المحو

حجم الخط
0

(مشهد)رياض بيدس ‘فرّ يا صاحبي الى وحدتك، اني اراك فريسة للسع الذباب السامّ. فرّ الى حيث يهب هواء حادّ قويّ. فرّ الى وحدتك! انك كنت تقطن قريبا جدا من الصغار والحقيرين. فرّ من انتقامهم الخفيّ! انهم رغبة في الانتقام ولا شيء غير رغبة انتقام مستعر ضدك. لا ترفع يدك عليهم منذ الآن! فعددهم لا يحصى، وليس قدرك ان تكون منشّة لطرد الذباب. كثيرون لا يحصى لهم عدد هؤلاء الصغار الحقيرين، وان بعض البنايات الشامخة لتكفيها قطرات الندى والاعشاب الطفيلية كي تنهار وتنهدم. لست حجرا، ومع ذلك ها انت قد تجوّفت من جرّاء القطرات الكثيرة. واني لأخاف عليك ان تتصدّع وتتفتّت بسبب القطر الكثير. متعبا اراك من جرّاء لسعات الذباب السامّ. مضرّجا بالدماء اراك في مائة موقع، لكن كبرياءك تأبى حتى ان تبدي سخطا’. ‘لكن لي كلمة هنا اريد ان اقولها لاعدائي: ماذا تساوي كل جرائم القتل امام ما فعلتموه بي! شرّا فعلتم بي اعظم من كل جرائم القتل جميعا، شيئا لا يعوّض سلبتموني: هكذا اخاطبكم يا اعدائي!’.’انني صديق لكل من هو نقي… وادرت ظهري للحاكمين عندما رأيت ما الذي يسمّونه حكما: السمسرة والمساومة على السلطة مع الرعاع!’.(نيتشه: هكذا تكلّم زرادشت ترجمة علي مصباح) الادون سفسارشك الجديد (ناظرا الى تابعيه اللذين يناديهما بالرجل أ و ب. لا فرق بين الالف والباء. كان حظ الاول ان يحصل على الرقم أ بعدما ابدى اجتهادا خاصا واخلاصا للادون. اما الباء، فكان احيانا يبدي امتعاضا خفيفا جدا من التعذيب الجاري على شخص كانوا يطلقون عليه اسما رقميا لا دلالة له 123. وبالطبع لم يكن شخص 123 يدري شيئا عن الايدي التي تقلب الحقائق وتحوّل الكذب الى حقيقة. والضحية 123 يكاد يفقد كل توازنه وعقله). احب ان اعرف النتيجة.

أ: النتيجة ممتازة. جمعنا معلومات عن الكذب والتلفيق ضد 123 ففوجئنا من الكمية. انها هائلة وتصرع فيلا. سفسارشك: الا تعتقد انك تبالغ؟ أ: لا ابالغ بالمرة. كميات الكذب التي استعملت ضده وقلب الحقائق والتعاون مع نشطائنا ستجعل منه خرقة بالية. سفسارشك: هل يتابع ما يجري؟ ب: في البداية قرأ من القرف نسبة عشرة بالمائة الى اقصى حد، ثم اعتزل. سفسارشك: هل لاحظتما او عرفتما انه تغيّر؟ ب: ماذا تعني؟ سفسارشك (بعصبية): يعني تراجع، تغيّر او صار… أ (ضاحكا): تقصد انه يحبنا؟ كلا. لقد ازداد ابتعادا. اللعبة التي لعبناها معه كانت ولا تزال لئيمة جدا. انه يحب بلاده جدا، لا بل اكثر من ذي قبل. سفسارشك: وماذا يقول؟ ب: يقول ان السلطة هي التي تدير كل الامور ضده مع رجالاتها المقرفين.

سفسارشك (مفكرا): يعني نحن.

ب: ايوه. أ: تغيّر بالمعنى السلبي. ازداد انعزالا وغموضا وخوفا من البشر ومن الشر. سفسارشك: مش معقول، لقد رسمنا الامر بدقة وجعلنا رجالاتنا في وسطهم يعملون عملهم ضده، وكل هذا ولم يمل الينا. أ: بالمرة. لكني يجب ان اعترف واقول انه حسب سلوكياته، فإنه يقرف منا. سفسارشك: يقرف منا؟! هل تعرف عدد الاشخاص الذين يعملون معنا (يطلق ضحكة) وعدد الذين فقط يريدون العمل معنا؟

أ: اعرف. لكنه لا طموح عنده. عدمي بالفطرة. ويحتقر كل الذين يعملون معنا. كل ما هو سلطوي يثير اشمئزازه الى حد القيء. سفسارشك (غاضبا): حد القيء؟!

أ: تماما!

ب (باستغراب): لماذا حططنا حطاطه؟

سفسارشك: لغاية في نفس يعقوب. ب: لا جدوى منه. (صمت)ب: انه يقرأ الامور جيدا، لكنه عنيد جدا. سفسارشك: الا يريد مستقبلا باهرا؟

أ و ب (معا): بالمرة! سفسارشك (ينهض عن المقعد بتثاقل): لقد دمرناه. احطناه من كل الجهات ولا يتقدم نحونا… ب: لا بل انه يحذّر منا ومن الاعيبنا. أ: انه انسان بري. سفسارشك: واحواله الشخصية؟ ب: انه يتعالج نفسيا. نجحنا في تدمير بعض الاجزاء منه.

أ: مثلا زادت كآبته على انه يحاول التكتم على الامر، كما انه يتلقى العلاج النفسي على يد طبيب روسي. سفسارشك: هل ملف الطبيب الروسي موجود؟ أ: حصلنا على التقارير، فمرضه الاكتئاب وهو يتناول يوميا اربعة انواع من الادوية النفسية الثقيلة.

سفسارشك: اذن تغيّر؟ أ: تغيّر مرضيا، لكنه ازداد تمسكا بما كان يؤمن به. ب: ما الذي نريده منه؟

سفسارشك: تغيير ذاكرته وتدميرها.

ب: هذا قتل معنوي من الطراز الاول. أ: اساسا معنويا قتل. هذا هو الفن: لا يسجن او يعذّب بالضرب، لكن تدمير ذاكرته اهم بكثير. بقلب الحقائق وتحويل الكذب الى حقيقة تجري اعادة تكوينه من جديد. ب: على طريقتنا. سفسارشك: الا يريد الرحيل؟

ب: منذ ان بدأت الحملة ضده تعلّق في البلاد اكثر من ذي قبل. سفسارشك (زامّا شفتيه): يا عيني! أ: ازداد حبّا لها. يعشق هذه البلاد. سفسارشك: ومجتمعه؟

أ: ايضا يحبه. سفسارشك: كانت سياستنا معه ان نمحو ما في ذاكرته وان نستغل المحو والذين قاموا عليه من نشطائنا لجره الى عملية محو اختيارية.

ب: من البداية قرأ تطور الامور جيدا. سفسارشك: صحيح.

ب: ولم يدل بدلوه بالمرة.

سفسارشك: هذا الذي يجنّن. على الحياد دائما، كأنه كان يقرأ كل خطواتنا وتطور الكذب والتلفيق والتدمير سلفا. أ: لكنه يخضع لعلاج نفسي. لقد تضرّر. ب: بالطبع تضرّر. كان يقول انهم (اي نحن) نريد ذاكرته واننا نريد تدميرها. واننا نريد استغلاله. سفسارشك: ليس تدميرها بل تحويلها… ب: الى صالحنا. أ: يرفض! (ضاحكا) كتب الى صديق له في الخارج انه يحاول بكل ما فيه من بقايا قوة للابقاء على ذاكرته نقية. واكد له انه حزين جدا بسبب ظلم وكذب ذوي القربى. يعني انهم تعاونوا معنا على تدميره وتدمير ذاكرته. كان يردد احيانا انه شديد الخوف من ان يحوّل اعداؤه ذاكرته عن مجراها الطبيعي وان تؤثر القذارات على ما في رأسه وتصل اعماق المياه الجوفية اي اللاوعي عنده، وان يضعه اعداؤه الكثر في المنطقة التي يرسمونها له. يخاف من دورة الشعب كما يقول.

سفسارشك: ذكي وتيس. أ: والعمل؟ سفسارشك: محو الذاكرة وضربه بالقذارات الى ان تلين قناته. أ: تدجينه يعني؟ سفسارشك (بضيق): تدجينه والاستفادة منه. هو يعرف تماما ما الذي نريده منه. انه عنيد. علينا ان نكثف الهجمات ضده الى ان يسقط تماما. ان يكون مخصيا. ب: وهذه الحرب الى متى تستمر ضده؟

سفسارشك (بلؤم): الى ان يخصى تماما ويخرج اما راكعا او زاحفا وهو يحمل العلم الابيض. أ: انها حرب فعلية.

سفسارشك: تماما! أ: لكن النتائج تأتي عكسية منه. سفسارشك: الوصول الى دماغه هذه هي مهمتنا. من هناك يبدأ التراجع الخطير. الكسر المعنوي يقوده الى الجنون والهلاك. انه ما زال يتشبث بذاكرته. لكن من اين له ان يظل متماسكا في غمرة الحملة عليه؟!

ب: انه يحب ناسه واهله. سفسارشك: كان راديكاليا متمردا. ما الذي جرى له؟!

أ: ازدادت راديكاليته صلابة وقوة على نحو هادىء جدا. سفسارشك: سينكسر!

أ: حتى اذا ما انكسر، فان ذلك يأتي على نحو هادىء راديكالي. سفسارشك: والسبب؟

أ: لانه لا مصلحة له ولا يريد شيئا. سفسارشك: عدمي. ب: ليس تماما. انه يحب شعبه ويسكت على الضيم. سفسارشك: واصدقاؤه الذين نزلوا عليه وطبخوا الطبخة ضده من دون سبب ودبّوه في جهنمنا، الا يريد شيئا منهم؟

ب: ابتعد عنهم. سفسارشك: هذا كل شيء؟!

أ: لا يذكرهم حتى. سقطوا من عالمه. سفسارشك: اذن جرت عملية محو.

أ: لقد ارادوا محو ذاكرته اكثر منا.

سفسارشك (ضاحكا بشماتة): يا للاصدقاء الاوفياء! لو كنت مكانه لانقلبت رأسا على عقب. أ: في كوابيسه لم يجر له ما جرى له في واقعه (ضاحكا) وكل ذلك بسبب سوء فهم. سفسارشك: ما لا افهمه انه عندما انعزل وابتعد هو او ابتعد اصدقاؤه عنه ان عملية فراغ كبيرة حدثت له. من يملأ هذا الفراغ؟ أ: لا احد. لا يريد احدا!

سفسارشك: الا يريدنا ان نكون اصدقاء له؟

أ: انه يكرهنا ويحتقرنا ويحتقر كل من يلجأ الينا. يعرف خفايا الامور. لكنه بعيد وبري. سفسارشك: الا يكتب؟

ب: توقف عن الكتابة كنوع من الاحتجاج ولا بد ان يعود. سفسارشك: لا بد ان يعود، وسنرى ما سيكتب. (يتحرك سفسارشك في الغرفة شبه المظلمة) اذا وصلت الضربات مياهه الجوفية فلا بد ان تغييرا كبيرا سيجري او فعلا قد جرى له. أ: لا يبدي رغبة في الكتابة.

سفسارشك: لا بد ان تجري له عملية محو. فظلم ذوي القربى اشد مضاضة من حد الحسام المهند. انا اعرف ثقافتهم خير المعرفة. أ: ضربات الاصدقاء صعبة. انه لا يثق باحد. سفسارشك: هذا محو وتغيير. ب: لكنه ما زال في مكانه. سفسارشك: والنتيجة؟ المرض النفسي. المياه الجوفية التي تلوثت. هذا من اصعب الامور. سيعيش في عالم مهزوز. ب: هذا ما يحدث له. سفسارشك: كما ان حريته صارت مشروطة اكثر. انه لا يحب الاضواء ويؤثر الوحدة، وما فعله الاصدقاء له هي اصابته في صميم نفسه ومياهه، لذا سيتعذب كثيرا. ب: لكنه لا يقول. سفسارشك: سيقول. أ: كيف؟! سفسارشك: لقد ضيّقنا عليه بطرقنا الى درجة الموت في الحياة. اطبقنا عليه. ولا بد ان ينفجر. أ: حتما ضدنا، لانه يكرهنا. سفسارشك: ليس بالضرورة ضدنا فقط. (مبتسما) ما هي آخر قراءاته؟

أ: نيتشه. سفسارشك (ضاحكا): عظيم! اقترب وقت الانفجار. ب (محتارا): لماذا نعذبه نحن؟

سفسارشك (تقاطيع وجهه جامدة تشي بالقسوة واللؤم): ستفهم فيما بعد. كل ما علينا فعله الآن هو المزيد من قلب الحقائق وتحويل الكذب الى حقائق. هذا سينهكه ان عاجلا ام آجلا. أ: كما انه يعيد قراءة جورج اورويل. سفسارشك (مطلقا ضحكة لئيمة): انه يرى ظلالنا ويدرك اللعبة. لكن المياه الجوفية انضربت عنده. اقسم لكما بذلك من معرفة اكيدة. لا يعقل ان يبقى كما كان. ربما كان يكابر. المكابرة صعبة جدا. صدقاني انه يعاني معاناة رهيبة. لقد وقع في الفخ. كلما احكمنا الفخ ضده كلما انضربت مياهه الجوفية اكثر. انه يقاوم بصمت ولوحده. سيتعب. أ: لقد تعب. الا ينادي الحقوني؟

سفسارشك: سيفعل. أ: تبدو شديد التفاؤل. سفسارشك: التجربة اكبر معلّم. ب (يريد التكلّم لكنه يمسك عن الكلام.)أ (الى ب): هل تريد قول اي شيء؟

ب: كلا. سفسارشك: اذن انتهت جلستنا السرية (الى أ وب) الى عملكما. أ (مستدركا): ماذا عن رقم 140 ؟ سفسارشك (مفكرا او متذكرا لثوان): لا يسوى التعب. دعاه وشأنه. (أ ينظر الى ب. ب ينظر الى سفسارشك باستغراب، الاخير ينظر اليهما كأنه لا يفهم. ينظرون الى بعض. يبدو الخوف واضحا على امارات وجوههم.) سفسارشك (كاسرا حدة الجو، وبصوت اجوف): الى العمل! أ: حسنا!

ب: حسنا!

يختفي أ و ب. يبقى سفسارشك في مكانه مضطربا. يبدو لسبب ما منزعجا جدا. يمسح عينيه ويخرج من الغرفة وهو يكتم توتره. الغرفة خالية وشبه مظلمة تحوم فيها اطياف سفسارشك الادون الجديد آخر موديل. (الادون سفسارشك: شخصية من شخصيات رواية المتشائل لاميل حبيبي). (الجليل، 27 حزيران/يونيو 2011)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية