بغداد ـ «القدس العربي»: مصطفى العبيدي: حسمت المحكمة الاتحادية الجدل الدائر حول دستورية قرارات البرلمان الخاصة بنتائج الانتخابات الأخيرة، فأصدرت قراراتها التي راعت رد الاعتبار جزئيا لإرادة الشعب، مع التوفيق بين مطالب الطرفين المؤيد والمعارض لنتائج الانتخابات، وسط تحديات سياسية وأمنية تعصف بالبلد.
ففي الوقت الذي سجلت فيه المحكمة موقفا يحسب لها، عبر تأكيد شرعية قرارات البرلمان لتصحيح التزوير الواسع الذي حصل في الانتخابات الأخيرة، وتأييد تعديل قانون الانتخابات واستخدام العد والفرز اليدوي للأصوات وتكليف قضاة بإدارة مفوضية الانتخابات، إلا انها رفضت إلغاء البرلمان لانتخابات الخارج والنازحين والبيشمركه في الإقليم، وبذا ردت المحكمة اعتراضات مفوضية الانتخابات المجمدة ورئاسة الجمهورية على قرارات البرلمان.
وفي كل الأحوال فإن قرار المحكمة الاتحادية بات وسيطبق فورا، وستنطلق عملية عد الأصوات يدويا التي يقوم بها أكثر من عشرة آلاف موظف في مفوضية الانتخابات وبإشراف قضاة بدلا عن مجلس مفوضية الانتخابات المجمد والمشكوك في نزاهته.
ونظرا لانتهاء فترة عمر البرلمان في الثلاثين من الشهر الحالي، قبل انتهاء عملية عد وفرز الأصوات، فان العراق سيدخل الفراغ الدستوري وستكون حكومة حيدر العبادي حكومة تصريف أعمال لحين الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية وقيام البرلمان الجديد.
ردود أفعال القوى السياسية على قرارات المحكمة تسارعت بين من اعتبرها نصرا لإرادة الشعب على ساسة تزوير الانتخابات الفاسدين، وبين من حذر من استغلال الحكومة لفترة تصريف الأعمال لتوسيع صلاحياتها وتحقيق مصالح سياسية، وبين الخشية من استغلال هذه الفترة من قوى تسعى لخلق أزمات أمنية مثل تنظيم «داعش» وبعض الفصائل المسلحة.
وبانتظار ظهور نتائج الانتخابات، يبرز اهتمام شعبي بالإجراءات التي سيتم اتخاذها بحق المزورين التي ستكون مقياسا لمدى استقلالية القضاء وجدية الحكومة في الحفاظ على إرادة الشعب من التزييف والتلاعب. مع اتفاق المراقبين على انه لن يكون هناك اختلاف كبير في نتائج الانتخابات الالكترونية واليدوية، لكون التزوير قد حصل بطرق متعددة يصعب كشفها، وبالتالي فليس في الإمكان أفضل مما كان في ظل واقع العراق.
ومع إطلاق قرارات المحكمة الاتحادية فان ملامح المرحلة اللاحقة ستظهر من خلال عدة اتجاهات، أولها دخول العراق في الفراغ الدستوري الذي يحصل بعد انتهاء فترة عمر البرلمان في 30 من حزيران/يونيو الحالي دون تشكيل حكومة جديدة وفقا للدستور، حيث ستواصل حكومة العبادي عملها في تصريف الأعمال لحين إعلان نتائج الانتخابات التي قد تستغرق شهرين أو ثلاثة. ولتطمين المواطنين من الفراغ الدستوري، أعلن العبادي أن الحكومة ستواصل عملها بعد انتهاء عمر البرلمان حتى حسم ملف نتائج الانتخابات.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انطلاق حراك لبعض القوى السياسية لتمديد عمر البرلمان أيضا لحين إعلان النتائج وحسم التزوير فيها، لمنع وجود فراغ في السلطة التشريعية، حسب رأيها.
واستباقا لظهور نتائج الانتخابات، بدأ حراك حثيث للكتل السياسية لترتيب تحالفاتها من أجل تشكيل الكتلة النيابية الأكبر التي ستقود الحكومة المقبلة، إذ عقدت الكتل الشيعية التي لديها أغلبية في البرلمان (نحو 190 مقعدا من أصل 329) سلسلة اجتماعات ولقاءات للاتفاق حول إعلان الكتلة الأكبر، وتحديد برنامج الحكومة المقبلة قبل بدء الحوار مع بعض القوى السنية والكردية لإشراكها في جزء من الكعكة الحكومية، كما حصل في كل حكومات ما بعد 2003. ويرى المراقبون ان الاجتماعات في حد ذاتها ليست مهمة وانما الأهم هو برنامج الحكومة وفيما إذا كان سيضمن مصالح كل مكونات الشعب العراقي أم سيبقى الحال على ما هو عليه منذ 2003 أي مجرد تقاسم السلطة بين الأحزاب.
وتترافق هذه التطورات في العملية الانتخابية والفراغ الدستوري مع تصاعد ملحوظ في نشاط خلايا تنظيم «داعش» وميليشيات مسلحة. وشهد الملف الأمني هذه الأيام وقوع الكثير من الخروقات مثل عمليات مهاجمة عناصر داعش، للقرى النائية وخطف المواطنين على الطرق الخارجية في المناطق الرخوة البعيدة في كركوك وديالى وصلاح الدين والموصل والأنبار والحدود العراقية السورية، وهي مناطق مترامية ووعرة يصعب السيطرة عليها. وسببت هذه الهجمات خسائر بشرية ومادية إضافة إلى خلق الرعب لسكان تلك المناطق، كما وقعت حوادث من قبل بعض الميليشيات ضمن الحشد الشعبي لمس المواطن فيها تحديا لسلطة الدولة مثل الاشتباكات التي وقعت في بغداد بين رجال الشرطة وعناصر من حزب الله، وتهديد ميليشيا العصائب بتوجيه ضربات للقواعد الأمريكية ردا على قصف إسرائيلي لمقراتها في سوريا، إضافة إلى رفض بعض الفصائل حصر السلاح بيد الدولة.
ورغم الظروف الاستثنائية والفراغ الدستوري، يبدو ان حكومة العبادي مضطرة لمواجهة عدة تحديات أبرزها الاسراع في حسم نتائج الانتخابات وعقد التفاهمات بين القوى السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، بالتزامن مع مراجعة خططها الأمنية لمواجهة الإرهاب وانهاء المظاهر المسلحة، من أجل الانطلاق نحو إعادة تأهيل أوضاع البلد وانقاذه من الأزمات المتعددة.