطماع القيادة الكردية في الاستحواذ على كركوك ومناطق أخرى.

وكما توقعنا سابقا، فقد تفجرت ردود الأفعال الغاضبة من المكون العربي والتركماني في كركوك على قرار المحكمة الاتحادية الذي أصدرته قبل أيام، باستمرار العمل بالمادة 140 من الدستور المثيرة للجدل والخلافات، وسط صمت مريب من حكومة بغداد والقوى الشيعية.

وقد أعلنت الجبهة التركمانية، عن استغرابها من قرار المحكمة الاتحادية حول المادة 140 مؤكدة أن “قضية كركوك هي مفتاح وحدة العراق والتفريط فيها هو تفريط في الوحدة الوطنية ولا يمكن ان تحل عبر الآليات التي وضعتها المادة 140 وإنما أساس الحل هو التوافق بين مكوناتها”.

وقالت الجبهة في بيانها: “بقيت المادة 140 منذ إقرارها، محل خلاف وجدال كونها تخدم مكونا واحدا في كركوك وظلت مرفوضة وما زالت من قبل باقي مكوناتها، مشددة” ان المادة 140 سواء تم الاعتراف بدستوريتها أم لا فأنها لن تحل قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها، وان الحل التوافقي هو مفتاح كل الحلول وهذا ما أكده تقرير بعثة الأمم المتحدة عبر تقريرها الذي دعا إلى التوافق وحذر من أي استفتاء لحسم مستقبل محافظة كركوك”.

أما “الجبهة العربية في كركوك” فقد أكدت إن القضاء العراقي تعرض إلى ضغوط وتأثيرات بشأن قراره الأخير الخاص بالمادة 140 معلنة عزمها الطعن في قرار المحكمة الاتحادية. وذكر بيان الجبهة إن “المادة 140 مادة دستورية ميتة بحكم الدستور الذي ألزم الحكومة والبرلمان العمل بها لفترة زمنية محددة هي لغاية 31/12/2007 وأن حكومة عادل عبد المهدي مصرة على ضياع المكتسبات التي تحققت في كركوك وباقي المناطق التي عادت إلى سيطرة الدولة العراقية بعد عام 2017” محملة الحكومة المركزية وعادل عبد المهدي المسؤولية الكاملة في حال تدهور الأوضاع في كركوك.

ويرى التركمان والعرب، ان الحل الأمثل لمشكلة محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها هو تدقيق سجلات النفوس والناخبين التي تعرضت لتزوير وتلاعب كبيرين من الأحزاب الكردية، ويطالبون بتوزيع المسؤوليات الإدارية والسياسية في المحافظة بالتساوي أي بنسبة 33 في المئة لكل مكون بما يحقق العدالة للجميع.

أما الأحزاب الكردية، وكما هو متوقع، فقد سارعت للترحيب بقرار المحكمة الاتحادية الذي بذلت جهودا كبيرة وسنوات عديدة للوصول إليه، لذا يحق لتلك الأحزاب ان تحتفل بوقوف القضاء الذي تتهمه أغلب القوى السياسية بأنه مسيس، إلى جانبها، كواحد من أبرز الإنجازات التي حققتها في عهد حكومة عبد المهدي.

وحيث أن المادة 140 تدعو الحكومة الاتحادية لإجراء إحصاء واستفتاء لسكان المناطق المتنازع عليها، لبيان موقفهم من البقاء مع السلطة الاتحادية أو الانضمام إلى إقليم كردستان، فإن الأحزاب العربية والتركمانية في كركوك وغيرها، تتهم القيادة الكردية بأنها استغلت ظروف الانفلات في البلد بعد الاحتلال ومن خلال سيطرتها على حكومة كركوك لأكثر من 15 عاما فقد تمكنت من جلب مئات الآلاف من الأكراد من مناطق كردستان العراق وإيران وتركيا وسوريا إلى كركوك ومناطق أخرى، وتم منحهم وثائق عراقية لزيادة عدد الأصوات الكردية في أي انتخابات أو استفتاءات في تلك المناطق.

ويتذكر المتابعون للشأن العراقي، ان المادة 140 من الدستور أصرت الكتلة الكردية على إدخالها بمباركة من الولايات المتحدة وإيران كواحد من أخطر الألغام المزروعة في المشهد السياسي، والتي يراد منها خلق الفتنة وتقسيم المجتمع وعدم الاستقرار في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي. ولقد كنت من المتابعين لعمل لجنة تعديل الدستور النيابية التي ترأسها وقتها همام حمودي عضو المجلس الأعلى الإسلامي (الشيعي) وكيف قامت بتسويف المطالبات بضرورة تعديل بعض مواد الدستور التي فرضها الاحتلال، حيث تعمدت الكتل السياسية الكبيرة، إفشال عمل لجنة الدستور بدون إنجاز أي نتائج، بهدف إبقاء الأوضاع المتدهورة في البلد على حالها.

ومع ان تحقيق الطموحات الكردية بالسيطرة على كركوك ومناطق أخرى لن يتم بهذه السهولة، في غياب التوافق مع العرب والتركمان، إلا ان قرار المحكمة الاتحادية سيكون دافعا قويا للقيادة الكردية في مشروعها لترتيب الأوضاع في تلك المناطق لصالحها، كخطوة نحو تحقيق حلمها بـ”الدولة الكردية” وهو الأمر الذي كرره مسعود بارزاني في خطابه الأخير بعد قرار المحكمة الاتحادية، حيث جدد وصف الحكومات العراقية المتعاقبة بالمحتلة والشوفينية، قائلا إن “العدو يكن حقداً كبيراً لمنطقة بارزان بصورة خاصة، وكانوا يخشونها لكونها مركزاً للثورة والتصدي للاحتلال ومنبع النهج الداعي للاستقلال” حسب قوله.

وأخيرا فإن خطورة تطبيق المادة 140 لا تقتصر على انها سترفع من وتيرة النزاعات بين مكونات البلد من العرب والتركمان والكرد فحسب، بل انها تشمل العشرات من المناطق المتنازع عليها بين المحافظات العراقية، والتي سيشجع قرار المحكمة الاتحادية، الأحزاب وحيتان الفساد على إثارتها لتحقيق مكاسب مختلفة لهم، ولتزيد من الأزمات المزمنة التي تكون طبعا على حساب وحدة واستقرار وتجانس الشعب العراقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية