الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير اندراوس: قررت المحكمة العليا الاسرائيلية امس الجمعة ردّ الالتماس الذي قدّمته النائبة السابقة، زهافا غلئون، والمركز الاسرائيلي للدفاع عن حقوق الفرد، للكشف عن السجن السريّ داخل الدولة العبرية، والذي يُطلق عليه اسم غوانتانامو الاسرائيلي، ويُعرّف بالرقم 1391، وجاء في قرار رئيسة المحكمة العليا، دوريت بينيش، انّ الكشف عن مكان السجن او السماح لاعضاء الكنيست بزيارته او معرفة تفاصيله سيؤدي لاضرار امنية كبيرة بالامن الاسرائيلي.
واللافت انّ الالتماس الى العليا قُدّم قبل خمس سنوات، وفقط امس نشرت المحكمة القرار الذي يشرعن عمليا السجن السريّ، وبحسب المعلومات المتوفرة فانّ السجن يقع في وسط اسرائيل، محاط بالجدران المرتفعة وحوله برجا مراقبة لتوفير الحراسة والمراقبة الدائمة لمحيط المنطقة. يبدو السجن من الخارج كاي مركز شرطة بناه البريطانيون في الثلاثينات ابان انتدابهم لفلسطين، وتستغل اغلب هذه الابنية القديمة كقواعد عسكرية، وتتم الاشارة الى هذه الابنية من خلال لافتات طرق تكتب عليها ارقام فقط.
وتقول المحامية الاسرائيلية ليئا تسيمل، والمتخصصة في الدفاع عن الفلسطينيين انّه لا فرق بينه وبين سجن يديره الديكتاتوريون العنصريون من جنوب افريقيا، واي شخص يدخل هذا السجن يختفي، ومن المحتمل للابد، على حد تعبيرها.
السجن 1391 القريب من الخط الاخضر مختلف عن غيره من السجون، فهو ليس بمكان معرف على الخرائط، كما تمّ محوه عن الصور الجوية، كما تمت ازالة لافتة الطرق المرقمة مؤخرا.
وازالت الرقابة جميع ما ذكر حول موقع السجن من الاعلام الاسرائيلي، تبعا لتعليمات الحكومة الاسرائيلية بذريعة ان التكتم والسرية ضرورات امنية لمنع الحاق الضرر بالدولة. واستنادا الى اقوال المحامين الاسرائيليين، فان الصحافيين الاجانب الذين افشوا سر هذا المعتقل مهددون بالابعاد عن اسرائيل، لكن وبالرغم من محاولات الحكومة فرض التعتيم الاعلامي، تم تسريب معلومات حول احداث مرعبة جرت في هذا السجن على مدى عقد من الزمان، وكما وصفته احدى الصحف، فان سجن 1391 يعتبر (غوانتانامو اسرائيل). وبالرغم من ان السجن 1391 الاسرائيلي لم يحظ باي شهرة مقارنة بالسجن الامريكي، فانه ينتهك القوانين الدولية والانسانية بشكل افظع، وعلى عكس معسكر الاعتقال الامريكي (X Ray) مكان السجن بغير عنوان، وليست هناك صور فوتوغرافية قريبة او حتى بعيدة المدى للمحتجزين فيه كالتي اخذت للمحتجزين في حجيرات معسكر غوانتانامو، وعلى عكس معسكر الاعتقال الامريكي لم يفحص او يفتش السجن الاسرائيلي 1391 مطلقا من قبل اي هيئة مستقلة (مثل هيئة الصليب الاحمر الدولي) وبقي كل ما يحدث في هذا السجن لغزا غامضا في علم الغيب. لكن لا احد باستثناء عدد قليل من الرسميين من قادة الامن والحكومة الاسرائيلية، يعرفون كم عدد المحتجزين في سجن 1391 السري. الشهادات التي ادلى بها عدد من المعتقلين المفرج عنهم قالت انّ عدد المعتقلين كبير جدا منهم لبنانيون القي القبض عليهم اثناء الاحتلال العسكري الاسرائيلي لجنوب لبنان وعلى مدار 18 عاما.
المعلومات القليلة المتوفرة تشير الى ان اساليب التحقيق تشتمل على التعذيب النفسي والجسدي وبشكل روتيني. المعتقل مصطفى الديراني الذي اختطف على يد القوات الاسرائيلية الخاصة من لبنان في العام 1994، واعترفت اسرائيل مؤخرا بنقله الى السجن 1391، قال انّه تعرض لاغتصاب على يد محققيه.
اول خرق للتكتم الاسرائيلي حول هذا السجن جاء على يد المحامية تسيمل قبيل الاجتياح العسكري الاسرائيلي لمدن الضفة الغربية ضمن (عملية السور الواقي) في نيسان (ابريل) 2002، ومنذ ذلك الوقت يبدو ان هذا السجن استخدم بشكل مكثف لاحتجاز معتقلين اجانب، وغير المعلومة اعدادهم اردنيين، لبنانيين، سوريين، مصريين او ايرانيين، كما انّ لجنة انصار السجين مركزها الناصرة اشارت الى انه يوجد 15 اسما لاسرى من جنسيات عربية حذفت من السجلات الاسرائيلية للمعتقلين الفلسطينيين المحتجزين لديها.
الى جانب العديد من عمليات الاختطاف، تحديدا من لبنان.
هناك اربعة رسميين حكوميين ايرانيين اختفوا في بيروت في العام 1982. وتطالب عائلاتهم اسرائيل بتقديم معلومات تتعلق بمصيرهم وذلك في عملية تبادل للاسرى التي يتم التفاوض عليها مؤخرا بين اسرائيل وحزب الله.
وقال الاسير المحرر بشار جاد الله من نابلس انّه لم يضرب او يعذب جسديا، على غرار المعتقلين الاخرين، ربما بسبب كبر سنه، لكنه وضع شهورا عدة في العزل القاسي مع اناس لم يسبق ان راهم قط ولم يعرف خلفيتهم، لقد ارهبوه. زنزانته الضيقة 22، لم يكن لها اي نافذة، ودهنت جدرانها باللون الاسود، ومصباح خافت يضيء الزنزانة على مدار الـ 24 ساعة. كما تم رفض زيارة محامية، و لم يسمح له بالتحدث مع اي معتقل اخر، وقيل له انه محجوز في القمر عندما سأل احد السجانين عن مكان احتجازه. لم يكن يسمح له برؤية اي شيء خارج زنزانته. يقول بشار: لقد اجبروني على وضع عصبة على كلتا عيني في كل مرة يخرجونني فيها من الزنزانة، كان عليهم تعصيبي اذا ما نقلوني الى مكان اخر مثل غرفة التحقيق او عيادة السجن، لا يزيلون العصبة ابدا الا اذا كنا داخل المكان المغلق.
وقامت مؤسسة (هموكيد) بعرض رأي للدكتور يهوكيم شتاين، مختص بالامراض النفسية من القدس، حول تأثير الاعتقال في مثل هذه الظروف. يقول الدكتور شتاين انّه من خلال علاج الاسير المحرر جاد الله وغيره من المعتقلين الفلسطينيين الذين ادلوا بشهاداتهم حول ظروف اعتقالهم، تبين انهم تعرضوا لتعذيب عقلي ادى الى ظهور اعراض الفزع، الخضوع، والضعف، نقص الغذاء، والنوم، والحركة، والمنبهات العقلية، وكذلك استبعاد اي اتصال عنهم انساني سواء كانوا محامين او افرادا من الاسرة او معتقلين اخرين او حتى حراس وسجانين هو بمجمله اسلوب تعذيب مدروس، يهدف الى الحد من القدرة على مقاومة الاستجواب والتحقيق واجبار المعتقل على ان يكون خاضعا بشكل كامل للمحققين.
هذه الظروف الى جانب الام التعذيب او حتى التهديد باستخدام التعذيب مع الخوف من القتل او بمجرد التفكير في انك شخص منسي، تجعلك مثالا حيا لما يدعوه الدكتور شتاين الفزع المؤذي نفسيا. يقول جاد الله: عدم معرفتي بالمكان الذي احتجز فيه او حتى عدم رؤيتي لوجوه السجانين جعلني مرعوبا جدا، الشيء الاصعب هو شعوري بأني قد اختفي ولن تعرف عائلتي مطلقا ما قد حصل لي.
ونشرت صحيفة ‘يديعوت احرونوت’ ما يشبه بطاقة التعريف بالسجن السري 1391 الذي يعتبر قاعدة تستخدم للتحقيق تابعه للوحدة العسكرية رقم 504 والتابعه لقسم المخابرات التابع للجيش الاسرائيلي ويتركز جل عمل الوحدة المذكورة على تشغيل العملاء وتجنيدهم والتحقيق مع المخربين الخطيرين وجنود الجيوش المعادية الذين يقعون في اسر القوات الاسرائيلية. ويحتوي السجن السري على غرف اعتقال اقيمت عميقا تحت سطح الارض ويقوم جنود من الشرطة العسكرية بكافة الخدمات اللوجيستيه في هذه المنشأة الحساسة مثل نقل المعتقلين منه واليه واقتيادهم من غرفهم تحت الارضية الى غرف التحقيق، اضافة الى نقل كافة احتياجات المنشأة الاخرى فيما يقوم بأعمال التحقيق محققون من قسم الاستخبارات ومساعدوهم من الجهات الاخرى وجميعهم مختصون بالتحقيق مع الاسرى ويتم حفظ نتائج التحقيق داخل اجهزة حاسوب خاصة.