تمويل المحكمة مادة سجالية دسمة تضاف الى الواقع المأزوم الذي تعيشه الساحة اللبنانية منذ ان انشأت المحكمة الدولية، ولهذه القضية طعم خاص في هذه الايام من جراء ما يحدث من تطورات اقليمية ودولية تحاصر لبــنان ولا يبدو انه بعيدا عن نارها، قد يكون مشهد التمويل في لبنان وخارجه واضح المعالم الى حد ما، فهناك فريقين مؤيد ومعارض ولكل منهما اسبابه وتحليله، وللخارج دور التهويل والويل والوعيد بعظائم الامور تحت طائلة عدم التمويل.
ولا شك ان هذا الامر يتخطى موضوع المحكمة بحد ذاتها ويصح توصيفه بانه وجه جديد من الحرب الامريكية الاسرائيلية الباردة ضد حزب الله، يرافقها رشقات من المعارضة الاذارية اتجاه الاكثرية الحالية، التي لا تبدو بعيدة في بعض مكوناتها عن سياسة ‘بيت الوسط’ وان اخذت شكل ‘الوسطية’ في بعض الاحيان، فهذه القوى تعطي اهتماما للمحكمة والتزاما لم تعطيه حكومة سعد الحريري نفسها.
في خضم هذا النقاش الدائر اليوم حول تمويل المحكمة يرى بعض المراقبون انها لن تكون ازمة عقيمة كما يصور البعض، وهناك من يؤكد في هذا السياق من كلا الفريقين ان هذه القضية ستحظى بمخرج الزامي عبر طريق التسوية اللبنانية وكل ما يحصل اليوم هو تجهيز انيق ‘للطبخة’ على نار الميقاتية الهادئة والمناورة الجنبلاطية ورمادية بعبدا، الا ان هذا البعض نسي او اتناسى ان قضية تمويل المحكمة من خزينة الدولة ‘او من الجيوب الخاصة ‘ليست المشكلة بعينها، بل هناك من يغفل عن جوهر حدود هذه المحكمة بمعزل عن تسييسها وتضليلها وفبركة اتهاماتها وشهود زورها، المشكلة تكمن في وجودها اصلا وسلطتها المطلقة على لبنان حكومة وشعبا بموجب ‘ التوكيل غير قابل للعزل او لانتهاء الصلاحية’، فلمجلس الامن ومحكمته الخاصة بلبنان حق التصرف المطلق يصدر الاوامر والاحكام، و على لبنان التنفيذ دون شرط او قيد.
من حق هذه المحكمة ان تحقق وتعتقل وتستعلم عن اربعة ملايين لبناني بما في ذلك المؤسسات العامة والخاصة والانهر والبحار وقضايا الزواج والطلاق ومواعيد الصلاة والعبادة، وحتى يومنا هذا وبعد مرور اكثر من 4 سنوات على عمل هذه المحكمة تحتاج على الاقل لخمس سنوات اضافية لتنهي عملها في قضية اغتيال الرئيس الحريري ومحاولة اغتيال مروان حمادي والياس المر، ولهذه المدة ان انتهت في وقتها كلفة مالية سنوية على اي حكومة في لبنان تسديدها في موعدها.
وللعلم ايضا ان هذه المحكمة محال اليها اكثر من 12 ملف يتعلق باغتيالات وتفجيرات لم تبدأ العمل بهم، وعلى اقل تقدير ستستغرق مدة عملهم في هذه القضايا عشرون عاما، اللهم اذا لم تتسلم هذه المحكمة قضايا اطلاق النار ابتهاجا وحوادث السير والانتحار ومخالفات البناء والقدح والذم وقانون الايجارات واي مصيبة او عارض صحي يلحق باحد قـــــادة فريق 14 اذار ومعاوينه، وعلى هذا الحال يصبح مصير لبنان وشعبه في قبضة المحكمة الدولية لعقود من الزمن وما يلزم ذلك من تمويل سنــويا وربما لاحقا يصبح شهريا، لان هذه المحكمة ستكون محط طموح الكثيرن في العالم للعمل فيها كوظيفة مغرية ومنتجــــة، لذلك لا يجب علينا الغوص كثيرا في ابعاد وكلفة تمويل المحكمة بقدر ما علينا الحذر والانتباه لوجود وعمل المحكمة نفسها، ومدى خطورة سطوتها المطلقة على العباد والبلاد دون حسيب او رقيب وجعلها من المقدسات وتحريم المس بها تحت عناوين الفتنة وحماية القتلة وغضب ‘المجتمع الدولي’ وعليه القصة ليست في التمويل بل في توكيل كل شيء لصالح المحكمة على قاعدة ‘والي من والها وعاد من عاداها’؟ عباس المعلم – لبنان