تونس-»القدس العربي»: مثّل عدم إنشاء المحكمة الدستورية العليا والعجز عن انتخاب أعضائها النقطة السوداء في المسار الديمقراطي التونسي الذي انطلق سنة 2011 مباشرة بعد الإطاحة بنظام بن علي. فقد تم إنجاز كل شيء تقريبا في هذا المسار وكانت التجربة قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال لولا هذا العجز الغريب عن إتمام هذه المحكمة التي انيطت بعهدتها صلاحيات واسعة.
فحسب الفصل 120 من الدستور التونسي الجديد فإن المحكمة الدستورية هي الوحيدة المخول لها بمراقبة دستورية مشاريع القوانين المعروضة عليها من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين عضوا من أعضاء مجلس نواب الشعب، وكذلك مشاريع القوانين الدستورية التي يعرضها عليها رئيس مجلس نواب الشعب. كما تراقب المحكمة دستورية المعاهدات التي يعرضها عليها رئيس الجمهورية والقوانين التي تحيلها عليها المحاكم والنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الذي يعرضه عليها رئيس المجلس.
كما أن للمحكمة دور في إعفاء رئيس الجمهورية إذا ما خرق الدستور خرقا جسيما، وفي إقرار شغور منصب رئيس الجمهورية في حال العجز أو الموت أو غيره، وفي تلقي يمين القائم بمهام رئيس الجمهورية، وفي الحسم في مسألة استمرار الحالة الاستثنائية. وقد عاشت تونس سابقا حالة الشغور والوضع الاستثنائي بعد وفاة الراحل الباجي قايد السبسي وتم الخروج من المأزق رغم غياب المحكمة الدستورية. ومن أهم مهام المحكمة أيضا النظر في النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وهو نزاع يمكن أن يؤدي إلى شلل أجهزة الدولة في غياب المحكمة الدستورية مثلما هو حاصل اليوم بين ساكن قرطاج قيس سعيد وصاحب القصبة هشام المشيشي.
ويظهر مما ذكر أن مهام المحكمة الدستورية العليا عديدة ومتنوعة وشديدة الأهمية، وبالتالي يصعب في ظل عدم وجودها الحديث عن استكمال مسار الانتقال الديمقراطي الذي كثيرا ما فاخر به التونسيون. وحتى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، التي تم النصيص عليها في الفصل 148 من الدستور التونسي لسنة 2014 والتي تم إحداثها فعليا في العام نفسه، لا يمكنها أن تحل محل المحكمة الدستورية العليا وذلك بالنظر إلى اختصاصاتها المحدودة والتي لا ترتقي إلى اختصاصات المحكمة الدستورية العليا.
الهيئة المؤقتة
قد نجح التونسيون في إنشاء الهيئة المؤقتة بالنظر إلى أن هناك جهة واحدة مخولة لاختيار أعضائها وهي رئاسة الجمهورية، في حين أن اختيار أعضاء المحكمة الدستورية العليا معقد بعض الشيء إذ تتداخل فيه عدة أطراف بالإضافة إلى أن الأعضاء المنتخبين من قبل مجلس النواب تتطلب تزكيتهم أغلبية الثلثين أي 145 صوتا وهوما يفوق العدد المخصص لنيل الحكومة للتزكية أي 109 من الأصوات. فحسب الفصل 118 من الدستور، فإن المحكمة الدستورية تتكون من 12 عضوا من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون الذين لا تقل خبرتهم عن عشرين سنة، ويعين كل من رئيس الجمهورية ومجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء لكل منهم ويكون التعيين لفترة واحدة مدتها تسع سنوات، ويجدد ثلث أعضائها كل ثلاث سنوات.
وبالتالي فإن تأخر تشكيل المحكمة الدستورية العليا سببه عدم الاتفاق على الأعضاء الأربعة الذين هم من نصيب البرلمان، حيث لم تحصل التوافقات بشأن ثلاثة مرشحين مقابل نجاح العضو الرابع وهي امرأة في نيل الأصوات المطلوبة أي 145 صوتا فما فوق من أصل 217 نائبا يضمهم البرلمان التونسي. ويرجع البعض السبب في عدم نجاح المرشحين الثلاثة للتزكية هو أنهم غير مستقلين تماما كما يتم الترويج له ولديهم ارتباطات ببعض الأحزاب السياسية مما يجعل الخصوم السياسيين يرفضون منح ثقتهم لمرشحين محسوبين على «الطرف الآخر».
فهل أن الحل هو في ترشيح شخصيات أخرى تحظى بالّإجماع وقادرة على النجاح في نيل أغلبية الثلثين في المجلس؟ أم أن الأفضل هو أن يتم الذهاب باتجاه التخفيض في النصاب القانوني المطلوب، أي بالنزول به إلى 109 أصوات برلمانية على غرار النصاب الذي تحتاجه الحكومة وذلك لنيل التزكية، مثلما يرغب البعض؟
تعطيل المحكمة الدستورية
يبدو الحل الأول هو الأقرب إلى العدل والمنطق والواقع، لكنه قد يصطدم برفض الحزب الأول أي حركة النهضة التي ترغب في أن يكون الرباعي المرشح من مجلس نواب الشعب مواليا لها باعتبار أن لرئيس الجمهورية رباعيا مواليا له سيقوم بتعيينه، فيما يحوم الغموض حول الرباعي المقترح من المجلس الأعلى للقضاء. وتعارض أحزاب، بعضها برلماني وبعضها من خارج المجلس، هيمنة حركة النهضة على الرباعي البرلماني لذلك ترفض تزكية الأسماء المقترحة في حال عرضت مجددا على البرلمان ومن ذلك التيار الديمقراطي وحركة الشعب الحزبين المقربين من رئيس الجمهورية بالإضافة إلى الحزب الدستوري الحر الذي يعارض الجميع.
ويرى البعض أن الرئيس قيس سعيد لديه بدوره مصلحة في تعطيل المحكمة الدستورية العليا مثلما كان الباجي قايد السبسي في السابق باعتبار أن الكفة تميل إليه في تأويل نصوص الدستور. فهو أستاذ القانون الدستوري الذي يجد متعة في هذا الجدل البيزنطي العقيم الذي خلقه غياب المحكمة الدستورية العليا والذي ما كان ليكون لو تم إنشاء هذه المحكمة في أجل سنة من انتخابات سنة 2014 مثلما كان مخططا له.
فالتعطيلات سببها حسابات سياسية ضيقة من هذا الطرف وذاك باعتبار أن الكل لديه الرغبة في الهيمنة على هذه المحكمة وعلى أغلب مفاصل الدولة خاصة وأن الأعضاء في هذه المؤسسة الدستورية سيؤدون واجبهم لتسع سنوات بالتمام والكمال. لذلك التقت الإرادات حول إرجاء تشكيل هذه المحكمة بمنطق «إما أن تكون لي أو لا تكون» لذلك تسعى كل جهة لتأجيل التشكيل إلى أن تتغير موازين القوى الانتخابية أملا في أن تصبح صاحبة الأغلبية المطلقة في البرلمان فتشكل المحكمة على هواها ليبقى الوطن المكلوم آخر الاهتمامات.
التوفيق بين الفرقاء
ولا حل يبرز في الأفق لهذه الأزمة السياسية التي تعيشها تونس في غياب المحكمة الدستورية، خارج إطار الحوار الذي ترعاه المنظمات الوطنية الكبرى الحائزة على جائزة نوبل وغيرها، والتي باتت لها تقاليد في التوفيق بين الفرقاء السياسيين. فيما تبقى الخشية كبيرة من ضرب السيادة الوطنية من خلال تدخل قوى خارجية للضغط على أطراف الأزمة للمسارعة بتشكيل المحكمة الدستورية العليا، لأن البلد مديون لأطراف خارجية لن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تشاهد أزمة سياسية حادة تعطل عجلة الاقتصاد والتنمية وتعيق سداد أقساط القروض في آجالها المحددة.
ويقترح البعض للخروج من هذا المأزق اللجوء إلى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين لتكون الحكم بين رئيسي الجمهورية والحكومة رغم أن المسألة لا تدخل ضمن دائرة اختصاصها. وحجة هؤلاء أنه بعد وفاة الرئيس الباجي تم اللجوء إليها لمعاينة الشغور ونقل مهام رئاسة الجمهورية إلى رئيس البرلمان محمد الناصر، رغم أن الأمر أيضا ليس من اختصاصها. لكن السؤال الذي يطرح هل سيقبل الطرفان برأيها إن هي قبلت بالتحكيم؟ فهي ليست صاحبة اختصاص ويقتصر مرجع نظرها على اختصاص وحيد من بين تلك التي منحت للمحكمة الدستورية العليا وهو مراقبة دستورية القوانين، كما تم إنشاؤها لفترة محدودة في الزمن وذلك خلال المرحلة الانتقالية ومن المفروض أنها انتهت.