رغم التحضيرات الإسرائيلية لشن معركة رفح، كانت حسابات «محور إيران» أن المفاوضات القطرية – المصرية – الأمريكية بشأن الهدنة بين إسرائيل وحركة «حماس» ستنجح، وأن التلويح بـ»معركة رفح» ليس سوى ورقة ضغط يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحسين شروط التفاوض. كانت المعلومات التي تصل إلى «المحور» بأن المقترح المصري الأخير، قد حظي بموافقة تل أبيب، أو بشكل أدق، تعهَّد مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وليم بيرنز بانتزاع الموافقة الإسرائيلية عليه.
أعلنت «حماس» موافقتها وقالت إنها رمتِ الكرةَ في ملعب إسرائيل. كانت تنتظر أن تُعلن تل أبيب قبولها بالهدنة، لتسوق هي و»المحور» ذلك على أنه انتصار لهما بمجرد إجبار العدو على وقف إطلاق النار. جاء رد الجيش الإسرائيلي على النقيض، حيث نفّذ المرحلة الأولى من عملية رفح بالتقدم والسيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح على الحدود المصرية، ويُكمل باجتياح المدينة في خطة متدحرجة وصل بها تقريباً حتى منتصف رفح عند وصوله إلى مفترق صلاح الدين.
أخطأ «المحور» في حساباته. كان يُراهن على استحالة تفريغ رفح من مليون ونصف المليون شخص، ويراهن على أن لا موافقة أمريكية على العملية من دون عملية إجلاء للمدنيين وهذا أمر صعب التحقيق، ويراهن على أن الإسرائيلي يفقد تأييد الغرب والرأي العام العالمي في استمرار حربه على غزة، فكيف بعملية جديدة في رفح؟ اليوم أضحى هذا الكلام من الماضي.
السبيل السياسي مُقفل
ثمة وقائع جديدة على الأرض ومرحلة قادمة وُضعت لها استراتيجيتها وخلاصات آنية. في الخلاصات، أنها المرة الأولى التي يظهر فيها أن السبيل السياسي مُقفل من دون أفق إلى الأمام. وبدا أن كل الأطراف المعنية بإدارة الحوار تراجعت خطوتين إلى الوراء منذ اللحظة التي وافقت فيها «حماس» على الصفقة، وكأن الأمريكيين والإسرائيليين تفاجأوا ومعهم الوسطاء.
في تقدير «المحور» أن الجميع دخل في مأزق. الأكيد أن حساباتهم كانت مختلفة، وعليه جرى تعديل الاستراتيجية للمرحلة المقبلة، بحيث أضحى البديل للهدنة التي كان يُعوّل عليها لتحقيق مكاسب سياسية هو الذهاب إلى حرب استنزاف طويلة وقاسية. فعنوان المرحلة يتعدّى لعبة «عض الأصابع» بانتظار مرحلة سياسية كانت مقبلة لا محالة. المشكلة أنَّ لا أفق سياسياً ولا معطيات تلوح من قريب أو بعيد في الأجواء. إنها حال من عدم اليقين لما هو آت أو ممكن أن يأتي في السياسة. والأفق الوحيد الذي يمكن قراءته في المدى المنظور هو التصعيد. من هنا قرار العودة إلى الميدان كوسيلة وحيدة متوفرة في الوقت الراهن لتوجيه الرسائل والتفاوض بالنار وتحسين الأوراق والمواقع بانتظار بروز معطيات جديدة.
بدأت حرب الاستنزاف في غزة، وعاد الشمال ليشهد مواجهات شرسة بين كتائب القسام والجيش الإسرائيلي، ولا سيما في جباليا وحي الزيتون اللذين كان الجيش الإسرائيلي يعتقد أنه طهرهما من الفصائل المقاتلة، فإذا بمجموعات منها تظهر من جديد، وتخرج من أنفاق ما زالت غير مُكتشَفة، وتُعد الكمائن للقوات المتمركزة أو المتجوّلة في «حرب عصابات» استطاعت أن تُوجع الإسرائيليين وتُوقع بهم خسائر كبيرة. ستكون مواجهات الأيام الستة الماضية نموذجاً عن الحرب المقبلة بين «حماس» وإسرائيل. وبالطبع سيكون حجم الثمن الذي سيدفعه الغزاويون كبيراً في الأرواح وما تبقى من ممتلكات وبنى تحتية. فإسرائيل ستكمل في سياسة الأرض المحروقة ما دامت الفرصة تسنح لها بذلك. تلك المناوشات الداخلية أو الخلافات السياسية بين اليمين المتطرف والأقل تطرفاً والوسط وكل الاحتجاجات الشعبية من أجل استعادة الرهائن بالتفاوض لم تُغيِّر شيئاً في الخطة الإسرائيلية التي يرعاها نتنياهو.
الجبهة في جنوب لبنان
حرب الاستنزاف ستتصاعد على جهات الإسناد، وهو قرار اتُّخذ. وهذا ما يُفسِّر إدخال «حزب الله» على الجبهة في جنوب لبنان أسلحة جديدة إلى الميدان واعتبارها نقلة جديدة في قواعد الحرب من حيث مدى الاستهداف وقوة النيران وحجم الخسائر ونوعية السلاح. وقد استخدم للمرة الأولى مسيَّرة مسلّحة بصاروخَي «إس 5» أرسلها إلى المطلة حيث أطلقت الصاروخين قبل أن «تنتحر». وهو تطوُّر ميداني يستعمل فيه «حزب الله» صواريخ جو – أرض روسية الصنع، ويريد أن يقول إن المسيَّرة التي أطلقتهما و»انتحرت» يمكنها في المرحلة المقبلة أن تُطلق غيرهما وتعود إلى قواعدها. وبالتوازي، يؤكد «حزب الله» أن لا حلول في الجبهة الشمالية لإسرائيل من دون وقف الحرب في غزة. فالربط بين جنوب لبنان وغزة هو ربط استراتيجي وأصبح كل الوسطاء يدركون أن لا سبيل لفكّه.
كذلك الحال مع حرب الممرات التي تخوضها جماعة «الحوثي» في البحر الأحمر وباب المندب، والتي أعلن زعيمها عبد الملك الحوثي عن تفعيل المرحلة الرابعة من مراحل التصعيد في إطار مساندة غزة، والتي ترافقت مع إسقاط مسيَّرة أميركية «إم كيو 9» فوق مأرب. وهي مرحلة ستشهد مزيداً من استهداف السفن كما القطع الحربية الأمريكية والتي سترفع من منسوب التحدي أمام تحالف «حارس الازدهار».
غير أنه على الرغم من كل التصعيد، فالمرتقب أن تتسع رقعته ومداه ويكبر حجمه، إلا أنَّ منظرو «المحور» ما زالوا على اعتقادهم بأنه لن يخرج عن إطار الانضباط الذي يفرضه قرار الجميع بعدم الانجرار إلى الحرب الموسّعة أو الشاملة. فالحسابات الحالية تنطلق من أن صمت القنوات السياسية وانسداد الأفق يترك الكلمة للميدان في رهان على عامل الزمن، وعلى مَن يصرخ أولاً، بانتظار دخول عوامل جديدة من خارج سياق الاستعصاء الحالي، الذي لم يعد واضحاً ما إذا كان سيستمر لخمسة أشهر مرتبطة بما ستفرزه الانتخابات الأمريكية أم أن ثمّة ترياقاً ستحمله «قنوات خلفية» ما بين الإيرانيين والديمقراطيين ليس من معلومات مؤكدة أنها ما زالت مفتوحة بينهما.